العنوان قصة قصيرة- وثالثهما الشيطان
الكاتب علاء الصفطاوي
تاريخ النشر السبت 18-يوليو-2009
مشاهدات 76
نشر في العدد 1861
نشر في الصفحة 48
السبت 18-يوليو-2009
كانت حبات المطر تعانق تراب الأرض فتحوله إلى طين يعرقل حركة الحياة..
الناس يختبئون هنا وهناك.. أما هي فتقف بالقرب من كافيتريا لبيع العصائر
والمشروبات الساخنة.. كانت أسنانها تصطك من شدة البرد.. كان جل تفكيرها متى تعود
إلى بيتها.. ومما زاد من قلقها بعد المسافة بين المدينة التي حبسها فيها المطر
وبين قريتها.. والمواصلات صعبة.
فجأة وجدته أمامها.. احمر وجهها...
وخفق قلبها.. سرحت بخيالها في المواقف القديمة التي كانت بينهما، وقبل أن تفيق
مما هي فيه باغتها بسؤاله، كيف حالك؟
- بخير - قالتها وهي تنظر إلى
الأرض.
- مفاجأة!! - بالتأكيد...
- سعيدة؟
- لا أدري... ثم قالت وبصوت منخفض أین كنت طوال تلك الفترة؟
بعد أن تقدمت لخطبتك ورفضني أبوك
اسودت الدنيا في عيني.. ثم قال بمرارة بعد أربع سنوات من الحب طوال فترة الدراسة
الجامعية.. كان الأمل يحدوني، والأحلام تتراقص أمام عيني..
متى تأتي اللحظة التي يجمعنا فيها عش واحد.. لكن عناد أبيك وقف لي بالمرصاد
...
تبدد حلمي.. واستيقظت على الحقيقة المرة..
الفقر.
- قالها وهو يهز رأسه كأنه يتحدث عن عدو لدود.
- لكنك لم تصمد .. كان يجب عليك أن تكرر المحاولة.
- إن والدك لم يترك لي أي بارقة أمل...
عرفت ماذا طلب مني؟
- عرفت.
- وأنت تعلمين أني تقدمت لخطبتك ولم يمر على تخرجنا سوى أشهر معدودة كانت
خلالها الحكومة فينا من الزاهدين لم تعين أحدا.. فكيف أمتلك شقة.. وأوفر المهر
الكبير الذي طلبه والدك.. لقد شعرت بالعجز وإن كنت أتحرك على قدمي..
- أنت تبرر موقفك.. ولو صمدت لوقفتُ بجانبك وأرغمت الجميع على الخضوع لرغبتي...
- لم أتحمل الصدمة.. سعيت حتى وجدت
فرصة مناسبة فغادرت البلد، ليس سعيا وراء المال.. ولكن هربا من الواقع.
أرادت أن تخرج من حالة الجدال فسألته كيف أنت الآن؟
كما ترين.. لم تغير الأيام فيّ شيئًا..
غير أني أصبحت أمتلك الشقة والمال.. ولكن...
قاطعته قائلة: ألم تتزوج؟
- لم أجد من تملأ الفراغ الذي تركته في حياتي.
- أنت تبالغ.. هذا عهدي بك دائمًا.
وأنت.. بالتأكيد تزوجت
- وعندي ولد.
- سعيدة مع زوجك. السعادة ليست لنا.. نحن نعيش على هامش الحياة.
إجابة تمنى أن يسمعها. فعقب قائلاً: حياة بلا معنى.. هكذا أعيش أيضًا، ثم
أردف قائلاً، هل كتب علينا أن نعيش معذبين؟!
نظرت إلى ساعتها ثم قالت تأخرت.
سأتركك الآن.
- هل سأراك ثانية؟
- لسنا في الجامعة.
أريد أن نعيد الأيام الخوالي
- كيف وأنا متزوجة؟!
لا بد من تصحيح هذا الخطأ.
وتكررت بينهما اللقاءات التي كان يرعاها الشيطان.. تولدت داخلها الرغبة في
الانتقام من زوجها الذي أخبرته قبل زواجها منه أنها تحب غيره، ولكنه تجاهل ما سمع
وقال لها يومها: الأيام ستنسيك.
أما هو فرغبة الانتقام من والدها تسيطر عليه، ثم إنه يريد أن يحيي حبا
اعتقد يومًا ما أنه مات...
