; وجه آخر لأمريكا | مجلة المجتمع

العنوان وجه آخر لأمريكا

الكاتب محمد رشاد خليل

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2001

مشاهدات 61

نشر في العدد 1467

نشر في الصفحة 40

السبت 08-سبتمبر-2001

  • لأمريكا أوجه عدة نعرف منها: القوة العظمى .. الشيطان الأكبر .. المجتمع المادي الفاسد .. لكن ستظل لها أوجه أخرى مجهولة تحتاج إلى البحث والتنقيب
  • أحد تلك الأوجه.. وجه أولئك الذين يرفضون الظلم والفساد والانحياز واستغلال الإنسان.. ويدينون السياسية الخارجية الأمريكية ويهاجمون تسلط التحالف الصهيوني المادي

قرأت المقال الذي نشرته مجلة "المجتمع" في عددها رقم (١٤٥٦) بتاريخ ۹-۳ ربيع الأول ١٤٢٢هـ - ٢٦ أبريل- ١ مايو ۲۰۰۱م تحت عنوان: من عجائب «المثقفين العرب»-14 «مثقفًا» منهم أدونيس ومحمود درويش يرفضون كشف أكاذيب المحرقة اليهودية.. وأمريكي يتصدى لهم! ولم يكن موقف من يسمون بالمثقفين العرب هو الذي دفع بي إلى كتابة هذا المقال، لأن الشيء من معدنه لا يستغرب، ومن عرف تاريخ هؤلاء المثقفين وعرف ارتباطاتهم، وولاءاتهم لن يكون لديه مبرر للعجب، وإنما مبرر لمزيد من الاحتقار.

 إن الذي دفع بي إلى الكتابة هو رسالة مدير معهد المراجعة التاريخية في كاليفورنيا وهي الرسالة التي سلطت الضوء على وجه مهم هو واحد من وجوه أمريكا المجهولة وأقول واحدًا من وجوه أمريكا المجهولة لأن أمريكا معروفة عند الكثيرين بوجوه كثيرة ليس منها هذا الوجه الذي سلطت رسالة المعهد الضوء عليه.

فأمريكا معروفة عند البعض بأنها مثال التقدم الحضاري الحديث الذي يجب تقليده واتباعه والتماس أسباب التقدم عنده.

وهي معروفة عند آخرين بأنها القوة العظمى الوحيدة اليوم والتي ألقى إليها العالم بزمام قيادته طوعًا أو كرهًا، والتي بيدها جميع الأوراق ومفاتيح الحلول للمشكلات، والسعيد هو من ترضى عنه والشقي هو من تغضب عليه. 

وهي عند البعض الشيطان الأكبر الذي يحارب الإسلام والمسلمين في مختلف أنحاء العالم، وفي الوقت نفسه يستنزف طاقات الأمة الإسلامية في الوقت الذي شل فيه حركتها وحولها إلى سوق الأسلحة وبضائعه.

وهي عند البعض مجتمع مادي فاسد منحل دبت فيه عوامل الفساد التي سوف تقضي عليه في وقت قريب بل إن البعض قد حدد لذلك وقتًا لا يزيد على عشر سنوات أو خمس عشرة سنة!!. 

وليس من هدفي أن أتكلم عن هذه الأوجه وإنما الذي أريد أن أتكلم عنه هو الوجه الذي سلط عليه المقال شعاع ضوء، والذي يجهله الكثير من المسلمين ليس فقط خارج أمريكا وإنما داخلها أيضًا، وذلك بسبب أننا قد اعتدنا أن نتناول الأمور من أطرافها، ولم تتأصل لدينا بعد- بصورة جدية- عادة البحث والتنقيب والصبر على ذلك وتنظيم نتائجه وتقييمها واستغلالها، الأمر الذي يجعل الكثير من آرائنا وقراراتنا يغلب عليه طابع الارتجال والسطحية. 

ما هذا الوجه الآخر؟

هذا الوجه الآخر هو وجه أولئك الذين يرفضون الظلم والفساد والانحياز والتفرقة العنصرية والدينية، ويرفضون استغلال الإنسان واستعباده وامتهانه، ومنهم من يدين السياسة الأمريكية الخارجية، ومن يهاجم تسلط التحالف الصهيوني المادي على وسائل الإعلام والتعليم والاقتصاد والسياسة، ومن يدين استغلال المؤسسات الترفيهية مثل هوليوود وغيرها في نشر التحلل والفساد والعنف والترويج لتوجهات عنصرية أو استغلاليه.. بل إن منهم من يتصدى للتيار المادي الإلحادي بعمل مؤسسي لا نعرف عنه شيئًا. ومن هؤلاء بعض اليهود، والغالبية من المسيحيين من أطياف مختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار المسيحي، ومن المحافظين إلى التحرريين «الليبراليين»، بل ومن الذين لا يدينون بدين. ومن هؤلاء من يلمح ومنهم من يجمجم ومنهم من يصرح بل منهم من يتخذ مواقف عملية، ومن يعمل منفردًا، ومن يعمل من خلال مؤسسة، ومن هذه المؤسسات مؤسسات لها أنشطة واسعة وتمويل جيد. 

هذا الوجه بأطيافه وتوجهاته وخلفياته المختلفة يصارع في أمريكا ضد تسلط تكتل مادي إلحادي ومادي نفعي ومادي صهيوني التقت مصالحه على فرض عملية تعتيم وحصار، ومصادرة وتكميم أفواه لا توجد في أكثر بلاد العالم استبدادًا، رغم الدعاوى العريضة حول الديمقراطية والحرية بل واستغلال هذه المبادئ والنظم التي تقوم عليها وتفصيل القوانين التي تحكم قبضتها وتحقق سيطرتها ترزية القوانين ليسوا فقط في عالمنا العربي، إنهم موجودون في أمريكا ولكن بصورة أقل فجاجة وأكثر ذكاء وبراعة وأستاذية، ويومًا ما قيل «كل شيء بالقانون والقانون له أنياب ومخالب» وفي أمريكا كل شيء بالقانون والقانون له أنياب ومخالب لكنها أنياب ومخالب لا تستعرض نفسها بجرأة ووقاحة وهمجية كما هو الحال في بعض بلاد عالمنا العربي والإسلامي- حيث هيبة القانون وآدمية الناس وكرامتهم ومشاعرهم لا تجد أدنى قدر من الاعتبار والاحترام من بعض المتسلطين على أمتنا- لكنها في أمريكا أنياب ومخالب تحرص على ألا تمس بصورة فجة آدمية الإنسان وكرامته: تلك الآدمية والكرامة التي يحرص القائمون على تنفيذ القوانين في أمريكا على أن يظهروا أمام الشعب- الذي يعتز كثيرًا بآدميته وكرامته على أنهم هم حماة هذه الآدمية والكرامة ضد كل من يحاول العدوان عليها.

أساليب غير مباشرة للقسر والقهر:

 وإذا كانت الأنياب والمخالب في أمريكا ذكية تخفي نفسها تحت غلالة مخملية، تجعل الكثيرين لا يحسون بها ولا يرونها، ولا يحس بهاولا يراها إلا الذين يقعون في قبضتها، فإن هناك في أمريكا من أساليب العسف والقهر ما هو أشد نكاية وأكثر فعالية من أنياب القوانين ومخالبها.

وليس هنا مجال الحديث المفصل عن هذه الأساليب، وإنما يكفي أن نشير إلى أن هناك في أمريكا محرمات لا يجرؤ على الاقتراب منها حتى الأمريكيون الخلص وهم أصحاب أمريكا الحقيقيون ونعني بهم الأمريكان الأنجلوسكسون، وربما تتاح لنا فرصة لعرض نماذج لهذه المحرمات، ولعل أول ما يخطر في الأذهان من هذه المحرمات اليهودية والصهيونية وإسرائيل، وذلك صحيح لكنها ليست كل المحرمات بل ولعلها ليست أخطرها.

نموذج للوجه الأمريكي الذي نعنيه:

 وأقدم هنا نموذجًا للوجه الأمريكي الذي أتحدث عنه والذي قل أن تتجه إليه الأنظار، ولا أريد أن أقدم هذا النموذج بأمثلة أو بكلمات من عندي، وإنما أقدمه بأمثلة من عند أصحابه وبكلماتهم، ويتمثل هذا النموذج في مقال نشرته صحيفة «هيوستن كرونكل» بقلم واحد من كتابها، وفي المقال حشد من المعلومات والإيحاءات والإشارات والتعليقات البالغة الأهمية والتي يندر أن تحصل عليها في مكان آخر، والذي يسلط في الوقت نفسه شعاعًا من الضوء على واقع موجود على الساحة الأمريكية يصارع ليخرج إلى دائرة الضوء المحاطة بالأسوار الهائلة، ويتعرض لأساليب من القسر والقهر والإبعاد والتغييب أشد شراسة في بطشها من القوانين ذات الأنياب والمخالب.

