; والموعدُ الحوضَ | مجلة المجتمع

العنوان والموعدُ الحوضَ

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر الاثنين 01-سبتمبر-2014

مشاهدات 77

نشر في العدد 2075

نشر في الصفحة 66

الاثنين 01-سبتمبر-2014


مات الحبيب المصطفى.. لكنه حي في قلوبنا ورسالته وسنته تنير حياتنا

نزل نعيه قرآنًا فتنزلت الآيات تبين أن بلاغه تم وأن دينه قد اكتمل وأن له أن يستريح في جوار ربه عز وجل بعد عناء السنين وشدة الحياة

الرسول ولد يوم الإثنين 12 ربيع الأول ومات أيضًا يوم الإثنين 12 ربيع الأول وكان موته أعظم مصيبة تصاب بها الأمة

بعد أن ملأ الأرض نورًا وإشراقًا، وبعد أن أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، مات الحبيب. بعد أن أحبه أصحابه حبا فاق حب النفس والمال والولد.. حبًا ملك عليهم قلوبهم، فلا تتخيل لحظة أن يغيب عنهم.

مات، نعم.. مات سيد الخلق، وسيد العباد والعباد.. مات خاتم الأنبياء وإمام المرسلين وحبيب رب العالمين.. القائل له: «إنك ميت وإنهم ميتون».

فكما ولد حبيبنا محمد له يوم الإثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، مات أيضًا يوم الإثنين ۱۲ ربيع الأول، وكان موته أعظم مصيبة تصاب بها الأمة وترزأ، وما زالت، لكن عزاءنا قول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (سورة الرحمن: 26-27).

الله وتسليتنا في مصابه هي انتظار اللقاء على حوضه، والتأهب للشرب من يده الكريمة ومجاورته في الفردوس الأعلى برحمة الله.. يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: «شهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يومًا قط كان أحسن ولا أضوًا من يوم دخل علينا فيه رسول الله ، وشهدته يوم موته فما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ» «الوادعي - الصحيح المسند».

مات الحبيب المصطفى.. لكنه حي في قلوبنا، ورسالته وسنته تنير حياتنا، والموعد الحوض، واللقاء الأبدي السرمدي معه في جنات النعيم، لمن آمن به واتبع هديه، وسار على نهجه، ونصر دينه ونشر سنته، نرسل إليه سلامنا فيبلغه حيث كنا: «إن لله عز وجل ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (رواه أحمد). «ما من أحد يسلم على، إلا رد الله علي روحي، حتى أرد عليه السلام» (صحيح الجامع، حسنه الألباني).

وقد نقل لنا الصحابة رضوان الله عليهم تلك اللحظات الصعبة التي تجري الدموع من مآقيها، لحظات وداعه لهم قبل موته، إنها لحظات يشتاق فيها المؤمن للقاء نبيه ووداعه وسماع وصاياه، وما أصعب وداع الأحبة، وما أقسى ساعة الفراق.. نتخيل أنفسنا ونحن في هذا الجمع من الصحابة والنبي ﷺ ينظر إلينا ويعهد، يوصي بنا ويوصينا، ويعدنا اللقاء على حوضه ما تمسكنا بهديه ووفينا بعهده.. يا لها من لحظات يود المسلم فيها لو يفتديه بروحه ونفسه وماله حتى يسلم لنا ويظل معنا، لكن الله تعالى هو الذي خلق الموت والحياة، وهو الذي يحيي ويميت، وهو القادر وعلى كل شيء قدير.

ولقد خير النبي ﷺ فاختار لقاء ربه.. اختار بعد أن أدى أمانته وبذل جهده وبلغ رسالته، اختار بعد أن رأى ثمرة جهاده ودعوته وقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، وليس اختيار العاجزين الذين يريدون أن يتخلصوا بالموت مما يصيبهم من بلاء ويظنون أن في موتهم الخلاص اختار لأن قلبه معلق بالله ولا مكان للدنيا فيه، فقد عاش من أجل رسالة أتمها وأحسن أداءها، وها هو في طريقه لحسن الجزاء من ربه الكريم عز وجل.. روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: «إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به...» (رواه البخاري).

ونزل نعيه قرآنًا، فتنزلت الآيات تبين أنه قد تم بلاغه وكمل دينه، وقد أن له أن يستريح في جوار ربه عز وجل بعد عناء السنين وشدة الحياة وشظف العيش، فليسبح بحمد ربه شكرًا، وليستغفره طمعًا في زيادة المنزلة والرفعة وعلو المكانة والدرجة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا*﴾ (سورة النصر).. عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت «إذا جاء نصر الله والفتح» قال رسول الله ﷺ «نعيت إلى نفسي» (رواه أحمد).. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: اجتهد النبي ﷺ بعد نزولها حتى تورمت قدماه، ونحل جسمه، وقل تبسمه وكثر بكاؤه. وقال عكرمة: لم يكن النبي ﷺ قط أشد اجتهادًا في أمور الآخرة ما كان منه عند نزولها. وقال قتادة: والله ما عاش بعد ذلك إلا قليلًا (سنتين)، ثم توفي.

