العنوان وجهان لأوروبا.. الشعوب والحكومات
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر السبت 30-مارس-2002
مشاهدات 66
نشر في العدد 1494
نشر في الصفحة 40
السبت 30-مارس-2002
استطاعت القمم الشعبية أن تفرض نفسها، بل وتغطي على مقررات القمم الرسمية وأن تُسمع صوتها للعالم
عالم آخر ممكن: تتمايز الشعوب الأوروبية بين كتلتين: إحداهما عنصرية متقوقعة على العرق الأوروبي.. والثانية لا ترفض هيمنة أوروبا لكنها تطالب بعدم الانغلاق على النفس وترفع شعار: عالم آخر ممكن.
ثلاثة أطواق أمنية أحاطت بمدينة برشلونة، عشرات الآلاف من رجال الشرطة، صواريخ مضادة للطائرات، وحتى طائرات تجسس عالية الجاهزية كانت قد استعارتها الحكومة الإسبانية من حلف شمال الأطلسي لحراسة الأجواء وكل ما هب على أرض برشلونة ودب، وعلى الرغم من ذلك استطاع مناهضو العولمة إيصال صوتهم في قلب برشلونة العاصمة الكاتالانية التي استقبلت أوروبا الساسة كما أوروبا الشعوب، أوروبا الحكومات الجانحة نحو الرأسمالية كما أوروبا المنظمات غير الحكومية المتطلعة إلى عالم أفضل.
مظاهرات ضد العولمة
وعلى الرغم من الإعلان الخاص بنا نحن العرب والذي صدر عن القمة الأوروبية التي عقدت يومي ١٥ و١٦ من مارس، والذي لم ولن يغير شيئًا، فلقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تعترف فيها أوروبا بحتمية قيام دولة فلسطينية، بقناعة فرضتها دماء الشهداء، وجراحات الصامدين، وصبر ومصابرة الشعب الفلسطيني. كذلك فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يحضر فيها وبصفة «أعضاء مشاركين» زعماء الدول التي تتطلع للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي يعمل لتوسيع حدوده الجغرافية والإنسانية والاقتصادية ليصبح عدد أعضائه خمسة وعشرين بلدًا بحلول عام ٢٠٠٥.
كما أنها المرة الأولى التي تشهد فيها قمة أوروبية مثل هذه الإجراءات الأمنية التي بلغ فيها عدد رجال الأمن عدد الأشجار في برشلونة إلى درجة لم يتردد فيها رئيس الحكومة في وضع الأسطول الحربي البحري الإسباني في حالة تأهب لحماية القمة من.. «الأخطار المحدقة» بها!.
صورة شبه شعاعية عن هذه القمة الأوروبية الأولى - كذلك - التي تعقد في فترة حكم الحزب الشعبي المحافظ الذي يحكم إسبانيا منذ سنة أعوام، وقد انشغل فيها زعماء البلدان الأوروبية في نقاشات حادة محاولين حل خلافاتهم العميقة حول مشروع ما يحبون تسميته «بأوروبا المستقبل»، وهو مصطلح يمكن ترجمته على أرض الواقع بثلاث قضايا رئيسة:
1- استكمال تحرير السوق، وخاصة في مجال الطاقة، وهي رغبة اصطدمت بجدار صلب من الرفض الفرنسي الذي قال إنه يخشى «زعزعة نظام الخدمات الاجتماعية» فالأخطار المحدقة بأنظمة الخدمات الاجتماعية هي إحدى التحديات التي تواجه أوروبا، كما أنها أحد الأثمان الباهظة التي يمكن أن تدفعها أوروبا لتطلعاتها الاقتصادية المبالغة بالجنوح نحو الرأسمالية، إلا أن السبب الحقيقي في الرفض الفرنسي يكمن في أن فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية ولا يريد مرشحاها، رئيس الجمهورية شيراك ورئيس الوزراء جوسبان، أن يدخلا الانتخابات في بلد ذات أعراف اشتراكية وقد صادقا على مشروعات خصخصة مصادر الطاقة والتي سترفع يد الدولة عن كبرى شركات الطاقة في فرنسا.