 ذلك الوجه الذي يعني بالنسبة لنا نحن المسلمين الكثير والكثير جدًّا، والذي يجب علينا أن نتعرف عليه عن كثب، وأن نمد معه الجسور ونتعاون معه، وأن نستفيد ليس فقط من وجوده وإنما أيضًا من إمكاناته وخبراته وهي ثرية وكثيرة وكبيرة الفائدة بالنسبة لنا. 

ولست أعرف أحدًا حاول التعرف على ذلك الوجه من المسلمين في داخل أمريكا بصورة علمية ومنهجية مثل مؤسسة «يسر» في واشنطن التي تصدر نشرات ومجلة فصلية فيها مادة دسمة تلقي ضوءًا على نوعية من أصحاب هذا الوجه، لكن جهود مؤسسة «يسر» المشكورة- والتي يديرها ويشرف عليها الدكتور أحمد يوسف- هي بحكم إمكاناتها قطرة في بحر تحتاج السباحة فيه إلى مؤسسات وخبرات وإمكانات كثيرة.

مقال هيوستن کرونکل:

نشرت جريدة «هيوستن كرونكل» التي تصدر بمدينة هيوستن بولاية تكساس مقالًا لكاتبها «رون تسموف» بتاريخ ٢٥ مارس ۲۰۰۱ م عرض فيه القصة أستاذ يهودي اسمه «مارك إليس» يعمل في جامعة بيلر بمدينة ويكو في تكساس، وقد حرصت على ترجمة المقال بكامله لأنه غني بالدلالات والإيحاءات والإشارات والتصريحات التي يجب علينا أن نقف عندها، وأن نتفهم بعناية ماذا تعنيه بالنسبة للوجه الذي نتحدث عنه، وبالتالي ماذا تعنيه بالنسبة لنا.

عرض «رون تسموف» في مقاله قصة أستاذ يهودي عينته جامعة بيلر في مدينة ويكو في ولاية تكساس، وفرحت الجالية اليهودية الصغيرة- والتي لا يزيد عددها على أربعمائة فرد- في «ويكو» بتعيين أستاذ يهودي في جامعة مسيحية متشددة لكنهم بعد أن تكلم الأستاذ اليهودي كلامًا لم يعجب اليهود انقلبوا عليه.

يقول تسموف:

لقد أصابت الدهشة الطلاب عندما حدثهم أستاذهم عن كيف أنه قد خسر مستقبله كملاكم عندما رفض وهو في سن الثالثة عشرة أن يطرح خصمه أرضًا بالضربة القاضية في حلبة الملاكمة.

بعد ذلك سأل الأستاذ طلابه وهو يتمشى بقامته الطويلة في الفصل: ماذا تعتقدون أن يكون السبب في أن أستاذه اليهودي فيالمدرسة العبرية لم يعجبه امتناع تلميذه عن أن يصرع خصمه بالضربة القاضية؟

لقد كان هدف «إليس»- وهو اسم الأستاذ اليهودي- أن يربط الطلاب في أذهانهم بين امتعاض أستاذه اليهودي وبين «الهولوكوست» وليس مع الملاكمة في ذاتها، وأن سبب امتعاض أستاذه اليهودي هو أن الهولوكوست قد علمت اليهودي أن يكون رد فعله هو القتال حين يستفزه أحد.

إن إليس يدرس مادته: «هتلر والهولوكست» في مركز المسيحيين «الإيفنجلست» القوي في وسط تكساس، والذي يقع بعيدًا عن مجمع اليهود على شاطئ ميامي الشمالي حيث نشأ وهو يدرس هذا المقرر لطلاب مسيحيين قد نشأوا في مدن ريفية صغيرة، ولم يحدث أن التقوا بيهودي قط قبل اليوم، ولذا فإنهم ينظرون إلى أستاذهم اليهودي وقد تملكتهم الحيرة بينما هم يفكرون في سؤاله المحير في هذا الصباح الباكر. 

وإليس البالغ من العمر ٤٨ سنة هو أحد اثنين هم كل الأساتذة اليهود في جامعة بيلر أكبر جامعة «اللبابتست» المسيحيين في العالم، وقد أنشيء بها حديثًا مركز للطلاب الأمريكيين واليهود.

وقد افتتح هذا المركز رسميًّا في نوفمبر، معلمًا من معالم تاريخ جامعة بيلر والذي يمتد إلى ١٢٥ عامًا، وتلك هي المرة الأولى التي تنشئ فيها الجامعة برنامجًا أكاديميًّا بهدف دراسة العلاقة بين المسيحيين واليهود.

وقد استقبل مجتمع «بيلر» إليس بترحاب وبأذرع مفتوحة، لكن الأمر نفسه لا يقال عن المجتمع اليهودي الصغير في «ويكو» والمكون من 400 نسمة.

وقد وظفت الجامعة إليس في إطار جهودها من أجل إقامة حوار بين المسيحيين واليهود، وحرصت الجامعة على أن يكون فيها أناس من اليهود لهم وجهة نظر معارضة للتيار اليهودي العام الذي يستخدم الهولوكوست غطاء لتبرير العدوان على الفلسطينيين.

و«إليس» هو محاضر غزير الإنتاج درس في المؤسسات المسيحية وقد تعرض للنقد مرارًا من اليهود بسبب آرائه الجريئة الصريحة بل إنه تلقى رسائل تهديد بالموت عندما كان يتكلم في أماكن أخرى خارج تكساس، كما أنه قد تعرض لحملة عدائية من قبل المثقفين والقادة اليهود في عام ١٩٩٢م في الاحتفال بذكرى مذبحة معتقل «أوشفتز» في بولندا.

كذلك أرسلت «شينا باشر شن» من اليهودالمحافظين في ويكو رسالة عن طريق البريد الإلكتروني للحاخامية اليهودية قالت فيها: إن جامعة «بيلر» وهي جامعة للبابتست قد قالت إنها تريد إقامة علاقة قوية مع المجتمع اليهودي، في الوقت الذي يعمل لديها دكتور «مارك إليس» والذي يؤيد بوقاحة الفلسطينيين، والذي رفض بإصرار أن يقيم أي نوع من العلاقة مع تجمع اليهود في «ويكو».

وقد اشترك كل من: استانلي هرش الرئيس السابق لاتحاد يهود ويكو ووسط تكساس والرئيس السابق لمجمع أجواده جاكوب وتشارلز ليفي، رئيس مجمع أجواده جاكوب الحالي في إصدار بيان جاء فيه: إننا حينما علمنا أن بيلر قد أحضرت عالمًا يهوديًّا إلى المدينة ليدرس برنامجها للدراسة اليهودية شعرنا بالسرور العميق، لكن سرورنا سرعان ما تحول إلى امتعاض، عندما تبين لنا أن هذا الشخص يؤيد الفلسطينيين بكل وقاحة ويعادي إسرائيل.

ثم أضاف البيان: إن استخدام «بيلر» مارك إليس كوسيلة للدعاية لها- كجامعة تعمل من أجل مزيد من الفهم لليهودي- قد جاء بنتيجة عكسية.

على أن ذلك لا يعني أن كل اليهود في ويكو يعارضون إليس، وعلى سبيل المثال فإن برناردا بابورت رئيس شركة الجنوب الغربي للتأمين على الحياة، قال: طالما أن هناك حوارًا، فإني أعتقد أن ذلك شيء صحي. 

لكن رابا بورت- وهو عضو نشط في الحزب الديمقراطي ويدير مع زوجته مؤسسة خيرية في ويكو- أردف قائلًا: أعتقد أن معظم اليهود في ويكو يعارضون إليس، ولذا فإني لا أستبعد أنه بسبب موقفي هذا سوف يعملون على طردي من المدينة، مع العلم بأني يهودي أصيل، ومؤيد قوي لإسرائيل، وعلى أية حال فإنه إذا كنا نريد لإسرائيل أن تعيش في سلام فإننا يجب أن نتفهم وجهات النظر الأخرى.

ثم استطرد كاتب المقال إلى القول: إن إليس يعتقد أنه ربما تكون هناك فئة قليلة من يهود ويكو ساخطة على أرائه، وعلى أية حال فإنه قد أتى إلى بيلر لا من أجل التعاون مع اليهود ولا من أجل معارضتهم.

 ثم عاد صاحب المقال إلى موضوع الملاكمة، وقال: إنه نظرًا لأن الطلاب لم تكن لديهم فكرة عن الظروف التي كانت تحيط بإليس آنذاك ولا بظروف أستاذه في المدرسة العبرية لذا فإنه لم يكن لديهم تصور واضح للإجابة على سؤال: لماذا لم يقض على خصمه بالضربة القاضية منذ ثلاثين سنة.

