العنوان وجوب تطبيق الشريعة لكل زمان ومكان
الكاتب وحيد الدين خان
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1976
مشاهدات 81
نشر في العدد 324
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 09-نوفمبر-1976
قامت الدولة الإسلامية في الربع الأول من القرن السابع الميلادي. ومنذ ذلك الوقت حتى نهاية القرن الماضي ظلت الشريعة الإسلامة نافذة في أجزاء كبيرة من عالمنا هذا. وخلال القرون الثلاثة عشر الماضة شهدت الحياة الاجتماعية ثورات متعددة ولكن لم يظهر خلاف ما حول صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان.
فالمدينة كانت نواة الدولة الإسلامية البسيطة حيث طبق رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم الشريعة.
وخلال الخلافة الراشدة انضمت بلاد متعددة كالشام ومصر والعراق وإيران وفلسطين إلى الدولة الإسلامية، ولكن عمر الفاروق أو علي بن أبي طالب لم تواجههما مشكلة في تطبيق الشريعة.
وفي العصر العباسي توسعت حدود الدولة الإسلامية حتى تجرأ هارون الرشيد أن يقول وهو يرى سحابة في السماء: «أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك». ومن ناحية أخرى ظهرت علوم اليونان ومصر والهند والصين من جديد ودخل المجتمع الإسلامي في عهد جديد للبشرية علما وفنا، ولكن القاضي أبا يوسف كان قادرا بكل نجاح، في إدارة نظام هذه الدولة الواسعة على أساس الشريعة الإسلامية. ثم جاء عصر المغول والأتراك الذين أخضعوا الجزء الأكبر من آسيا وأفريقيا وأوروبا لسيطرة الإسلام. وتدوين «الفتاوى العالمكيرية» في عهد المغول و«المجلة العثمانية» في عهد الأتراك يدل على أن الشريعة الإسلامية لم تعجز عن معالجة القضايا القانونية المتزايدة.
إذن، ما السبب في أننا نسمع في القرن العشرين من يقول: «الشريعة الإسلامية ليست صالحة لكل زمان ومكان»؟
إن السبب ليس دعاية المستشرقين، كما يظن بعض الناس ببساطة، ولكن السبب هو الثورة العلمية والفكرية الناتجة عن العلم الحديث. إن لكل عصر أسلوبه الفكري الذي يصوغ أفكار الناس ويحكم قضاياهم. ومنذ عدة قرون كان أسلوب الفكر الإنساني يقوم على الأسس الميتافزيقية «ما بعد الطبيعة» والذي استمر أساسا للأفكار والنظريات منذ زمن طويل. ولأول مرة في التاريخ أبعد العلم الحديث هذا الأسلوب عن مكانته واستبدله بأسلوب الفكر الطبيعي.
وكل القضايا الناشئة بين الدين والعقل الحديث ترجع إلى هذا التغير في الفكر الحديث.
كانت الفلسفة تسمى في الزمن القديم بـ «ملكة الفنون» ولكنها قد فقدت هذه المكانة عقب ظهور العلم الحديث. والسبب في ذلك أن بيانات العلم تتمتع بالكمال الفني، بينما الفلسفة لا تتمتع بهذا الكمال. وبهذه الخاصة تغلب العلم الحديث على كل العلوم الأخرى، ونتيجة لذلك ظهر أسلوب الفكر الذي يسمى بـ «الإيجابي» أي بناء الرأي على الوقائع المحسوسة والمشهودة. ولم يكن الفكر «الميتافزيقي» القديم يستبعد أن الروح من السماء وبالتالي يفسر تحركات البشر على أساسها. ولكن العقل الحديث يريد استخدام المصطلحات المادية الكمية عن الروح، مثلما يفعل مع الأشياء الأخرى، فقال إن الروح كيفية وقتية تنتج عن تفاعل المواد الطبيعية والكيماوية، مثلما ينتج الصوت من احتكاك غصنين من الشجر.
وهذه العقلية التي تفسر الظواهر غير الطبيعية بالمصطلحات الطبيعية، أخضعت الدين أيضا للدراسة. إن وسائل البحث العلمية لا تستطيع أن تشاهد علاقة الدين بالسماء. فبدأوا يدرسون كل المظاهر التي وجدت باسم «الدين» في مختلف العصور. وكان من نتيجة ذلك أن الدين أصبح من موضوعات «علم الإنسان» وليس من موضوعات «علوم الدين» فأصبح المجتمع الإنساني مصدر الدين، بينما كانت السماء هي مصدر الدين في حقيقة الأمر. ولم يكن هذا التغيير عاديا. إن مثال هذا التغيير كأن تأتي جماعة من المؤرخين في المستقبل وتدون تاريخ مؤتمركم هذا عن الفقه الإسلامي فتضعه في خانة «الأثاث» ثم يبدأ العالم يدرس مؤتمركم تحت عنوان «الأثاث».
إن الادعاء الذي يقول: «إن الدين والشريعة غير دائمين» يعني أن الدين والشريعة من نتاج العوامل الاجتماعية، والمعروف أن نتائج العوامل الاجتماعية ليست دائمة، بل هي مرتبطة بزمنها وعصرها، فالأثاث والملابس ليست متماثلة في كل العصور، ولذلك اعتبروا أن الدين والشريعة أيضا من الظواهر الزمنية لعصر من العصور، ولكن على العكس من هذا، لو درس الإنسان الدين حقيقة أبدية مثل قوانين الطبيعة والحياة.
الذي يدبر شئون الكون، لوجد ذلك الإنسان أن الدين حقيقة أبدية مال قوانين الطبيعة والحياة.
ولكن الأمر انقلب رأسا على عقب حين أصبحت دراسة الدين من موضوعات العلوم الاجتماعية. هذا الانعطاف في التاريخ الفكري البشري والذي حدث فيما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان حاسما جدا للإسلام. وكان ينبغي أن تسد الشعوب الإسلامية هذا السيل وتحول مجرى التاريخ مرة أخرى لصالح الإسلام. ولكن، للأسف الشديد، لم يتمكن مصلحونا وزعماؤنا من فهم نوعية المشكلة. لقد نظروا إليها على أنها قضية سياسية من اختلاق الاستعمار، ولذلك أضعنا فرصة القرنين الماضيين في المعارك السياسية، ولم نحاول فهم روح العصر الحديث لنخطط، طبقا لذلك، لبعث الإسلام من جديد.
والتحدي الذي يواجه الإسلام اليوم في مواجهة الإلحاد يطابق إلى حد ما التحدي الذي واجهه عند بدء الرسالة في مواجهة الشرك الذي كان يحظى بقبول الرأي العام العالمي في ذلك العصر. وكان الشرك قويا لدرجة أن المنادين بالتجديد كانوا يحرقون أو تقطع أجسادهم وهم أحياء. وفي مثل هذه الظروف أرسل الله آخر أنبيائه بدين الحق ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. (الصف:9)
وقد قدم الرسول الكريم وأصحابه هذه الدعوة بقوة حتى غيروا مجرى التاريخ. وتفاصيل الدور الذي قام به الإسلام لا تدخل في نطاق بحثنا هذا، إلا أنني سأذكركم هنا بما قاله أرنولد توينبي: إن طاقات الطبيعة كانت موجودة دائما على سطح الأرض، ولكن لم يمكن تسخيرها إلا في الفترة الأخيرة. ويشرح توينبي قائلا: إن العقبة الكبرى في سبيل تسخير طاقات الطبيعة كانت عقيدة الشرك الذي ساد العقل البشري لزمن طويل والذي حول طاقات الطبيعة إلى آلهة. وكان المشركون يقدسون ويعبدون هذه الطاقات بدلا من تسخيرها. وعقيدة التوحيد هي التي جعلت الإنسان ينظر إلى هذه الطاقات بأنها مخلوقات مثله ومن ثم بدأ يفكر في تسخيرها
ولسوء حظنا لم نستطع في العصر الحديث أن نقوم في مواجهة الإلحاد الحديث بدور الذي قام به أسلافنا في مواجهة الشرك، وإلا لما كان اليوم في موقف الدفاع ولكان اليوم
آخر.
ولكن الله غالب على أمره، فيقوم بإحقاق الحق وإبطال الباطل باستمرار. والأمر الذي فشل المسلمون في إنجازه، أنجزه الله تعالى بأيدي شعوب الغرب. إن دراسات العلوم الغربية قد هدمت الأسس النظرية التي كانت تدعي أن الدين والشريعة لا يصلحان لكل الأزمنة.