وقد حاولت المفوضية الأوروبية أن تتفادى مثل هذا الخلاف بطرح مشروع زمني يؤجل دخول مشروع تحرير سوق الطاقة حتى عام ٢٠٠٣م للوقود و٢٠٠٤م للغاز الطبيعي.. وهو حل مناسب أرضى الجميع، لأن الابتسامات والعواطف الحارة ليس لها مكان في الحياة السياسية الأوروبية ولا تكفي لحل المشكلات فمصالح هذه البلدان تفرض على زعماتها أن يقاتلوا بالأظافر والأسنان.
2- توسيع رقعة الاتحاد نحو الشرق ليصبح عدد سكانه ٤٨٠ مليون مواطن يعيشون على مساحة ٤ ملايين كيلومتر مربع، يتمتعون بما يدعى هنا «التواجد تحت مظلة قيم موحدة تسمح بالتعددية اللغوية والثقافية»، وهو أمر يهدد الاتحاد بمخاطر اجتماعية كبيرة بسبب السرعة غير المتوازنة في ضم هذه البلدان.
من بين الدول التي ترنو إلى الانضمام إلى أوروبا قبرص ومالطة وأستونيا وغيرها، إلا أن تركيا كانت الدولة الوحيدة التي لا يمكنها أن تحلم بهذا الرضا الأوروبي تركيا لم تكن في هذه القمة وحيدة من حيث بقاء رئيس وزراتها أجاويد وحيدًا في كرسيه طوال الوقت تقريبًا دون أن يقترب منه أحد، بل من حيث طرح عضويتها أصلًا بسبب رسوبها في مادتي «الديمقراطية» و«الاقتصاد» من وجهة النظر الأوروبية.
٣- إيجاد إجابات مناسبة لكل هذا الحجم من القلق الشعبي الأوروبي، والذي عبر عن نفسه بقمة شعبية موازية توافد لحضورها ما لا يقل عن ١٥٠ ألف مواطن أوروبي، يمثلون مختلف الاتجاهات والأحزاب والجمعيات والمنظمات الحقوقية غير الحكومية، ليسمعوا زعمائهم هذا الصوت القلق الخائف، الذي يمثل الشارع الإنساني في مقابل «الشرفة السياسية».
شهدنا في برشلونة حلقة جديدة من سلسلة هذه المؤتمرات الشعبية الصاخبة التي تصاحب كل القمم التي تمثل الرأسمالية بثوبها العولمي الجديد والتي تمثل محاولات شعبية جادة لضبط التوجهات العولمية التي ترمي إلى امتصاص آخر ما تبقى من رمق لدى بقية شعوب العالم المستكينة تمامًا لهذا الواقع المؤلم.
ولقد استطاعت هذه القمة الشعبية الموازية أن تفرض نفسها بصورة غطت فيها على مقررات القمة الرسمية نفسها، وأن تسمع صوتها للعالم على الرغم من كل التحصينات الأمنية.
لقد شهدنا في هذه القمة ولادة تيارات وتكتلات جديدة لا في عالم الساسة فحسب بل في عالم الشعوب كذلك، وللأسف فإن شعوب العالم العربي ليس لها صوت ولا صورة في مواجهة مثل هذه القمم اللهم إلا بما اتصل بنضال الشعب الفلسطيني الذي فرض نفسه على كل المحافل العالمية بما فيها هذه القمة على المستويين الرسمي والشعبي.
العالم يشهد اليوم تمايزًا خطيرًا بين كتلتين، إحداهما أقلية قوية مسلحة تملك المال والعلم والوعي والأدوات، والأخرى -التي هي الأغلبية - لا تملك الوعي ولا العلم ولا المال ولا الأدوات اللازمة، والأخطر من ذلك افتقار إنسانها إلى الرغبة والقدرة على إحداث أي تغيير يذكر في صالحها، فضلًا عن العمل لصالح الإنسانية.
