; الافتتاحية- وحدة الصف الدعوي قوة للصف الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية- وحدة الصف الدعوي قوة للصف الإسلامي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1988

مشاهدات 199

نشر في العدد 851

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 12-يناير-1988

عندما يغفل الداعية عن التوجيه القرآني والسلوك النبوي فيما يخص وحدة الصف الإسلامي، فإنه بهذه الغفلة يقع في مخاطر ومحاذير لا تعود على الصف المسلم إلا بالخسران. ولقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الخطر العظيم الذي ينتج عن خروج الداعية عن الصف الواحد الموحد، وذلك فيما هو منقول عنه: "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية". وأي تحذير أبلغ من هذا التحذير الذي يحدد نهاية الخارج عن الصف بهذه الاستعارة البلاغية البارعة!

 

أهمية وحدة الصف في القرآن والسنة

إذا كان القرآن الكريم قد ألح على وجوب وحدة الدعاة ووحدة العمل الإسلامي، فإن المفسرين أبدعوا في استنباط ما يلزم المجتمع الإسلامي ودعاته من أحكام حول وحدة العمل الإسلامي والبعد عن النزاع والشقاق. ولقد علق الشهيد سيد قطب رحمه الله وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال:46)، فقال: "فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار. فإذا استسلم الناس لله ورسوله التقى السبب الأول الرئيس للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي جعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق فيها! وإنما هو وضع "الذات" في كفة والحق في كفة وترجيح الذات على الحق ابتداءً!... ومن ثم هذا التعليم بطاعة الله ورسوله - كما ورد في أول الآية الكريمة - إنما هو طاعة القيادة العليا والتي تنبثق منها طاعة الأمر الذي يقودها".

 

مخاطر التشرذم وتعدد القيادات

وبهذا يحدد الشهيد سيد قطب من خلال تجربته بفطنة ودقة تلك الأسباب الجوهرية التي تعصف بالمسلمين وبقوتهم. وإلا فماذا يُنتظر للحركة الإسلامية إذا تعددت قياداتها غير الانشقاق والتشرذم؟ وماذا يَجُرّ اتباع الهوى الفردي على أصحابه غير النتيجة الحتمية التي حددها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الذئب والغنم القاصية؟

 

إن دعوة الإخوان المسلمين التي قامت ابتداءً في مصر على يد الشهيد حسن البنا رحمه الله، تلمست هذه القضية وحرصت على زرع الفكرة الموحدة وإيجاد الموقف الواحد للصف الواحد الذي يحطم الشذوذ وينأى عن كل رغبة تخدش وحدة الصف أو تؤذيه. يقول الإمام الشهيد حسن البنا في إحدى رسائله: "... دعوة الإخوان المسلمين دعوة عامة... وهي تتوجه إلى صميم الدين كله، ونود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر. فدعوة الإخوان دعوة بيضاء غير ملونة بلون، وهي مع الحق أينما كان، تحب الإجماع وتكره الشذوذ. وإن أعظم ما مني به المسلمون الفرقة والخلاف، وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. هذه قاعدة أساسية وهدف معلوم لكل أخ مسلم، وعقيدة راسخة في نفوسنا نصدع عنها وندعو إليها".

 

وحدة الصف في فجر الدعوة الإسلامية

وإذا عدنا إلى فجر الدعوة الإسلامية لوجدنا أن وحدة الصف الدعوي كانت أهم عامل من عوامل قوة الصف الإسلامي على كافة المستويات. والرسول صلى الله عليه وسلم كان أول من أصَّل هذا المفهوم في نفوس المسلمين. فبعد مهمة إقامة الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة، قدَّم الرسول صلى الله عليه وسلم مهمة وحدة الصف بين المهاجرين والأنصار فوق كل أولوية أخرى، وعقد مؤاخاة إسلامية بين الجانبين ليصبح المسلمون جميعًا - مهاجرين وأنصارًا - صفًا واحدًا متماسكًا وقويًا. ثم واجه كفار قريش بهذا الصف الإسلامي الواحد مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف:4).

 

وعلى هذا الأساس ظلت الدعوة الإسلامية صامدة، وقامت الجيوش الإسلامية المتماسكة بالفتوحات الإسلامية المترامية الأطراف في عهد الخلفاء الراشدين الذين تمسكوا بعرى الوحدة وتكامل الصف والبعد عن التفرقة والتمزق امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ (آل عمران:103).

 

حال الأمة اليوم وسبيل النصر

واليوم ماذا على الدعاة، بل ماذا على المسلمين جميعًا؟ إنهم مطالبون في كل مكان وزمان بالوحدة والأخوة، والعض على حبل الأخوة بالنواجذ كما فعل الدعاة المخلصون من أسلافهم حيث تنزل عليهم النصر وانطلقت طلائعهم إلى فجاج الأرض تبشر بهذا الدين وتنقل معطيات هذه الحضارة الإسلامية إلى الناس في كل مكان، حتى ملك المسلمون العالم وحكموا الدنيا بالعدل ونشروا في ربوعها الأمن والخير والسلام.

 

لقد قدم لنا التاريخ دروسًا عديدة مليئة بالعبرة والموعظة. والمسلمون اليوم ودعاتهم بشكل خاص، يعلمون أن انفراط عقد المسلمين كان نتيجة تفريطهم في التمسك بالإيمان والأخوة والوحدة في الصف الإسلامي حتى تكالبت عليهم الأمم ووقعت دولتهم تحت براثن الاستعمار، فأصبحوا مسودين بعد أن كانوا سادة، وغدوا أتباعًا بعد أن كانوا قادة. وما تزال الأمة المسلمة تعيش سلسلة من الهزائم والنكبات، وتتخبط في ظلمات التخلف والوهن بسبب انشقاق وحدة الصف الإسلامي.

 

إن الأعداء يسلكون دائمًا في سبيل تفتيت أواصر الوحدة والتضامن بين المسلمين مسالك عديدة، ويرسمون لتحقيق ذلك استراتيجيات متنوعة. والمتأمل في سير الأحداث والتيارات في تاريخ أمتنا القريب يكتشف بوضوح أن جهود الأعداء في تمزيق الصف الإسلامي لم تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت إلى مجالات أخرى عديدة وعلى رأسها المجال الفكري والثقافي. وبدأ الأعداء بضرب فكرة الخلافة الإسلامية الواحدة من أجل تحطيم وحدة المسلمين ولتعميق الاختلاف بينهم لأنهم أدركوا بوضوح أن وحدة المسلمين كانت صمام الأمان لسلامة الصف الإسلامي وبقضائهم على صمام الوحدة بُثت في صفوف المسلمين عوامل التفرقة.

 

أخيرًا نقول: ما أحوج المسلمين ودعاتهم في هذا اليوم للحفاظ على رباط التضامن والأخوة الإسلامية ونبذ نوازع التمزق والتشرذم ليظل صفهم زاخرًا بالعافية يسير على هدي وبينة من ربه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:2).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية