; واشنطن.. عاصمة الخوف والجريمة | مجلة المجتمع

العنوان واشنطن.. عاصمة الخوف والجريمة

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1993

مشاهدات 147

نشر في العدد 1075

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 16-نوفمبر-1993

المشردون  يملؤون شوارع واشنطن بالليل والنهار ويتخذ الكثيرون منهم مقر إقامتهم حول البيت الأبيض، فيما تسيطر العصابات على كثير من أحياء العاصمة الأمريكية في الليل، ومحافظ واشنطن يطالب بنزول الأمن الوطني إلى الشوارع.

لم يخفني شيء وأنا أسير في شوارع العاصمة الأمريكية واشنطن قرب منتصف الليل - مخالفًا بذلك كافة تعليمات الزميل أحمد يوسف مدير المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث - قدر هؤلاء المشردين الذين كنت أفاجأ بهم الواحد تلو الآخر وهم يخرجون من زوايا البنايات الفخمة والعمارات الشاهقة يطلبون منِّي بعض المال، وحينما امتد بي المسير وحتى البيت الأبيض مقر إقامة الرئيس الأمريكي وجدت كثيرًا من هؤلاء وقد افترشوا الحديقة المواجهة له بملابسهم الرثة وأشكالهم المخيفة وهم ينامون في العراء في تحدٍّ ظاهر للغطرسة الأمريكية التي رغم رفعها لراية السيادة العالمية فإنها قد عجزت عن توفير المأوى لهؤلاء الذين يبلغ عددهم حسب بعض الإحصاءات 15 مليون مشرد، وقد عمد بعض هؤلاء أن يتخذوا مقر إقامتهم حول البيت الأبيض حيث يترقب العالم أجمع كل ما يصدر منه من قرارات تؤثر أو تغير من سياسات الدول والأنظمة ليقولوا للجميع.. هذه هي أمريكا بكل ما فيها من غطرسة وسيادة وهذا هو النظام العالمي الجديد الذي تريد أن تتحكم أمريكا من خلاله في مقدرات العالم ورغبات الشعوب، وهذا هو مقر لجان حقوق الإنسان التي تصم آذان الجميع بشعاراتها البراقة وانتقاداتها الدائمة لبعض ما يحدث في بلاد العالم الثالث دون أن تنظر تحت أقدامها لترى ما يحدث أمام البيت الأبيض.

قررتُ العودة إلى الفندق الذي نزلت فيه في قلب واشنطن مع مخاوفي من هؤلاء الذين يقفون في زوايا الشوارع يرمقونني وأنا أغير طرق المسير كلما لمحت أحد المشردين يقف في إحدى زوايا الشارع أو يترقب مروري به، فصرت كالحيران الذي لا يدري أين يذهب؟ كلما ذهبت إلى جانب وجدت فيه بعض المشردين، وترددت في أذناي تحذيرات أحمد يوسف كلما شعرت باقتراب الخطر مني، ولِمَ لا أخاف وواشنطن أصبحت أكبر عاصمة للجريمة في العالم، وأصبح سكانها يستيقظون كل صباح على جريمة قتل أو سرقة أو غير ذلك من الجرائم التي ترتكب بشكل بشع، وأصبح البوليس يخشى من دخول بعض الأحياء فيها لاسيما حينما يحل الليل حتى أن عدد جرائم القتل قد زادت منذ بداية العام حتى الآن عن 450 جريمة قتل مما حولها وهي عاصمة الولايات المتحدة الأمريكية التي يهز اسمها بعض العروش المهتزة في أنحاء مختلفة من العالم إلى شبح مخيف وكئيب، سواء للمقيمين فيها أو الزائرين إليها الذين يعتبر سير أحدهم في الشوارع بعد العاشرة ليلًا خطرًا محدقًا به يمكن أن يودي بحياته أو نَهْبِ ما في جيبه من أموال على أضعف تقدير، وقد دفع هذا محافظ واشنطن في الأسبوع الماضي أن يطالب الكونجرس بالسماح بنزول الحرس الوطني «جناح خاص للأمن الداخلي» إلى شوارع واشنطن لضبط الأمن فيها والسيطرة على العصابات المنظمة التي تسيطر على أحيائها المختلفة لتصبح تحت سيطرتها في الليل حيث يتم الترويج للمخدرات والدعارة وكافة أشكال الفساد الأخرى.

عدت إلى الفندق منهكًا بعد منتصف الليل ومخيلتي تدور فيها أشياء كثيرة للربط بين الواقع الذي رأيته والسيادة التي تفرضها أمريكا على العالم والتناقض بين الصورتين غير أن قناعاتي لم تكن كافية، فتوجهت نهارًا لرؤية المشردين حول البيت الأبيض والتقطت بعض الصور لهم إلا أن روح المغامرة بداخلي دفعتني إلى البحث عمن يغامر معي ويذهب بي إلى أحد أحياء الجريمة المخيفة في العاصمة واشنطن، حتى أرى كيف أن حكومة الرئيس كلينتون التي تفرض هيمنتها على كثير من دول العالم لا تستطيع أن تفرض هيمنتها على بعض الأحياء القريبة من البيت الأبيض، آنست في الأخ عبد السلام سراج الدين أحد الشباب النشيطين العاملين في مكتب هيئة الإغاثة العالمية في واشنطن أن يشجعني على هذه المغامرة، وأسررت له بما في نفسي فنظر إليَّ وابتسم وقال: يمكننا أن نذهب بالنهار إلى هذه الأحياء بل يمكنني أن آخذك الآن إن شئت، أما في الليل فالأمر خطير ورجال البوليس أحيانًا يخشون دخولها، فقلت له وهل هذه الأحياء بعيدة؟ قال: كلا إنها على بعد دقائق بالسيارة من الفندق الذي تقيم فيه وعلى بعد دقائق أيضًا من البيت الأبيض.

أخذني عبد السلام نهارًا إلا أنه لاحظ عدم اقتناعي بالعرض، فقال لي: إذن سوف آخذك في الليل والله المستعان، قلت له: ولكنِّي لا أريد الذهاب في أول الليل، بل أريد الذهاب قرب منتصف الليل، قال: يا صاحبي هذه مغامرة ولكنِّي سأحاول ترتيب الأمور. كان عبد السلام يستأجر سيارة ليموزين فخمة أحضرها وجاءني بعد الحادية عشرة ليلًا وقال: هذه أنسب سيارة ندخل بها أحياء السود المخيفة هنا في واشنطن لأنهم حين يرون هذه السيارات يعتقدون أن ركابها - لاسيما إذا كانوا اثنين - إما من رجال المخابرات (F.B.I) وإما من الأثرياء الذين يبحثون عن المخدرات وفي كلتا الحالتين فإنهم سيكونون حذرين في الاحتكاك بنا أو الاقتراب منا.

من أحد الشوارع المضيئة والتي بها شيء من الحركة رغم اقتراب منتصف الليل دخل بي عبد السلام إلى شارع جانبي بدت الكآبة والأضواء الخافتة على جانبيه فأدركت أني دخلت أحد أحياء السود المعروفة بانتشار الجرائم بها، ومن وسط الأماكن المظلمة وأركان البيوت الكئيبة كان السود وبعض الآسيويين - الذين يدخلون في صدامات دائمة مع عصابات السود على مناطق النفوذ في الأحياء ليلًا - يقفون على جوانب الطريق يرمقون سيارتنا التي كانت تمشي في هدوء فيما كان يقف على ناصية كل شارع اثنين= اثنان أو ثلاثة أو أربعة يرمقوننا وينتظرون إشارة منَّا لنطلب منهم المخدرات إذا كنا - والعياذ بالله - من أهلها وأخبرني عبد السلام أن لكل عصابة منطقة لا يستطيع أي من أفرادها تجاوزها إلى المنطقة الأخرى وإلا تسمع طلقات الرصاص ويسقط قتيل هنا وآخر هناك، وقد تنشب أحيانًا بعض المعارك الكبيرة التي يسقط فيها كثير من القتلى والجرحى وإذا جاء البوليس فإنه يأتي بعد انتهائها.

قلت لعبد السلام: هل يمكن أن نتوقف قال: لا يمكن أبدًا إننا نريد أن نخرج أحياء من هنا يا صاحبي فأشكالنا توحي بالطمع من قبَل هؤلاء فينا لا سيما إذا اكتشفوا أمرنا، وهم لهم لغة خاصة مع أصحابهم والمتعاملين معهم نحن لا نعرفها.. أنت يا صاحبي في واشنطن.. أكبر عواصم العالم في نسبة الجريمة.. وأنت الآن في قلب أحد أحياء السود المشهورة بالجريمة.. وأنت الآن قرب منتصف الليل.. وهؤلاء الذين تراهم على جانبي الطريق أفراد في عصابات محترفة تمارس كافة أشكال الجرائم وقتل الإنسان لديهم مثل شربة الماء، ورجال البوليس أنفسهم يخشون دخول مثل هذه الأحياء في مثل هذه الأوقات، ويكفي أني أطعتك وغامرت بك فدعني أخرج بك سالمًا من هنا غفر الله لي ولك.

شكرت عبد السلام على مغامرته معي وامتثلت طائعًا له مكتفيًا بما رأيت، وحينما أعادني إلى الفندق كانت الساعة قد جاوزت الثانية عشرة والنصف ليلا وقد أدركت حجم الخوف والرعب الذي تمتلئ به واشنطن في الليل رغم أنها في النهار - وربما في النهار والليل - تصبح قِبلة الملايين من المبهورين بالتقدم الاستراتيجي والتقني والعسكري والتكنولوجي والإداري الذي لا يستطيع أن ينكره أحد، لكن الجريمة حينما تنخر في المجتمعات مهما بلغت هذه المجتمعات من التقدم والازدهار، فإنها توحي بانهيارها حتى وإن كانت تراقب العالم من الفضاء وتدعِي سلطانها عليه في الأرض، ولهذا فإن علماء الاجتماع هنا ينذرون بانهيار هذه المجتمعات وسقوطها على رؤوس أهلها إذا استمرت على هذه الحال.

لم أخبر الزميل أحمد يوسف وحتى كتابة هذه السطور وربما نشرها عن ذهابي قرب منتصف الليل إلى أحد أحياء الجريمة في واشنطن للاطلاع على حقيقتها المخيفة، ولكني أخبرته فقط عن مغامرتي الأولَى وأني خرجت قرب منتصف الليل فمشيت في الشوارع حتى وصلت إلى مبنَى الصحافة الوطني والبيت الأبيض ولم أكمل حديثي.. ففغر فاه واعتدل في جلسته وقال لي.. هل حقًا ما تقول؟ قلت: نعم قال: ألم أحذرك يا صاحبي من النزول من الفندق بعد العاشرة ليلًا أو حتى ركوب سيارة تاكسي في هذا الوقت، فقلت له محاولًا إخفاء الرعب الذي كان يدب في جسدي حينما أواجه أحد المشردين: ربما كنت تبالغ قليلًا في تحذيراتك لي: فقال ألم تواجه أي مشاكل أثناء مسيرك هذا؟ فقلت له: فقط بعض المشردين كانوا يعترضونني فكنت أبتعد عنهم مسرعًا، لكن الشوارع كان يسير بها بعض الناس الذين كنت آنسُ بهم.

فاستغرق أحمد يوسف في الضحك وقال: أتعرف هؤلاء الذين كنت تأنس بهم يا صاحبي إن معظمهم من رجال العصابات الذين ينزلون في الليل إلى الشوارع ليلتقطوا أمثالك ويأخذوا ما في جيوبهم من مال أو الساعات التي يرتدونها أو أي شيء تطاله أيديهم ومن يعترض أو يرفض يكون ثمن رفضه رصاصة بنصف دولار تستقر في رأسه وكثير من هؤلاء المشردين أفراد في تلك العصابات، وهم يعتمدون على السرعة الفائقة في تنفيذ عملياتهم بتسليط مسدس إلى الرأس والاستيلاء على ما معك ثم الاختفاء في ثوان معدودة وفي وقت قياسي ربما لا تستطيع معه حتى مجرد الصراخ، وقد رويت لك قصصًا كثيرة لبعض من نعرفهم حتى تكون حذرًا.. ربَتَ أحمد يوسف بعد ذلك على كتفي وقال: يجب أن تعلم أنه قد كتب لك اليوم عمر جديد.. فقلت في نفسي وما الذي سوف تقوله لي حينما تعلم أني ذهبت قرب منتصف الليل إلى قلب أحياء الجريمة، وتفقدت أفراد العصابات وتجار المخدرات وهم يقفون تحت الأضواء الخافتة وفي زوايا الشوارع المظلمة ينتظرون زبائنهم.

خرجت سريعًا من حديثي مع نفسي وقلت له: إننا منذ كنَّا صغارًا ونحن نسمع عن الجرائم في شيكاغو وليس في واشنطن لذلك أرجو أن تساعدني في الذهاب إلى شيكاغو للاطلاع على أهم معالمها، فقال أحمد يوسف: متى تحب أن تذهب؟ قلتُ غدًا.. قال إذن فلتعد نفسك للذهاب غدًا إلى شيكاغو.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

116

الثلاثاء 16-يونيو-1970

كونوا مسلمين!

نشر في العدد 79

97

الثلاثاء 28-سبتمبر-1971

الجيش الأمريكي.. مسطول!

نشر في العدد 242

89

الثلاثاء 25-مارس-1975

توقفت مهّمة كيسنجر