وبعد فترة من الصمت أجابت إحدى الطالبات قائلة ربما كان سبب امتعاض الأستاذاليهودي هو أن الآخر كان مسيحيًّا، وكانت تلك فرصة أن تطرحه أرضًا. وهنا انفجر الجميع بالضحك وكانت تلك فرصة لإليس كي يعبر الفجوة التي تفصل بينه وبين الطلاب، وقال: إنه على الرغم من أنني أنتمي إلى خلفية غير التي تنتمون إليها، ومع ذلك فإني أضحك مثلكم وهذا يعني أن هناك شيئًا مشتركًا يجمع بيننا، إنني لست فقط يهوديًّا ولكني إنسان أيضًا، وإنه كيهودي شيء يجعله مختلفًا عن غيره من اليهود.

 ثم استطرد إليس متحدثًا عن نصيحة أستاذه اليهودي الذي امتعض لأن إليس لم يطرح خصمه وقال: لقد نصحني هذا الأستاذ قائلًا: كن فخورًا بأنك يهودي، وإن حاول أي شخص أن يدوس على قدمك، فيجب عليك أن تطرحه أرضًا، ثم علق على قول أستاذه اليهودي قائلًا: إن أهم جانب في حياتي هو أني لا أستطيع أن أتقبل فكرة استمرار دائرة العنف.

ثم تكلم عن اليهودية بعد الهولوكست فقال: بسبب أن اليهود قد أبيدوا بالملايين في الهولوكست على يد الدكتاتور النازي أودلف هتلر، فإنه قد تكونت لديهم قناعة بأنه يجب عليهم أن يحاربوا إذا اقتضى الأمر ذلك.

 ثم قال: لقد كان قيام دولة «إسرائيل» فرصة لكي يحاربوا، لكنهم من خلال إقامتهم لدولةعسكرية دينية، فإنهم قد غيروا موقفهم من موقف الضحية إلى موقف المعتدي.

وفي حديثه في جامعة ولاية «أيوا» في يناير قال إليس: إن الجنود الإسرائيليين قد أحبوا أسلوب بلدهم في المعاملة السيئة للفلسطينيين. لأنه يعطيهم الفرصة ليستعملوا ضد الفلسطينيين نفس الأسلوب المتوحش الذي استعمله النازي ضد اليهود.

وفي شهادته في البرنامج القومي للكونجرس والذي يقدم في قناة «سي إسبان- C-Span» قال إليس وهو يتحدث عن إسرائيل باسم « إسرائيل– فلسطين» إنه يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية وتضم الضفة الغربية وغزة.

وقال إليس: أنا لا أشعر بالخجل حين أتخذ موقفًا مناقضًا لموقف مؤيدي إسرائيل، وقال بملامحه الطفولية التي تخفي تحتها إصرارًا حديدية: إنني سوف أستمر في أن أقول ما أعتقد أنه حق حتى الموت.

ولقد قدم إليس لجامعة بيلر عن طريق محام حديث التخرج من مدينة سيرمان قرب دالاس اسمه ساندر، وقد قال ساندر إنه قابل إليس عام ۱۹۹۸ في بيت لحم، حيث كانت قد طلبت منه الكنيسة المشيخية حضور مؤتمر في بيت لحم تبناه المسيحيون الذي يطالبون بدولة مستقلة للفلسطينيين.

 وقال ساندر إنه قد سمع مارك إليسيتحدث في هذا المؤتمر وإنه قد تأثر بحديثه كما أعجب بشجاعته لأنه اتخذ موقفًا غير موال لإسرائيل، وعندما علمت أنه قد تلقى تهديدات بالقتل- ولم يؤثر ذلك في موقفه- عرفت أنه شخص يمكن الاعتماد عليه. وقال سلوان مدير بيلر- وهو أول قسيس من البابتست يعمل رئيسًا لمدرسة منذ عام ١٩٦٠: إنه يشعر برضى لأن إليس أكاديمي متمكن، ولديه القدرة على تلقى الأسئلة الصعبة والتي تبرز أهمية الشخصية المسيحية.

وقال سلوان: إنه قد شعر باندهاش من رد الفعل الغاضب من بعض أعضاء المجتمع اليهودي في ويكو، وإنه قد تعلم الكثير من معرفته بانقسام المجتمع اليهودي في ويكو. لكنه ليس لديه نية في تقييد حرية إليس الأكاديمية بسبب موقف البعض.

