; من الحياة.. وافعلوا الخير | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة.. وافعلوا الخير

الكاتب سمير يونس صلاح

تاريخ النشر الجمعة 13-يناير-2012

مشاهدات 59

نشر في العدد 1984

نشر في الصفحة 58

الجمعة 13-يناير-2012

يروى أن رجلًا يسمى «ابن جدعان» خرج في فصل الربيع يتفقد إبله ويرعاها، فوجدها سمانًا، ورأى ناقة يكاد الحليب ينفجر من ضرعها، فقال: والله لأتصدقن بهذه الناقة وولدها على جاري، فالله يقول: ﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران: 92)

 يقول: فأخذتها وابنها وطرقت الباب على الجار، وقلت: خذ هدية مني لك، فرأيت الفرح في وجهه.. ويستطرد الرجل قائلًا:

فلما انتهى الربيع، وجاء الصيف بجفافه وقحطه وجدبه شددنا الرحال نبحث عن الماء في الدحول -والدحول هو حفر في الأرض توصل إلى محابس مائية لها فتحات فوق الأرض- يقول ابن جدعان: فدخلت هذا الدحل حتى أحضر الماء لنشرب -وأولاده الثلاثة خارج الدحل ينتظرون- فتاه الرجل تحت الأرض، وانتظره أبناؤه أيامًا، حتى يئسوا من عودته، وكانوا ينتظرون هلاكه طمعًا في تقسيم ثروته، فذهبوا إلى البيت وقسموا الميراث بالفعل، وتذكروا أن أباهم قد أعطى جارهم الفقير ناقة وولدها، فذهبوا إليه وطلبوا الناقة، فقال الفقير أشكوكم إلى أبيكم، قالوا: اشكنا إليه، فإنه قد مات! قال: مات؟! وكيف مات ولم أعلم بموته؟! قالوا: دخل دحلًا في الصحراء ولم يخرج، فقال الفقير أستحلفكم بالله أن تذهبوا بي إلى مكان موته، ثم خذوا الناقة وافعلوا ما شئتم، فذهبوا به، فلما رأى المكان الذي دخل فيه صاحبه ذهب وأحضر حبلًا، وأشعل شمعة ثم ربط الحبل خارج الدحل، ونزل الدحل متشبثًا بالحبل، حتى وقعت يده على الرجل فوجده حيًا يتنفس بعد أسبوع! فأنقذه وأطعمه، وسقاه، وحمله على ظهره، وجاء به إلى داره، ودبت الحياة في الرجل من جديد، دون أن يعلم أولاده بذلك.

قال الفقير لصاحبه: أخبرني بالله عليك، لقد مكثت أسبوعًا كاملًا وأنت تحت الأرض ولم تمت، فكيف كان ذلك؟ فأجاب: سأحدثك حديثًا عجبًا، لما نزلت ضعت وتشعبت بي الطرق، فقلت: آوي إلى الماء الذي وصلت إليه، وأخذت أشرب منه، ولكن الجوع لا يرحم، فالماء لا يكفي، وبعد ثلاثة أيام وقد أخذ الجوع مني كل مأخذ، وبينما أنا مستلق على قفاي، وقد أسلمت أمري لله، إذ بي أشعر بدفء اللبن يتدفق على فمي، فاعتدلت في جلستي، وإذا بإناء في الظلام لا أراه، يقترب من فمي فأشرب حتى أروى، ثم يذهب، فأخذ يأتيني في اليوم ثلاث مرات، ولكنه انقطع منذ يومين، ولا أدري سبب انقطاعه!

فقال الفقير لصاحبه: إذا سمعت سبب انقطاعه لتعجبت، لقد ظن أولادك أنك مت، وجاؤوا إلي، وسحبوا الناقة التي كان الله يسقيك منها، فالمسلم في ظل صدقته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا،  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: 2، 3)

ولما كان لصنائع المعروف أجر عظيم وربح وفير، فقد حرص الإسلام على تأكيده، ورغب في ذلك ترغيبًا، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴾ (الحج: 77)

وقال سبحانه: ﴿ ۞ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء: 114)

 وفي حديث رواه أبو ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ذهب الأغنياء بالأجر، يصلون ويصومون ويحجون! قال: «وأنتم تصلون وتصومون وتحجون». قلت: يتصدقون ولا نتصدق. قال «وأنت فيك صدقة، رفعك العظم عن الطريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة، وبيانك عن الأرثم «الذي لا يبين الكلام» صدقة، ومباضعتك امرأتك صدقة».. قلت يا رسول الله، نأتي شهوتنا ونؤجر؟! قال: «أرأيت لو جعلته في حرام أكان تأثم؟».. قال: نعم، قال: «فتحتسبون بالشر، ولا تحتسبون بالخير» «رواه أحمد».

ثمرات صناعة المعروف

  1. تفريج الكرب في الدنيا والآخرة:

كم من بلية غائبة في رحم الغيب أجهضها معروف بذله الإنسان، أو هم فرجه عن غيره، أو حاجة قضاها لذي الحاجة.

وهذا محمد بن الحنفية يقول: «صانع المعروف لا يقع، ولو وقع لا ينكسر» «تنبيه المغتربين، ص ١٤٠»، بل يقسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقول: «والذي وسع سمعه الأصوات، ما من أحد أودع قلبًا سرورًا إلا خلق الله تعالى من ذلك السرور لطفًا، فإذا نزلت به نائبه جری إليها كالماء في انحداره، حتى يطردها عنه كما تطرد عزيبة الإبل» «المستطرف في كل فن مستظرف، ص ١٢٥».