لقد كان القرآن قد أشار إلى شيئين أساسيين:
أولا: يجب على الإنسان أن يؤمن بالحقائق بالغيب، وأنه لن يتمكن من معرفة الحقيقة لو أصر على الرؤية المباشرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة:2-3).
وثانيا: يجب أن يعترف الإنسان بأنه لا يستطيع أن يكتشف قانون الحياة بنفسه، فمثل هذه المحاولة ستكون مخالفة للوقائع: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ﴾.(النحل:116)
وفي العصر الحديث اعتبروا هذين الأساسين من أساطير الدين الفاقدة للأساس العلمي. ولكن الاكتشافات العلمية الحديثة تؤكد أن الأسلوب العلمي الوحيد للإنسان هو الذي أشار إليه القرآن، ولا أسلوب آخر سواه من الناحية العلمية.
لقد كان اليهود قد طالبوا نبيهم قبل ثلاثة آلاف سنة: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (النساء:153)، وفي العصر الحديث أعيدت هذه المطالبة باسم العلم. فحين اكتشفت العلوم الحديثة كثيرا من أسرار الكون التي لم يكن الإنسان القديم يعرفها، زعموا أن العلوم قد قضت على حدود الحواس البشرية وأن الإنسان سيتمكن الآن من المشاهدة المباشرة لكل الأشياء الموجودة. وزعموا أنه لا وجود للأشياء التي لا تخضع للمشاهدة بالرغم من استخدام الآلات العلمية وحين تمكنت الأجهزة الحديثة من مشاهدة أصغر الأجسام إلى الأجرام البعيدة ولكنها لم تشاهد الحقائق الدينية زعموا أنه لا وجود لهذه الحقائق.
ولكن القرن العشرين قد قضى على هذا المنهج الفكري بعد اكتشاف حقائق كثيرة تبطل النظريات القديمة. ففشل التفسير القائل بأن الضوء يتكون من جسيمات قد أكد على أن هناك حقائق كونية لا يمكن تفسيرها بالمصطلحات المعروفة.
وتحطيم الذرة أثبت أن الأشياء أعقد من النظريات العلمية البدائية. وأصبح ثابتا أن الأشياء التي لم نتمكن من مشاهدتها أكثر بكثير من الأشياء التي شاهدناها حتى الآن لدرجة أن النظرية العلمية الحديثة التي تسمى نظرية الثقب الأسود تؤكد أننا لا نشاهد من الأجسام الكثيفة ما عدا ٣%، أما الأجزاء السبعة والتسعون الباقية فلن نستطيع مشاهدتها أبدا.
وإذا كان الكون يتكون من حقائق لا نشاهد معظمها مباشرة، فما هو السبيل لمعرفة الأشياء الأخرى التي لا نشاهدها؟ ولتسهيل هذا اعتمد العلماء «الاستنباط»: أيضا من وسائل المعرفة إلى جانب «الملاحظة» وإذا كان «نيوتن» هو العلامة البارزة في عصر العلم الحديث الأول، فإن «أينشتين» هو العلامة البارزة للعصر الحديث للعلم. ويمكن تلخيص أفكار أينشتين في جملة واحدة كما يلي: «قد تقلصت دائرة التجربة في التعامل مع الحقائق الكونية الأبدية واتسعت دائرة التأمل».
وبهذا اعترف العلم الحديث أنه لا بد من الإيمان بالغيب أي الإيمان بحقائق الكون بمشاهدة ظواهره.
إن هذا التغيير الذي طرأ على «نظرية المعرفة» ليس بتغيير عادي، بل إن هذا التغيير قد فتح باب الحق الذي ظل مقفلًا طيلة المائتي سنة. إن الكون الذي اكتشفه العالم كان كونا ذا معنى مدهش وكان علينا أن نجد له تفسيرا.
ولكن هذا التفسير استنباطي ولا يتعلق بالمشاهدة ولذلك ظل العلم الحديث يعرض عن تقديم هذا التفسير حتى نهاية القرن التاسع عشر. ولكن بعد الاعتراف بأسلوب «الاستنباط»، اعترف العلم بصدق التفسير الاستنباطي. وقد كان الوقت الآن لنكرر ما قاله «نيوتن» من أن «اليد الإلهية» تعمل خلف النظام الكوني. ولا تفسير لمجموعة حقائق الكون من حركة وحياة وجمال ومعنى وحكمة وعظمة وخواص عجيبة، إلا الاعتراف بأنها: إبداع الله الحي القادر.