وعودة إلى موضوع إليس قال كاتب المقال: إن إليس قال إنه سعيد بالترحيب الذي لقيه في الكلية وإن شعبية مادة «هتلر والهولوكوست» قد زادت في الكلية لدرجة أن أناسًا يأتون من أنحاء مختلفة من الكلية لحضور المادة، وأن بعضهم لا يجد له مكانًا فيجلس على الأرض، وأن بعضهم يحرص على أن يعبر عن رضاه بالسلام عليه بقوة.

بعد ذلك نقل كاتب المقال أقوال لين تاتوم مساعد مدير دراسات الشرق الأوسط في بيلر الذي قال: إن بابتست الجنوب هم بصفة عامة من أكثر المسيحيين تأييدًا لإسرائيل، وإن ذلك إنما كان بسبب أنهم يفسرون تفسيرًا حرفيًّا ما جاء في كتاب الوحي الذي يقول « إن الله سوف يقيم دولة إسرائيل في نهاية الزمان. ولذا فإنهم يرون دولة إسرائيل الحديثة هي إنجاز لوعد الله في الكتاب المقدس.

وفي الوقت ذاته يوجد في الجنوب المؤتمر العام للبابتست المعتدلين في تكساس، والذي يضم وجهات نظر مختلفة تتعلق بإسرائيل وهذا المؤتمر يسهم في تمويل جامعة بيلر.

 وأضاف تاتوم إن لديه اعتقادًا قويًّا بأن بيلر قد لعبت دورًا أساسيًّا في الاعتدال الذي يوجد اليوم عند مجموعة البابتست في تكساس.

وأضاف أيضًا: إنه على الرغم من تأييد بابتست الجنوب لإسرائيل، فإن هناك كذلك شكوكًا كثيرة بينهم وبين اليهود، وعلى سبيل المثال فإنه في عام ۱۹۸۰ قال بيلي سميث الذي كان رئيسًا لمؤتمر بابتست الجنوب: إن الله لا يسمع صلاة اليهود، بل إن بابتست الجنوب: وهم في نفس الوقت ايفنجلست متشددون- وقد طالبوا في عام ۱۹۹۹ بالدعاء أن يتحول اليهودإلي المسيحية، ومع أن هذه الرغبة في تحول اليهود إلى المسيحية قد تكون صادرة عن نية طيبة إلا أن اليهود اعتبروها نوعًا من العداء للسامية.

وأخيرًا ختم الكاتب مقاله بقوله: إن ماري آن ليمون «البالغة من العمر ۲۰ عامًا والمبعوثة من دالاس لتدرس في بيلر والتي كانت تقيم في روسيا مع والديها اللذين كانا يعملان قسيسين مشيخيين، والتي هي اليوم تلميذة لإليس، قالت: إني أعتقد أن مقرر إليس في بيلر مقرر فريد وأن إليس يثير فيه كثيرًا من الأسئلة المهمة، أهمها السؤال الذي يتعلق بمسؤولية المسيحيين عن الهولوكست، ثم أردفت قائلة: إننا لو كنا مسيحيين حقيقيين فربما لم يكن الهولوكست قد حدث.

وأترك القارئ ليستخرج بنفسه ما يستطيع من أفكار هذا المقال المشحون لكن هناك ملاحظة أحب أن أذكرها - ولعل القارئ يتفق معي عليها- وهى أن مارك إليس الذي لا يؤيد اليهود وينتصر للحق الفلسطيني ويكره الظلم قد نجح في تعميق عقدة الإحساس الجماعي بالذنب لدى طلابه المسيحيين عن الهولوكست.

 كم هي كبيرة مسئولية المسلمين عامة ومسلمي أمريكا خاصة عن التعرف العلمي الواعي الدقيق على كافة الوجوه المختلفة لأمريكا والتي ارتبط بها قدر العالم عامة والمسلمين اليوم خاصة إلى أمر هو في علم الله.

وكم هو خطأ بل خطيئة أن يواجه المسلمون بالعفوية والارتجال والحماس الوقتي والأحكام المبتسرة عالمًا متعدد الأبعاد والاتجاهات تتحكم فيه مؤسسات ويعج بمراكز الأبحاث والتخطيط ومراكز الرصد والتحليل والمعلومات، ويتراكم لديه كم هائل من الخبرات والمهارات الدعوية بموارد مالية هائلة، وتقنية معقدة متقدمة.

 إن سنة الله في المغالبة إنما تقوم بالدفع المتناسب المتكافئ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥١).

ورحم الله الإمام حسن البنا حين تمثل لاختلال موازين التدافع بين المسلمين وبين غيرهم مع الدعاوي العريضة، والضجة العالية بقول الشاعر:

رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ***  وخاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلوا

الرابط المختصر :