كانت لمسات الخريف ظاهرة على أوراق الشجر.. حين قال لها: إلى متى؟
- ليس باستطاعتنا أن نفعل شيئًا... يمكننا أن نفعل الكثير.
- كيف؟
لقد فكرت كثيرًا ووصلت إلى حل.
- ما هو؟
الطلاق.
- فقالت بصوت بدا في نبراته جفاف حلقها الطلاق.. وقفت نظراتها ولم تطرف...
وهزت رأسها كأنها تناقش فكرة.. العلاقة بيني وبين زوجي عادية.. ثم إن
الطلاق في مجتمعاتنا عار على جبين المرأة..
- لقد فكرت في حيلة تُمكنك من الخلاص... ولن يلومك أحد.
- قالت أنا خائفة..
- من ماذا؟
لم تجبه.. أعاد عليها سؤاله، من ماذا؟
فقالت وهي تتنهد من أفكارك
فأجاب وهو يتكلف الحماسة لا تخافي شيئًا.. وبدأ يعرض خطته.
وبعد أن انتهى هزت رأسها وشردت في الأفق.. ثم قالت: وما نهاية كل هذا؟
قال لها بالتأكيد الطلاق.
- وبعدها؟
- زواجي منك!
قالت هذه فكرة شيطانية.. ولكن هل تظن أن الأمور ستسير على هذا المنوال؟
- آمل ذلك..
عادت إلى البيت.. والفكرة تسيطر على كيانها.. وعندما أظلمت الدنيا وأرخى
الليل سدوله.. وقبل أن تذهب للسرير وقعت على الأرض، فقام زوجها فزعا قائلا، ماذا
بك...
ماذا بك؟
لم ترد عليه.. وتركته فريسة للحيرة والقلق.. أحضر كوبًا من الماء وسقاها،
ثم أتى بعطر ووضعه بالقرب من أنفها.. حركت رأسها.. ثم فتحت عينيها.. أمسك بيدها
وأخذها إلى السرير.. جلس على مقربة منها قبّل يدها، ثم قال: ماذا بك؟
أدارت وجهها نحوه ثم قالت أحسست أن دوارًا أطاح برأسي.
- لا بد من عرضك على أحد الأطباء.
- لا داعي.. ربما يكون إرهاقًا..
فأنت تعلم أني أسافر كل يوم وأعمال البيت أصبحت كثيرة.
- كما ترين. لكن لن أطمئن عليك حتى أعرضك على طبيب.
ابتسمت في خبث ثم قالت الخطة تسير كما هو مرسوم.. وانقضى اليوم وهبط مساء اليوم
التالي، وجاء زوجها واقترب منها، فلما أراد أن يمسها صرخت في وجهه.. وقف في مكانه
جامدًا.. شاخصًا ببصره نحوها.. ثم جلس على كرسي في زاوية من زوايا الغرفة. مرت
لحظات صمت رهيب.. قطعها بسؤاله كيف فعلت ذلك؟
طبعا .. بلا قصد .. هناك شيء بداخلي هو الذي يحركني.
- ماذا تقصدين؟
- ربما أكون قد مسني الجن.. فقد وقعت في الحمام منذ أيام.
لم ينطق.. بدا على وجهه الذهول..
ولما تكرر الأمر أخذها إلى أحد الشيوخ فقرأ عليها شيئًا من القرآن الكريم..
وطلب منها قراءة بعض الأدعية والأذكار.. لكن حالة النفور التي تبديها تجاهه
تزداد.. عرض عليها أن تذهب إلى شيخ آخر.
فقالت له: سمعت من زملاني عمن
يعالج مثل حالتي.
- ما اسمه؟
ذكرت له اسم الدجال الذي طلب منها عشيقها أن تذهب إليه.
وعندما تنفس الصبح نهضت من فراشها .. كانت مضطربة.. سمعت نداء
زوجها هيا، لقد تأخرنا وعندما دخلا على الدجال.
قدمت نفسها له قائلة: أنا زميلة
(وذكرت اسم عشيقها) الذي عالجته. أعرفه..
أعرفه وتعمد تجاهلها وعدم النظر إليها حتى لا يشك زوجها، ثم قرأ عليها شيئًا
من التعاويذ والخرافات بعدها نظر الدجال إلى زوجها - والحسرة المصطنعة تبدو على
وجهه - قائلا: زوجتك ليس لها سوى علاج واحد.
