; وتأنس إليه وحوش الغاب | مجلة المجتمع

العنوان وتأنس إليه وحوش الغاب

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2008

مشاهدات 85

نشر في العدد 1814

نشر في الصفحة 66

السبت 09-أغسطس-2008

ما أروع الأخبار والأقاصيص التي يزخر بها تراثنا الروحي، وكتب التراجم التي تتحدث عن هذا الرجل الصالح أو ذاك، يخرج إلى البراري فتأنس إليه وحوش الغاب، وتسير إلى جواره الأسود الضواري.. 

إنها الصداقة الحميمة التي يعقدها الإنسان المؤمن الودود المترع رحمة وشفقة مع الكائنات من حوله.. ليس مع الأحياء فحسب بل حتى مع الطبيعة والأشياء والموجودات…

صداقة فريدة من نوعها تنداح دائرتها لكي تصل بين الإنسان والسموات... بينه وبين الكواكب والسدم والأجرام، والنجوم... تعقد بين الأطراف كافة ما يمكن تسميته بالألفة الكونية التي ما عرفها دين من الأديان، ولا مذهب من المذاهب.
منذ البدايات الأولى في العمق الزمني البعيد اقتطعت الأرض من الكتلة الكونية، وأعيد بناؤها لكي تكون جاهزة لاستقبال الإنسان. 
الأرض بكل مواصفاتها وحيثياتها، ونسبها، وأبعادها.. الأرض بفيزيانها وكيميائها وجغرافيتها وجيولوجيتها.. والتي تجعلها مهيأة تمامًا لاستقبال الانسان: ﴿  أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾  (الأنبياء: ٣٠)،
﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) ﴾ (فصلت).
لقد أريد للأرض منذ لحظات الخلق الأولى أن تكون مسكنًا صالحًا للإنسان.. وأن تنطوي على شبكة من الطاقات والإمكانات التي تمثل خزينًا استراتيجيًا لا نفاد له لخدمة الانسان، وتمكينه من مواصلة البقاء. ومنذ البدايات الأولى وضعت الشمس والقمر في مكانهما المناسب تمامًا لتقديم الإضاءة والدفء للإنسان، ورتبت نسب المكونات الغازية بما يتيح استمرارية الحياة.. ورسمت من أجل إدامة وصول الماء العذب لأفواه الزرع والضرع والإنسان دورة معجزة تنبني حلقاتها المتعاقبة بعضها على بعض لتحقيق الهدف المنشود. 
منذ البدايات الأولى وأريد للعلاقة بين الإنسان والعالم من حوله أن تتشكل في أجواء المحبة والألفة والتعاطف حتى ونحن نطوف حول الكعبة في مواسم الحج والعمرة نشارك السدم والكواكب والأقمار والنجوم دوراتها الأبدي الذي يذعن لأمر الله ويسبح بحمده في مهرجانها الذي يعبر بلسان الحال عن شهادة التوحيد المطلقة...
حتى ونحن نقرأ في كتاب الله سورًا بأكملها تحمل اسم هذا الحيوان أو ذاك، وهذه الحشرة أو تلك، نجد أنفسنا أمام دعوة لعقد داقة من نوع ما مع هذه الكائنات: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾( النحل).
والنحل أَوْحَى إِلَيها: ﴿  وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) ﴾ (النحل). 
والنمل يتلقى من سليمان عليه السلام. إشارة السلم بين الطرفين، حيث لا خوف من طغيان القوي على الضعيف، ومن يملك الحيلة على من لا يملكها: 
﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾ (النمل) 
صداقة من نوع فريد ليس مع عالم النمل فحسب بل مع عوالم الطيور.. فها هو ذا الهدهد يسافر لسليمان في أخطر مهمة سياسية بين مملكتين في الأوج من القوة والجبروت.
منذ البدايات الأولى أريد للأرض أن تتزين للإنسان.. أن تمنحه الجمال، وأن تنتشر في ربوعها الحدائق ذات البهجة.. وأريد للإنسان أن يقابل هذا كله بالشكر والعرفان والامتنان.
وها هو ذا الرسول المعلم ينحني على شجرة ورد.. يمسك على أغصانها البائعة، ويقول: (ليتني شجرة ورد تعضد).. ويقف قبالة جبل أحد متأملًا؛ ويقول لأصحابه مشيرًا إليه: (أحد جبل يحبنا ونحيه).. 

إنه يختصر بكلمات قلائل قضية الألفة الميتافيزيقية بين الإنسان والكون.. بينه وبين العالم.. والطبيعة والكائنات.. والأشياء... 

أية علاقة حميمة هذه؟ وأية مساحة كبيرة منحنا إياها هذا الدين الذي دأب على وضع الإنسان والموجودات في مكانها الصحيح من. خارطة الكون والعالم... كما أراد لها الله سبحانه أن تكون؟!.

الرابط المختصر :