والحقيقة هي أنه بعد الاعتراف بالاستنباط كأسلوب صحيح للاستدلال أصبح العلم الحديث كله علم كلام للقرآن الكريم فاكتشافات العلم الحديث تثبت علميا العقائد القرآنية. والنقص الوحيد الذي نواجهه في هذا الصدد هو عجزنا، نحن المسلمين، عن تدوين الاكتشافات العلمية باعتبارها أدلة كلامية للقرآن الكريم.
وأريد أن أشير هنا إلى حقيقة واحدة نحسب من اكتشافات العلم الحديث لقد ثبت الآن علميا أن لكل شيء في الوجود زوجا له. وقد ثبتت هذه الحقيقة بدرجة مدهشة في كل شيء لدرجة أن العلماء قالوا بوجود عالم آخر زوج لعالمنا هذا، وذلك العالم الآخر، حسب رأي العلماء، سيتمتع بخواص لا يتمتع بها عالمنا هذا بمثل الأبدية.
وهذا الاكتشاف الجديد يصدق القرآن الكريم الذي قال ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات:49)أي لنتدبر الإبداعات التي نراها لنصل إلى الإيمان بزوج عالمنا الفاني هذا، وهو الإيمان بالآخرة.
إن كل الاكتشافات العلمية الحديثة هي ظهور «آلاء الله» الكامنة في الكون، وهي تصدق الأنباء القرآنية منذ أكثر من ألف وثلاثمائة سنة: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. (فصلت:53)
والجانب الآخر لهذه الاكتشافات هو أنها قد أثبتت نهائيا أن الإنسان لا يستطيع اكتشاف قوانين حياته بنفسه. لقد اتضح الآن أن الوسائل المتاحة للإنسان لا تعطينا إلا تفاصيل جزئية عن الحقائق. والجانب الأهم من هذا كله هو أن الأشياء التي لا نطلع عليها هي أهم بكثير من التي نطلع عليها. ومن أمثلة هذا أن «اليكترونات الراديوم» تتساقط ويأتي حين «تتحول فيه قطعة الراديوم إلى قطعة الرصاص الذي يعتبر من العناصر غير المشعة. وقد فشل كل العلماء في معرفة سبب تساقط «الاليكترونيات» الذي يحول الراديوم، إلى مجرد رصاص لدرجة أن أحد العلماء قد قال: «لعل هذا يحدث بأمر الآلهة، أيا كانوا»..
وهذا الأمر ينسحب تقريبا على كل الأشياء، وعلى حد قول أحد العلماء:
«الأشياء الهامة لا يمكن معرفتها والأشياء التي يمكن معرفتها غير هامة»
وهذا الشيء الذي عرفناه، عن العالم المادي ذو أهمية بالغة لقضية القانون البشري لأن الإنسان أكثر تعقيدا من قطعة الراديوم التي لم يتمكنوا من معرفة قانونها، فكيف يمكن الادعاء بأمكان التوصل إلى قانون الحياة البشرية عن طريق جهود بشرية؟
لقد كشف المعلم أن الوجود الإنساني أعقد بكثير مما كان الناس يظنونه في الأزمنة الغابرة. فالحقيقة أن للإنسان علاقة بالكون كله، فهو موضوع دراسة علوم كثيرة ابتداء من علوم الخلية والنفس والاقتصاد إلى علم الفلك، وبكلمة أخرى: لا بد من معرفة الكون كله لأجل معرفة الإنسان. ولكن بحوثنا العلمية تخبرنا بأن البشر يعانون من بعض العجز والحدود التي لا بد منها والتي تحول بكل قطعية دون رؤيتنا الكاملة والواسعة الحقائق لقد وصفوا في القرن العشرين دراسة القانون الإنساني بأنها «الهندسة الاجتماعية» أي أن خبراء القانون سيتمكنون من وضع قوانين ثابتة للإنسان كالتي يضعها المهندس لآلاته. ولكن خبراء القانون قد أخفقوا في التوصل إلى معيار ما متفق عليه للقانون البشري. وقد وصل بنا الأمر في النصف الآخر لقرننا هذا أن في لغتنا كتبا تحمل عنوانا مثل: «القانون يبحث عن نفسه»
إن علم القانون يعترف الآن، بعد بحث طويل ليس بإمكان الإنسان البحث عن قانون الحياة.
إن حدودنا «البيولوجية» والعقلية تقف في طريقنا بطريقة قطعية. وقد اعترف عالم القانون المعروف «جورج هوايت كروس باتون» أن السبيل الوحيد للوصول إلى معايير متفق عليها للقانون هو الاعتراف بالوحي السماوي قانونا.
كل فلسفات القانون الاجتماعي التي راجت في القرن التاسع عشر كانت تدعي أن القانون الاجتماعي -مثل القانون الفطري- موجود في المجتمع بصورة ملازمة وأنه ليس علينا إلا اكتشافها، وبكلمة أخرى: ادعوا أن القانون الاجتماعي أبدي مثل قوانين البخار والكهرباء وقد أخفقت كل هذه الفلسفات والمذاهب في اكتشاف القانون الفطري. ولكنني سأقول من جانبي إن موقفهم كان صحيحا من الناحية المبدئية. إلا أن خطأهم يكمن في أنهم كانوا يبحثون عن شيء حقيقي في مكان لا علاقة له بذلك الشيء. فالحقيقة هي أن قانون الحياة البشرية أيضا أبدي مثل قوانين الطبيعة والأحياء.
ولكن المكان المقرر لمعرفة هذا القانون هو الوحي الإلهي وليس العلوم الإنسانية التي عرفنا عنها أنها لا تعطينا سوى معلومات جزئية عن الحقائق.
والاعتراف بمبدأ الحصول على القانون البشري عن طريق الوحي الإلهي يعني أننا نضع القانون البشري على قدم المساواة مع القانون الفطري الكوني أي أن الإنسان يحصل على قانون حياته من نفس المنبع الذي يحصل منه الكون كله على قانونه. وبهذا يصبح القانون الإنساني أبديا. إن الماء الذي يظهر إلى الوجود بتلاقي غازين معينين تحت قانون الجاذبية والذي تتحول جزئياته إلى البخار تحت قانون الحرارة هو الماء نفسه في كل مكان وزمان فإذا كانت قوانين الله أبدية في عالم الطبيعة فكيف يمكنها أن تكون غير أبدية في عالم الحياة الإنسانية؟.
إن قانونين خارجين عن مصدر واحد لا يمكن أن تتغير طبيعتاهما. فالحقيقة هي أن الاعتراف بأن الله هو منبع القانون الإنساني إثبات في حد ذاته بأن مثل هذا القانون غير خاضع الحدود الزمان والمكان.
إن القوانين الطبيعية أبدية بالرغم من التغييرات الكثيرة التي نشاهدها في كل آن، مثل اختفاء النجوم والتغيير التدريجي في حجم القمر وغروب الشمس وطلوعها.. وقد ثبت الآن أن كل هذه التغييرات لا تعدو إلا أن تكون خدعة لأعيننا المحدودة القاصرة وقد اكتشفت العلوم الحديثة تغييرات أهم من هذه المتغيرات ولكن لا جدال حول أبدية قوانين الطبيعة. إن علم الخلية يخبرنا بأن الجسد البشري يتغير في كل آن من شعر وأظفار ولحم ودم، ولكن لا أحد يطالب بتغيير علم الحياة كل عام، وذلك لأن الدراسة العميقة تخبرنا بأن الوجود الإنساني الحقيقي يبقى في مكانه بالرغم من كل المتغيرات ويعمل طبقا لقانون واحد.
والآن نصل إلى الجزء الأخير من حديثنا هذا، وهو السؤال:
«هل هناك قرينة مباشرة تصدق على وجوب استنباط القانون الإنساني من النبع الإلهي»؟
والرد على هذا السؤال هو أن هناك قرينتين اثنتين على الأقل تؤكدان على وجوب استنباط القانون الإنساني من النبع الإلهي، وهما الفطرة البشرية، وتجربة القوانين الوضعية.
وقد كان اللورد أكتون على حق حين قال:
«إن السلطة تفسد والسلطة المطلقة تفسد بصورة مطلقة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل