; واحة الإيمان «الإحساس بالذنب» | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان «الإحساس بالذنب»

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1986

مشاهدات 67

نشر في العدد 777

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 29-يوليو-1986

  • من الناس من يموت فيه الإحساس حتى عن تمييز المعاصي الواضحة!
  • السبب الرئيسي في مشكلة عدم الإحساس بالذنب هو ألفة المنكر لكثرة اقترافه.

أصول المعاصي:

يقول الإمام ابن القيم: «أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها، ثلاثة: تعلق القلب بغير الله، وطاعة القوة الغضبية، والقوة الشهوانية، وهي الشرك والظلم والفواحش».

فغاية التعلق بغير الله شرك وأن يدعى معه إله آخر، وغاية طاعة القوة الغضبية القتل، وغاية طاعة القوة الشهوانية الزنا. ولهذا جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ (الفرقان: ٦٥)«1».

هذه الأصول الواضحة لها فروع قد تخفى على الكثير فلا تشعر بأنها ذنوب يجب الإقلاع عنها، ومن الناس من يموت الإحساس فيه حتى عن أصول المعاصي الواضحة، فلا يشعر بشيء ألبتة. تلك القلوب التي غطاها الران فأصبحت بلا بصيرة، ومات عندها الشعور فما عادت تحس بشيء.

ألفة المناكر...

ولعل السبب الرئيسي في مشكلة عدم الإحساس بالذنب هو ألفة المنكر لكثرة اقترافه، تمامًا كإلفتنا لمخلوقات الله العظيمة كالسماء وما فيها، والأرض وما عليها من مخلوقات عجيبة بسبب كثرة رؤيتنا لها، ولكننا تعجبنا عندما نزل الإنسان على القمر، وما زلنا نتعجب عند كل اختراع جديد، وننسى ما هو أدق وأبرع بالخلقة من هذه المخترعات البشرية، وذلك بسبب إلفتنا لما نراه من مخلوقات الله، كذلك الذنوب عندما تزاول كثيرًا، يألفها القلب فما يعود ينكرها، وهذا ما كان يخيف أبو الحسن الزيات رحمه الله فكان يقول: «والله لا أبالي بكثرة المنكرات والبدع؛ وإنما أخاف من أنيس القلب بها؛ لأن الأشياء إذا توالت مباشرتها أنست بها النفوس، وإذا أنست النفوس بشيء قل أن تتأثر به»«2».

ألفة العقوبة..

وأخطر من ألفة المنكر هو ألفة العقوبة، حتى يصل إلى درجة عدم الإحساس بأن الحال الذي هو فيه عقوبة لذنب قد اقترفه، وليستمع من وصلت به الحال إلى هذه الدرجة لقول ابن الجوزي عندما يقول: «واعلم أنه من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب، فإن العقوبة تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين، وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس، فيكون من آثارها سلامة البدن وبلوغ الأغراض»«3».

ومن أمثالها ألا يوفق البعض لصلاة الفجر زمنًا طويلًا، حتى يألف هذا الذنب، ويألف تلك العقوبة، فما يعود يشعر بوخز الضمير وألم الذنب؛ بينما كان الرعيل الأول يعود بعضهم الآخر عندما يفوت أحدهم صلاة جماعة. ومن تصل فيه الحال إلى درجة انعدام الإحساس بعقوبة الذنب فهذا على خطر كبير؛ إذ ربما سبب ذلك إلى سقوطه ورجوعه إلى طريق الضلال والذي يطلق عليه الإمام ابن القيم «القتل» إذ يقول: «الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل»«4».

يخافون حتى على الحسنات..

ويتجاوز جيل الرعيل الأول قضية الإحساس بالذنب إلى درجة قل من يصل فينا إليها، وهي الخوف من عدم قبول الحسنات، فها هو التابعي الجليل الحسن البصري يخبر جيل التابعين عنهم فيقول: «لقيت أقوامًا كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم، ولقد لقيت أقوامًا كانوا من حسناتهم أشفق ألا تقبل منهم من سيئاتكم»«5». ذلك جيل فريد لا يتكرر، ما هم كأحدنا يصلي ركيعات في الليل وينفق دريهمات قليلة للدعوة، يحسب أنه قد وصل.

القلوب اليقظة..

أولئك كانوا أصحاب قلوب يقظة لا يعرف الران إلى قلوبهم سبيلًا، وما أفسد شيء من حب الدنيا أجهزة الإحساس في قلوبهم، حتى يصل الإحساس بأحدهم أنه يتذكر ذنبًا منذ أربعين سنة، ما زال يحس بأثره؛ فمما رواه عبيد الله بن السري قول التابعي القدوة ابن سيرين: «إني لأعرف الذي حمل علي الدين ما هو؛ قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس»«6». وما يستطيع أحد أن يتذكر ذنبًا مضت عليه كل هذه السنين إلا رجلًا قد قلت ذنوبه فاستطاع أن يحصيها، لذلك عندما أخبر عبيد الله بن السري أبا سليمان الداراني بذلك قال: «قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك فليس ندري من أين نؤتى»«7».

هكذا كانوا يحسبون بالذنب، بربطه بالبلاء الذي يصيبهم؛ فمما يرويه ابن الجوزي: «عن بعض السلف أن رجلًا شتمه، فوضع خده على الأرض وقال: اللهم اغفر لي الذنب الذي سلطت هذا به علي»«8».

وحتى إذا لم يوفقوا لطاعة رطوا ذلك بذنب ربما اقترفوه، فعن أبي داود الحفري قال: «دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا هو يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إن بابي لمغلق، وإن ستري لمسبل، ومنعت جزئي أن أقرأه البارحة، وما هو إلا من ذنب أذنبته»«9».

أعبد الناس...

وقوم هذا شأنهم، يستحقون بأن يصفهم الشهيد المفسر سعيد بن جبير بأنهم من أعبد الناس، ذلك عندما قيل له: «من أعبد الناس؟ قال: رجل اجترح من الذنوب، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله»«10». هذا فيمن اقترف ذنبًا، فكيف فيمن لم يقترف ذنبًا ويبكي فوات العمل الصالح لظنه أن تلك عقوبة لاقترافه الذنوب، فأين قساة القلوب من الدعاة من هؤلاء، أفنطلب بعد ذلك نصرًا على الباطل ونحن على هذه الحال؟!

«1» الفوائد: 106- النفائس.

«2» تنبيه الغافلين، للنحاس، ص93.

«3» صيد الخاطر 169، الطنطاويات.

«4» الفوائد: 54- النفائس.

«5» صفة الصفوة 3/ 227.

«6»«7» صفة الصفوة 3/ 246.

«8» صيد الخاطر 338.

«9» صفة الصفوة 3/ 122.

«10» الزهد لأحمد 387.

الرابط المختصر :