العنوان واحة الإيمان.. «صور من الندم يوم القيامة»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
مشاهدات 66
نشر في العدد 785
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
وتتوالى صور الندم في ذلك، كلما رأى أصحاب المعصية لونا من العذاب
يتذكرون على إثره الوقت الذي أضاعوه هدرا دون استغلال في طاعة الله، وتحقيق الهدف الذي
خلقوا من أجله، وهو عبادة الله.
الصورة الرابعة: عند مجيء النار
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «يؤتى بالنار يومئذ لها سبعون ألف
زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها».[1]
عندما يرى النار بهذه الصورة العظيمة يجرها أربعة آلاف وتسعمائة
مليون ملك، وقد تصاعدت منها الألسنة العملاقة، والأعناق ذوات العيون المبصرة، كما جاء
في الترمذي قول الرسول -صلى الله عليه وسلم: «يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان
تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة، بمن جعل مع الله إلها آخر،
وبكل جبار عنيد، وبالمصورين»[2] وهو يسمع تغيظها وزفيرها وهي
تصيح بصوت مرعب هل من مزيد هل من مزيد حينها يتذكر الإنسان لحظات المعاصي والكسل والتواني
والتسويف ومخادعة الله بالتوبة والساعات الكثيرة التي ضاعت، ولكن ما فائدة هذه الذكريات
﴿وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ (الفجر: 23) وهو
يتقطع حسرات ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: 24) يقول سيد -رحمه الله: «ولكن لقد فات الأوان ﴿وَأَنَّىٰ
لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ (الفجر: 23) ولقد مضى عهد الذكرى فما عادت تجدي هنا في دار الجزاء
أحدا! وإن هي إلا الحسرة على فوات الفرصة في دار العمل في الحياة الدنيا! وحين تتجلى
له هذه الحقيقة: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: 24) أمنية فيها
الحسرة الظاهرة وهي أقسى ما يملكه الإنسان في الآخرة![3] وإنها
أقسى حالات الندم التي يمر بها الإنسان دون أمل لإصلاح ما قد مضى.
الصورة الخامسة: عند وقوفهم على النار
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا
يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
(الأنعام: 26)
يقول ابن كثير «يذكر تعالى حال الكفار إذ وقفوا يوم القيامة على
النار وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال،
فعند ذلك قالوا: «يا ويلتنا».[4]
ومن العجب أن يقولوا أثناء تمنيهم ونكون من المؤمنين بينما هم الذين
كانوا يحاربون الدعاة إلى الله، ويحاربون كلمة التوحيد ويستهزئون بمن يدعون إليها،
فلماذا إذن يتمنون الآن أن يكونوا من المؤمنين؟ ولماذا الآن ولم يكن ذلك في الدنيا؟!
إنه النفاق الذي مازال عالقًا فيهم حتى وهم أمام النار يشاهدون أهوالها، فهم يظنون
أن نفوسهم تخفى على الله وأنهم يستطيعون مكر الله، لذلك يستخدمون الكذب، وكل ما يملكون
من أدوات التعبير والإقناع لينجوا من هذا العذاب الحتمي، إنها صورة عجيبة فهي ندم مخلوط
بخداع أو هو خداع مخلوط بندم وكلتا الصورتين فظيع.
الصورة السادسة: بعد إلقائهم في النار
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ
يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا
أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ
مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 66-68).
قال ابن كثير: «أي يسحبون في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على
جهنم، يتمنون أن لو كانوا في الدنيا ممن أطاعوا الله وأطاعوا الرسول». [5]
ها هم قد اكتشفوا بأن الطريق التي كانوا يسلكونها كانت طريقًا خاطئة
بسبب اتباعهم لسادتهم وكبرائهم ممن سلك طريق الشيطان وها هم يتجرؤون في تلك اللحظات
على لعن سادتهم، ومخاطبتهم بمثل هذه اللهجة الجريئة بعدما عاشوا في الدنيا جبناء أذلاء
صاغرين عن قولَةِ الحق، وإنكار المنكر، وبعدما قذفوا في النار وذاقوا عذابها استيقظ
شعورهم المتبلد وأخذوا يندمون على عدم اتباعهم لطريق الله ورسوله، ولكن بعد فوات الأوان.
_________________
[1] مسلم 2842 صفة الجنة.
[2] الترمذي- وحسنه الأرناؤوط-
جامع الأصول 8065.
[3] الظلال 6/3906
[4] تفسير القرآن العظيم 2/128
[5] مختصر تفسير ابن كثير 3/116.