الثلاثاء 13-يناير-1976
في مؤتمر قضايا تنمية الموارد البشرية ألقيت بحوث متعددة، وتحدث عدد لا بأس به من أعضاء المؤتمر.. وكانت الأحاديث والبحوث تدور حول الأسباب التي أدت إلى هجرة الكفاءات العلمية من أوطانها الأصلية ليمكن بعد وضع اليد على الأسباب الحيلولة دون تسرب تلك الطاقات واستعادة ما تسرب منها.
وذكروا أن من جملة هذه الأسباب:
عدم وجود المرتب المالي المغري الذي يبقي هؤلاء في بلدانهم، ومنها عدم الاستقرار النفسي المتولد من عدم استقرار النظام السياسي، ومنها عدم وجود المناخ العلمي الذي تتنفس فيه هذه الطاقات، ومنها ارتفاع معدلات النمو السكاني وزيادة أعداد الشباب، ومنها تخلف الدراسات العليا واتجاه النابهين من خريجي الجامعات إلى مواصلة الدراسة في الخارج مما يسهل عليهم عملية الهجرة، إلى غير ذلك من الأسباب التي طرحتها البحوث وتناولتها أحاديث الإخوة أعضاء المؤتمر.
ولكن كل ذلك عند إمعان النظر وإعمال الفكر لم يشكل في الحقيقة والواقع سوی الأعراض للمرض الأساسي والخطير الذي تعاني منه الأمة، وهو الذي يكمن من وراء كل ما نعاني من أزمات ومشاكل ومنها مشكلة هجرة العقول. وهذا السبب هو فقدان أمتنا لعقيدة واضحة محددة يتجمع عليها الأبناء كما تتجمع الذرات حول النواة ويلتقي على صعيدها كل الناس، وتكون الرابط القوي الذي يربط الأفراد ليخرج المجتمع القوي المتماسك الذي يحدد خطواته في الحياة وسيرة فيها تبعًا لما تمليه عليه هذه العقيدة الجامعة، ولست أعني بالفقدان عدم الوجود وإنما أعني بعدها عن العقيدة الموجودة وعدم تمكنها في النفوس.
ولعل ما قاله صلاح الدين البيطار في بحثه الذي ألقاه إشارة إلى هذه الحقيقة المرة، قال البيطار: إن التكنولوجيا كعلم وتطبيق ليست هي سبب المشكلة، المشكلة فلسفية وثقافية. نحن بحاجة إلى الفكر الذي يصبح سلاحًا إذا ما استخدم استخدامًا سليمًا.. إلخ أجل «نحن بحاجة إلى الفكر» ولكن أي فكر هذا الذي نحتاج إليه؟ هل هو مطلق الفكر وبغير قيد أو شرط؟
إن المسيرة السليمة في الحياة والاستخدام السليم على حد تعبير البيطار لا يمكن أن يكون إلا بعد أن يكون المنطلق سليمًا وظل الشجرة المائلة لا يمكن أن يكون إلا مائلًا.
وبغير الأفكار والمفاهيم السليمة المنبثقة من تصور سليم وعقيدة سليمة لا يمكن أن تحل مشاكلنا حلًا جذريًا وشاملًا، لا يمكن أن تنتهي أزمة السكن.. ولا يمكن أن تزول ظاهرة الاختطاف.. ولا يمكن أن تختفي السرقات والاختلاسات في صفوف الناس وبين أجهزة السلطة.. ولا يمكن أن تحترم وتصان أرواح الناس..
وأخيرًا وليس آخرًا لا نتمكن من إعادة العقول المهاجرة إلى الأوطان لتسهم في البناء والعطاء بل إن كل هذه المشاكل والأزمات وغيرها مما لم نذكر آخذة في الاتساع والازدياد والاستمرار بحيث باتت مشاكل مزمنة تحتاج إلى طبيب ماهر حاذق يحدد مواضع الأدواء ويباشر بإعطاء الدواء.
ولقد جربنا نظم البشر ومناهج العبيد فلم تفلح في التصدي لهذه المهام لأنها. من إفرازها وهي ظلالها. والآن ألم يحن الوقت لتجريب واختبار وامتحان «الإسلام» في ذلك؟ ألم يأن لنا أن نعود إلى مصدر قوتنا وعزتنا وسعادتنا؟!! جربوا أيها الحكام نظام الإسلام ولو سنة واحدة، واحدة فقط ونحن على أبواب عام جديد، أفسحوا له المجال وأزيلوا عنه العراقيل ثم انظروا كيف تكون النتائج وكيف تكون الحياة، ثم احكموا بالعدل أيها أقوم وأفضل أنظمة العبيد أما نظام رب العبيد.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ﴾ (الأنفال:24)
أبو ثبات
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل