العنوان الأزمة والاستثمار
الكاتب د. محمد البصيري
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1994
مشاهدات 88
نشر في العدد 1121
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 18-أكتوبر-1994
أجمع جميع الخبراء والمحللين السياسيين الدوليين على عدم فهمهم أو استقرارهم على رأي واحد يفسر ما أقدم عليه النظام العراقي وعلى رأسه طاغية العراق صدام حسين، فالتهديد العراقي الجديد لأمن واستقرار المنطقة بوجه عام، والكويت على وجه الخصوص، هو بكل المقاييس الدولية تهديد أهوج واعتداء صارخ وتحرك غير معقول ولا مقبول ومبني على مفاهيم وتفسيرات وتبريرات مغلوطة ومعلومات مضللة.
ولذلك صَعُبَ على أعتى خبراء التحليل العسكري والسياسي أن يعطوا تفسيرًا منطقيًا عقليًا لمثل هذا التحرك الغريب فمنهم من أرجع السبب إلى الأوضاع الداخلية في العراق وأزمة النظام مع شعبه، حيث ازدادت موجة التوتر والتذمر بين أوساط الشعب العراقي المطحون من هذا النظام المجرم وزادت وطأة المعاناة بين الناس من جراء ارتفاع الأسعار واحتكار صدام وزمرته لمقدرات وثروات العراق الهائلة مما حدا بالنظام إلى خلق أو افتعال أزمة خارجية كبيرة تشغل وتنسي الشعب العراقي أزمته الداخلية، وهو ما حصل بالفعل.
ويرى بعض المحللين أن ما أقدم عليه النظام العراقي ما هو إلا هروب إلى الأمام بعد أن أصبح ليس لديه من خيار سوى هذا الخيار أملًا منه في خلط الأوراق وتحريك الجمود الذي خيم على أوضاع المنطقة، وجعل من رفع الحصار عن النظام العراقي أمرًا مستبعدًا في الوقت الحاضر لا سيما وأن النظام لا يزال يصر على المراوغة والمناورة والتهرب من تنفيذ جميع قرارات مجلس الأمن.
وبتحريك الأزمة وتسليط الأضواء عليها من جديد مع استعراض للقوة من نظام يعتقد العالم كله بأنه قاب قوسين أو أدنى من السقوط، كل هذا يؤدي إلى إعادة النظر في ترتيب الأوراق ومراجعة الحسابات من جميع الأطراف المشاركة في أجواء هذه الأزمة المفتعلة، بل وذهب البعض إلى تفسير أن النظام العراقي يمهد بهذا للاعتراف بسيادة الكويت وحدودها، وإرجاع أسراها في مقابل رفع جزئي أو كلي للحصار الدولي المفروض عليه، وهو ما اعتاد عليه هذا النظام في قلب الحقائق وإظهار الهزيمة على أنها نصر وافتعال انتصارات وهمية أمام شعبه المسكين.
وبصرف النظر عن الأسباب والمبررات والتفسيرات التي حاول العالم بأكمله أن يصل إلى حقيقتها حول هذا التحرك والتهديد العراقي الأخير، فإنه يجب علينا نحن الخليجيين بوجه عام، والكويتيين بوجه خاص، أن لا نجعل مثل هذه الأزمة أن تمر دون أن نستثمر الاستثمار الصحيح الذي يعود على المنطقة وشعوبها بالأمن والاستقرار والرخاء.
فهذا الاهتمام الدولي وعودة المنطقة تحت الأضواء من جديد لا بد أن نؤكد من خلاله على شذوذ هذا النظام وفساد رأسه وفظاظته وطغيانه على شعبه قبل ظلمه وجبروته على شعوب جيرانه، وليس لأحد من عذر بعد الآن حكومات أو شعوب أو أفراد في التعاطف معه أو الوقوف إلى جانبه وتصديق افتراءاته، ولعله من المناسب لمن وقف مع هذا النظام في الماضي أن يصحح موقفه في الحاضر بعد أن تكشفت الحقائق وظهرت الدلائل والقرائن وسقطت الأباطيل وآن الأوان لسقوط هذا النظام.
كما يجب على حكومات الدول الخليجية أن تستثمر هذا الحدث في حث دول مجلس الأمن الدائمة العضوية وغيرها من الدول غير دائمة العضوية في استصدار قرارات دولية جديدة لتدعيم الأمن والاستقرار في المنطقة مثل زيادة مساحة المنطقة المنزوعة السلاح بين الكويت والعراق والحظر على النظام العراقي من تحريك آلياته ومعداته العسكرية الثقيلة في المنطقة الجنوبية من حدوده المتاخمة لدولة الكويت، وذلك أملًا في إبعاد الأخطار والتهديدات العراقية التي لن تنتهي ما دام هذا النظام يمسك بمقاليد الحكم في العراق.
بقي أن نقول بأنه لا يمكن التنبؤ بما يفكر فيه نظام بغداد فهو خارج الحسابات السياسية والعسكرية المتعارف عليها وعليه لا بد لنا أن نأخذ بجميع الأسباب ونحمل الأمر ونتعامل معه على افتراض أسوأ الاحتمالات وقبل كل شيء اللجوء إلى الله والتوكل عليه، وإعداد القوة وطلب النصر من الله سبحانه وتعالى لقهر هؤلاء الطغاة البغاة الظلمة الذين ابتليت بهم هذه الأمة ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 10).