- ما هو؟
- الطلاق.
ومتى كان الطلاق علاجًا.
ما هي إلا أيام ثم تعود إليك.
وما علاقة ذلك بما تعانيه؟
- الجني الذي دخل جسمها اشترط قبل خروجه أن تطلق منك.
وماذا يفيده طلاقي لها ؟!
- إنه يحبها.. يحبها.. ولا يريد أن يشاركه فيها أحد.
وبعد تردد ومشاورة قام بتطليقها..
وانتظر فترة كان خلالها يأخذها إلى ذلك الدجال.. على أمل أن تُشفى.. لكن
الأيام تمر...
ولم يظهر في الأفق ما يدل على قرب شفائها.
قال لها، يبدو أننا وقعنا فريسة لهذا الدجال.. ولا بد أن تعودي إليّ.. صرخت
في وجهه.. وانتفض جسدها وتصببت عرقًا وكلمات ترن في أذنه، لا أريدك.. لا أريدك.
خرج من بيت أبيها وعندها بدأ العاشق ينسج خيوط المؤامرة ليصل إلى هدفه.
رتب للقاء أبيها.. وعندما قابله أظهر له شفقته على ابنته وأنه لما علم
بحالها أصابه الألم والجزع.. وأنه على استعداد للزواج بها إذا كان ذلك سيخرجها مما
هي فيه.
احتار الأب هل يوافق أم يرفض.. لكن زوجته قطعت عليه الطريق قائلة إننا لا نريد
أن نخسر ابنتنا
وتحقق للعشيقين ما يصبوان إليه...
تزوجها ونجحت الخطة الشيطانية.. وأتت أكلها ..
وجلس الزوج المصدوم غير مصدق لما حدث: لا بد أن هناك شيئا ما.. يدعو للريبة
والشك.. كيف ضحت بأيام العشرة.. وبولدها؟
كنت أراها كالشجرة الوارفة التي
بدأت تؤتي ثمارها.. فما الذي أصابها حتى ذبلت...
وسقطت أوراقها؟ هل كانت شجرة
خبيثة؟
إن كانت كذلك فالحمد لله أنها اجتثت من حياتي..
ثم قال: حسبي الله ونعم الوكيل...
أما زوجها الجديد فقد شعر بنشوة النصر عندما وجدها تعيش معه تحت سقف واحد..
ومضت الأيام في سيرها بطيئة.
ومر عام متشابه الشهور متكرر الأيام.. وفي مساء يوم سيظل ماثلا في خاطره..
وقعت على الأرض.. قال لها : هل أدمنت التمثيل؟
لم ترد عليه.. أقبل نحوها.. مد يده
وأمسك بذراعها ليقعدها.. شعر بثقل جسدها.. كانت بالفعل غائبة عن الوعي..
أصابته رعشة.. وتملكه الخوف ومرت
لحظات كانت ثقيلة عليه.. استدعى خلالها الطبيب، فلما أفاقت قال لها: ماذا حدث؟
- منذ يومين وأنا أشعر بألم في بطني، لكني أخفيت عليك.
- ابتسم ابتسامة قلقة ثم قال: ولم لا يكون....
- تقصد.. حمل
- ولم لا؟
- لا أظن ذلك.. فآلام الحمل معروفة.
المهم سأذهب بك إلى الطبيب لأطمئن عليك...
وهو يجري التحاليل والأشعة التي
طلبها الطبيب كان يعيش بين الأمل والألم، أمل أن تكون حاملاً.. وألم أن يكون بها شيء
ما...
نظر الطبيب إلى نتيجة التحاليل والأشعة. غابت ابتسامته...
وضع كل شيء جانبًا..
نظر إليه.. وشعر أن هناك مصيبة ما.. قام الطبيب من على كرسيه..
تحرك ببطء، ثم قال:
أنت تعلم أن كل شيء يجري بقدر الله.. وأننا لا نملك لأنفسنا نفعًا ولا ضرًا...
- (بقلق شديد ) ماذا في الأشعة يا دكتور؟
- بصراحة.. زوجتك مصابة بالسرطان...
وأيامها في الدنيا معدودة تنهد ثم
قام.. لم تعد قدماه قادرة على حمله.. تذكر كلمة قالها واعظ المحكوم عليه بالإعدام:
«من دخل من باب الجريمة، خرج من باب
العقاب»