وفي الوقت ذاته تتمايز الشعوب الأوروبية نفسها إلى كتلتين: إحداهما يمينية عنصرية متقوقعة على العرق الأوروبي ومكاسبه وثقافته وحضارته، والثانية تمثل الشرائح التي لا ترفض أن تهيمن أوروبا على عالم المستقبل، ولكنها تطالب بألا تنغلق أوروبا - والغرب - على جزيرتها الغنية دون خلق الله، وتطالب بـ «عالم آخر ممكن» كما هو شعارها الدائم، داعية إلى الانفتاح على العوالم الأخرى وعدم خدمة رأس المال على حساب الإنسان داخل أوروبا وخارجها، خاصة وأن التاريخ يثبت أن الغلبة ليست دائمًا للأقوى ولا للأكثر غنى..
منجزات.. وشكوك:
إجراءات كثيرة ومهمة تلك التي صادقت عليها قمة برشلونة يدخل بعضها ضمن الخطط العامة للإصلاحات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، وبعضها الآخر يدخل تحت بند الأمن ومحاربة الإرهاب ومن ذلك على سبيل المثال المصادقة على مشروع «غاليليو» للتجسس العالمي عبر ثلاثين قمرًا صناعيًا يمكنها أن ترصد أي تحركات في أي منطقة جغرافية في العالم ويتكلف مبدئيًا ثلاثة آلاف مليون يورو، على الرغم من معارضة الولايات المتحدة لهذا المشروع الذي قد يؤثر على مواقع أقمارها التجسسية، ولكن دون أن تغلق باب الحوار مع أوروبا في سبيل التوصل إلى حل وسط وتعاون وثيق بين الجهتين في هذا المجال.
كذلك قررت القمة الاستفادة من اللحظة الراهنة للانتعاش الاقتصادي العالمي لاستعادة النشاط الاقتصادي الأوروبي، فصادقت على مشروع توحيد المجال الجوي الأوروبي، وتنشيط حركة الطيران على وجه الخصوص والتي كانت قد منيت بخسائر فادحة بعد الحادي عشر من سبتمبر.
كانت هناك خطوات شديدة الأهمية كذلك على مستوى الوحدة الأوروبية، منها توحيد البطاقة الصحية لمواطني الاتحاد بحيث يمكن أن يتلقى المواطن العلاج في أي مكان من الاتحاد.
كما تمت المصادقة على «السيرة الأكاديمية الأوروبية الموحدة» بمعنى توحيد الشهادات الجامعية ووثائق التحصيل العلمي في جميع بلدان الاتحاد لتسهيل حركة الطلاب وأساتذة الجامعات في جميع دوله.
تم الحديث كذلك عن ضرورة فتح سوق العمل للمرأة الأوروبية، للاستفادة من «طاقاتها الضائعة»، وأوصت المفوضية المختصة بزيادة رياض الأطفال لتغطية حاجات النساء ومساعدتهن على القيام بدورهن في الأمومة إلى جانب مزاولتهن لأعمالهن، في تحرك واضح لتشجيع النساء على الإنجاب في بلاد انخفضت فيها نسبة الولادة إلى مستوى مخيف؛ جعل بلدًا كإسبانيا تشهد هذا العام ولادة خمسة أطفال لأبوين مهاجرين مقابل كل مولود لأبوين من أصل إسباني.
إجراءات مثل هذه جعلت الرئيس الحالي للقمة «رئيس الوزراء الإسباني» يقول: إن مشروع الوحدة الأوروبية، لم يعد مشروعًا ولكنه حقيقة لا رجعة عنها الشيء الذي لم يوافق عليه كثيرون من كبار مثقفي وصحفيي التيار اليساري في إسبانيا، حيث كتبت صحيفة «الباييس» تقول: «إن المشروع الأوروبي مازال يفتقر إلى الكثير من الهياكل الضرورية، والإصلاحات الضخمة في إطار التوجهات الوحدوية، كما يفتقر إلى أبعاد أوروبية حقيقية، لأنه مازال اليوم أسير الرغبة في الإصلاحات، يتحدث كسولًا عن تحرير السوق، ويفتقر بشكل واضح إلى أهداف أوروبية، في ظل تطلعات وطنية قومية بحتة يبحث أصحابها عن تحقيقها في ظل هذا الاتحاد»، وذلك في إشارة واضحة إلى المحور الألماني- الفرنسي، الذي بدأ يتبلور كقوة تفرض رأيها على باقي دول الاتحاد.
كذلك فإن كثيرين يشككون وبشكل كبير في قدرة الاتحاد على التمدد شرقًا واستيعاب بلدان تنتمي إلى ۲۲ ثقافة ولغة مختلفة ومتباينة، وقد مضت الباييس في التندر على هذا الوضع فقالت: «قيل لنا إن عام ٢٠١٠م سيرى قفزة هائلة في سوق العمل الأوروبية، وإن الاتحاد الأوروبي سيكون قد هيأ فرص العمل لأكثر من عشرين مليون مواطن، ولكن لم يتحدث أحد في هذه القمة عن الآليات الفعلية للوصول إلى مثل هذا الرقم من فرص العمل، إضافة إلى أننا عام ٢٠٠٥م سنجد أنفسنا بفعل انضمام عشرة دول أخرى إلى الاتحاد أمام موجة هائلة من الهجرة الأوروبية من قبل مواطني الشرق الأوروبي المتعطشين حاليًا لإغراق أسواق العمل في بلادنا بالعمالة الرخيصة الشقراء».
ما الذي يجعل قمة أوروبية اعتيادية خرجت بقرارات أكثر من عادية، تبدو وكأنها تتمتع بأهمية استثنائية؟
هل هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي جعلتنا نرى في «برشلونة» هذه المرة «قمة أمنية» موازية، أرست قواعد إجراءات أمنية لم تشهد لها إسبانيا فضلًا عن أوروبا مثيلًا، إلى درجة تسيير دوريات لحراسة ما تحت أرض برشلونة، ومجاريها وسراديبها؟!
هل هو هذا العدد غير المسبوق في تاريخ حركة مناهضة العولمة الذين جاؤوا يتظاهرون ضد العولمة والرأسمالية التي تنمو على حساب المنجزات الشعبية وضد سوق العمل التي تتقلص أمام تحرير كل الأسواق الأخرى، وضد الغرب الذي يزداد تقوقعًا، وضد اليمين، وضد اليسار، وضد الضد؟؟
أم هم الصحفيون الذين بلغ عددهم الأربعة آلاف مشارك مسجل لدى الإدارة الإعلامية للقمة؟
أم أنه هذا الجيش العرم من القائمين على خدمة هذه القمم بشقيها السياسي والاجتماعي، من طباخين وعمال نظافة وعمال مطاعم، وخدمات صحية، وصيانة، وتقنية، ومواصلات؟ ما الذي يجعل من هذه القمم يومًا بعد يوم أحداثًا اجتماعية مهرجانية؟
هل هو فراغ جعبة السياسيين من ضربات إخبارية رنانة، أم أنه وصول التاريخ الغربي إلى طريق مسدود أمام ساسة لم يعد بمقدورهم أن يهزوا العالم بأفعالهم وقراراتهم؟؟
إن هذه القمم لم تعد قممًا سياسية، بل إنها قمم إعلامية ودعائية وأمنية وشعبية وسياحية، قمم استعراض لمظاهر التحضر والتمدن والقدرة على جذب الأضواء والدخول في دوامة الإعلام التجاري الذي يصب في مصلحة رأس المال الذي كان قد خرج خمسمائة ألف إنسان في برشلونة يتظاهرون ضده؟!.