; واحة الإيمان: محبة الدنيا | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان: محبة الدنيا

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1986

مشاهدات 68

نشر في العدد 771

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 17-يونيو-1986

العجوز الشمطاء

«عن العلاء بن زياد قال: رأيت الناس في النوم يتبعون شيئًا فتبعته، فإذا عجوز كبيرة هماء عوراء عليها من كل حلة وزينة، فقلت: ما أنت؟ فقالت: أنا الدنيا. قلت: أسأل الله أن يبغضك إلي. قالت: نعم إن أبغضت الدرهم» «١».

حب المال هو العنصر الرئيسي لحب الدنيا، والنفس بطبعها محبة للمال، وإن صاحب المال يجب أن يزيد ماله كما أنه لا يحب أن ينقص منه شيء؛ لأنه يتوهم أن هذا المال يملكه ملكًا حقيقيًّا، وينسى أو ينسيه الشيطان أن هذا المال هو ملك لله يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، كما أنه فتنة للإنسان، إلا أولئك المدركون لحقيقة المال، فأعطاهم الله من المال الكثير وسلطهم على هلكته في أمور الخير، فكان المال في أيديهم ولم يتسرب إلى قلوبهم، لذلك مدحهم الله في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (التغابن: 16)«۲»، فلم يقبلوا بأن يكونوا عبيدًا لأنفسهم، وأبوا إلا أن يكونوا هم السادة الأحرار من قيود النفس فنالوا واستحقوا الفلاح في الدنيا، وفي الآخرة.

الصمود أمام إغراء المال:

وهذا هو الإمام أبو حنيفة أحد أولئك الذين انتصروا على نفوسهم، ولم يدخلوا في قلوبهم حبيبًا غير الله، ورفضوا بعد ذلك أن يذلوا ويخضعوا لغيره سبحانه وتعالى، يأمر المنصور له «بعشرة آلاف درهم، وكان المتولي لإعطاء ذلك، الحسن بن قحطبة، فلما أحس أبو حنيفة بأنه يرسل بها إليه أصبح لا يكلم أحدًا كأنه مغمى عليه، فأتى في ذلك اليوم بالدراهم، فجاء بها رسول الحسن بن قحطبة، فدخل بها عليه، فقالوا له: ما تكلم اليوم بكلمة. فقال: كيف أصنع؟ قالوا: انظر ما ترى، فوضعها في مسجده في ناحية البيت، فانصرف، فمكثت تلك البدرة في ذلك الموضع، فلما مات أبو حنيفة كان ابنه حماد غائبًا، فقدم بعد موته فحمل البدرة، فأتى بها باب الحسن بن قحطبة، فاستأذن فأذن له فدخل فقال: إني وجدت في وصية أبي: إذا دفنت فخذ هذه البدرة التي في زاوية البيت فأت بها الحسن بن قحطبة، فقل: هذه وديعتك التي كانت عندنا» «۳».

هذا من الرجال الذين أدركوا حقيقة المال فتعامل معه على هذا الفهم.

حقيقة ما تملك

ونرى الحسن البصري يصيح في أولئك الذين أعماهم الجشع، وغطى الران على قلوبهم، فما عادوا يبصرون حقيقة المال وفتنته، وظنوا أن كل ما جمعوه من المال هو ملك لهم، ها هو يقول لهم: «ابن آدم، مالي مالي، هل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت» «٤».

ومن يدرك هذه الحقيقة إلا أولئك الذين أبت نفوسهم الوقوع على الجيف؛ لأنهم عودوها على معالي الأمور، فنفوسهم معلقة في حواصل طير خضر تطير في عرصات الجنة، وما الدنيا في نظرهم إلا جيفة لا ينبغي لطالب الآخرة أن يطأطئ هامته إليها، هكذا يتكلم بلسان حالهم الإمام ابن القيم؛ إذ يقول: «الدنيا جيفة، والأسد لا يقع على الجيف» «٥».

لذات الدنيا

إن هؤلاء الذين أدركوا حقيقة الدنيا وفتنها، ففضلوا الآخرة عليها إنما انطلقوا من حقيقة زوال هذه الدنيا وخلود الجنة ونعيمها، فقارنوا بين هذه وتلك، فقدموا الباقي على الفاني، فكل ما في الدنيا مؤقت، حتى لذاتها مؤقتة، ولا تحصل إلا بعد تعب ونصب، يوضح هذه الحقيقة الإمام ابن الجوزي فيقول: «وليس في الدنيا أبله ممن يطلب النهاية في لذات الدنيا، وليس في الدنيا على الحقيقة لذة، إنما هي راحة من مؤلم» «٦».

«۱»«۲» الزهد ٢٥٥.

«۳» أخبار أبي حنيفة، ص٦٣.

«٤» الزهد ٢٧٤.

«٥» الفوائد، ص٦٨.

«٦» صيد الخاطر، ص۳۲۱، المكتبة العلمية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 30

116

الثلاثاء 06-أكتوبر-1970

لعقلك وقلبك (30)

نشر في العدد 212

215

الثلاثاء 06-أغسطس-1974

الحكم وسيلة.. لا غاية

نشر في العدد 840

84

الثلاثاء 27-أكتوبر-1987

نماذج من أصحاب هَمِّ الآخرة