 

إلى الرفيق الأعلى

وها هو الحبيب يلبي نداء ربه.. يروي لنا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وينقل لنا هذه اللحظات العصيبة فيقول: نعي إلينا حبيبنا ونبينا بأبي هو ونفسي له الفداء قبل موته بست، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة، فنظر إلينا فدمعت عيناه ثم قال: «مرحبا بكم، وحياكم الله، وحفظكم الله، أواكم الله، ونصركم الله، رفعكم الله هداكم الله رزقكم الله، وفقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم وأستخلفه عليكم، إني لكم نذير مبين، ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإن الله قال لي ولكم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (سورة القصص: 83)، وقال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (سورة الزمر: 60)، ثم قال : قد دنا الأجل والمنقلب إلى الله وإلى سدرة المنتهى، وإلى جنة المأوى والكأس الأوفى والرفيق الأعلى.. أحسبه قال: فقلنا: يا رسول الله فمن يغسلك إذن؟ قال: رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى. قلنا: ففيم نكفنك؟ قال: في ثيابي هذه إن شئتم أو في حلة يمنية أو في بياض مضر.. قال فقلنا: فمن يصلي عليك منا؟ فبكينا وبكى وقال: مهلًا غفر الله لكم وجازاكم عن نبيكم خيرًا، إذا غسلتموني، ووضعتموني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري فاخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي علي خليلي وجليسي جبريل عليه السلام، ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنوده ثم الملائكة صلي الله عليهم بأجمعها، ثم ادخلوا علي فوجًا فوجًا فصلوا علي وسلموا تسليمًا، ولا تؤذوني بباكية أحسبه قال : ولا صارخة ولا رانة، وليبدأ بالصلاة علي رجال أهل بيتي ثم أنتم بعد، وأقرئوا أنفسكم مني السلام، ومن غاب من إخواني فأقرئوه مني السلام، ومن دخل معكم في دينكم بعدي، فإني أشهدكم أني أقرأ السلام أحسبه قال عليه وعلى كل من تابعني على ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة.. قلنا: يا رسول الله فمن يدخلك قبرك منا؟ قال: رجال أهل بيتي مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم» (الهيثمي - مجمع الزوائد).

وتروي أمنا عائشة رضي الله عنها: أغمي على رسول الله ورأسه في حجري، فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء فلما أفاق قال : «لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» (الألباني - السلسلة الصحيحة).

 

طوبي لكل المؤمنين

نشهد الله عز وجل أننا رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد ﷺ نبيًا ورسولُا، ونسأله أن نكون ممن قال فيهم النبي ﷺ: «طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني» (صحيح الجامع).

لقد ود الحبيب أن يرانا، وقال لأصحابه: «وددت أني قد رأيت إخواننا. قالوا: يا رسول الله: ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي وإخواني الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض. قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيتم لو كان لرجل خيل، غر محجلة، في خيل بهم دهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة، غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض» (رواه النسائي).

 

الحب والكره في الله

من أكثر المعاني التي حث الإسلام عليها في التعاملات بين المسلمين، الأخوة في الله، ففيها من المعاني السامية والقيم الرفيعة ما يؤهل المجتمع المسلم لأن يحيا حياة متماسكة، دون تشرذم أو غل أو حسد.

فالأخوة في الإسلام مفهوم راق بسمو معانيه، إن معنى الأخوة في الله لا نظير له، في جميع الشرائع الوضعية على وجه الأرض؛ لأنه لا ينبني على أواصر العرق واللون والدم والوطن، إنما على الأواصر الإيمانية، والروابط العقدية، التي لا تنفصم عراها ولا تزول، فالمؤمنون جميعًا إخوة، مهما اختلفت ألوان بشرتهم، ومهما اختلفت أرضهم وديارهم وأوطانهم.

هكذا ينبغي أن يكون المؤمنون، فإن وجدت إيمانًا بلا أخوة صادقة فاعلم أنه إيمان ناقص، وإن وجدت أخوة بلا إيمان فاعلم أنه التقاء مصالح، وتبادل منافع وليست أخوة إيمانية، إذ إن الأخوة ثمرة حتمية للإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (سورة الحجرات: 10).

والحب في الله شيء غال، وأمر عظيم ففي حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ يقول: «ينادي ربنا جل وعلا يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (رواه مسلم)، وفي حديث أبي هريرة أيضًا، أن النبي ﷺ قال: «إن رجلًا زار أخا له في قرية فأرصد الله له على مدرجته أي: على طريقه ملكًا، فقال له الملك: أين تريد؟ قال: لأزور أخًا لي في هذه القرية، فقال له الملك: هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ أي: تريد زيادتها، قال: لا، غير أني أحببته في الله، فقال له الملك: فإني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه» (رواه مسلم).

ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لو قام رجل يعبد الله بين الركن والمقام سبعين سنة لحشر يوم القيامة مع من يحب، كما إنه لا يصح لك دين إلا بالولاء والبراء، بالحب في الله والبغض في الله، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (سورة المائدة: 51).

عماد عنان

موقع «رسالة الإسلام»(بتصرف(

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1730

72

السبت 09-ديسمبر-2006

رأي القارئ ( 1730)

نشر في العدد 1872

76

السبت 10-أكتوبر-2009

قراءة القرآن.. تجارة لن تبور