فإذا حار الأطباء في مرضك، ولم تجد مخرجًا ولا دواء فاسأل عبد الله بن المبارك، ذلك الطبيب المجرب، حيث سأله رجل، فقال: قرحة خرجت من ركبتي من سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج، وسألت الأطباء، فلم انتفع به، فقال ابن المبارك له: اذهب فانتظر موضعًا يحتاج الناس للماء، فاحفر هناك بئرًا: فإنني أرجو أن تنبع هناك عين، ويمسك عنك الدم، ففعل، فبرئ. «رواه البيهقي عن العلي بن الحسن كما في صحيح الترغيب والترهيب رقم ٩٥٣».

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة «رواه ابن ماجه».

ولما نزل الوحي على حبيبنا ﷺ ودخل على خديجة رضي الله عنها مرتجفًا، قالت له: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» «رواه البخاري».

  1. الفوز بالجنة:

فمن بشاراته ﷺ لأهل المعروف قوله: «إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإن أول أهل الجنة دخولًا أهل المعروف» «رواه الطبراني».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ  قال: «لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس» «رواه مسلم».

ومن هديه ﷺ قوله: «أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال» «رواه مسلم وأحمد».

  1. الإطعام والسقيا والكسوة:

فدنياك -أيها القارئ الكريم- هي مرآة لآخرتك فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأطمًا ما كانوا قط، وأنصب -أي أتعب- ما كانوا قط، فمن كسا لله كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن عمل لله أغناه الله» «انظر: قضاء الحوائج لابن أبي الدنيا، ص ٤١,٤٢»

  1. وقاية النفس من الخيبة والخسران:

يروى أن الإمام الزمخشري في طفولته كان يجلس طائرًا في بيته، فأتى هذا الطائر وقطع الحبل فنشبت رجله، فانقطعت مع الحبل وذهب الطائر برجل واحدة، وكان ذات يوم في طريقه إلى مكة، فوقع في الثلج فكسرت فخذه، وأصبح على رجل واحدة» «انظر: الجزاء من جنس العمل 2/ 118»، فكان الإمام يحسب أن ذلك كان عقابًا له.

 ومن هدي رسولنا الرحيم ﷺ: «خاب عبد وخسر من لم يجعل الله تعالى في قلبه رحمة للبشر» «رواه الدولابي، وابن عساكر، وحسنه الألباني».

  1. حفظ النعمة:

يقول الحسن البصري: «إن الله ليخول العبد في نعمته، وينظر ماذا يصنع فيها مع عباده، فإن وفاهم ما طلبوا، وإلا حولها عنهم».

لذا، فقد أوصى علي بن أبي طالب رضي الله عنه جابرًا فقال: «يا جابر من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فإن قام بمقام يجب لله فيها عرضها للدوام والبقاء، وإن لم يقم بما يجب لله عرضها للزوال» «المستطرف، ص ١٢٥».

  1. مغفرة الذنوب والنجاة من العذاب:

عن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم فقالوا: أعملت من الخير شيئًا؟ قال: لا . قالوا: تذكر. قال: كنت أدين الناس، فأمر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر. قال: قال الله عز وجل: تجوزوا عنه.. وفي رواية لمسلم: «فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي» «رواه البخاري ومسلم».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ  قال: «بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق، فأخذه فشكر الله له، فغفر له» «رواه البخاري».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ  قال: «بينما رجل بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها، فشرب ثم خرج؛ فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماء فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له».. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرًا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر» «رواه البخاري ومسلم».

  1. الفوز بحب الله:

وذلك لقوله ﷺ: أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولئن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرًا، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام» «رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وحسنه الألباني».

الغريق الأحمق

بعد أن رأينا ثمرات صناعة المعروف، وكل منا يعلم أنه في حاجة ملحة لهذه الثمرات، بل إن جميعنا غرقى نتلمس طوق نجاة، فمن لم يبادر ويسارع في صناعة المعروف فإنه حينئذ الغريق الأحمق.

أجل.. فمن الحماقة أن يتمنى الإنسان شيئًا دون دفع الثمن ليحصل عليه، ولا يختلف اثنان على حماقة الذي يرفع يديه إلى السماء منتظرًا أن تمطر عليه ذهبًا وفضة والأشد منه حماقة ذلك الشخص الذي يطلب النجاة في الآخرة ولا يبذل أسبابها.

يقول الرافعي: «ويحه من غريق أحمق.. يرى الشاطئ على بعد منه، فيمكث في اللجة مرتقبًا أن يسبح الشاطئ إليه، ويثبت الشاطئ، ويدع الأحمق تذوب ملحة روحه في الماء.. اسبح ويحك وانج؛ فإن روح الأرض في ذراعيك، وكل ضربة منهما ثمن ذرة من هذا الشاطئ، كذلك ساحل الخلد عاملًا لا وادعًا، يلهث تعبًا لا ضحكًا، ويشرق بأنفاسه لا بكأسه، وينضح من عرق جهاده لا من عطر ذاته» «كتاب المساكين، ص ٦٣».

ولله در الشاعر إذ يقول:

إذا هبت رياحك فاغتنمها

               فإن لكل خافقة سلوتا

ولا تغفل عن الإحسان فيها

             فلا تدري السكون متى يكون

وان درت نياقك فاحتلبها

                   فلا تدري الفصيل لمن يكون

لذا، فقد نصح أبو الحسن الماوردي -التربوي المسلم- الإنسان باغتنام أي فرصة تلوح لصناعة المعروف والمبادرة باستثمارها، حيث يقول: «ينبغي لمن قدر على ابتداء المعروف أن يعجله، فإنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يمهله ثقله بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة فاتت فأعقبت ندمًا، ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلًا، ولو فطن لنوائب دهره، وتحفظ على عواقب فكره؛ لكانت مغارمه مدحورة ومغانمه محبورة.. وقد قيل: من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها» «فيض القدير 4/ 206».

 

الرابط المختصر :