; وراء الجدران؟.. الكويت يريد جيل البناء لا جيل الخنافس | مجلة المجتمع

العنوان وراء الجدران؟.. الكويت يريد جيل البناء لا جيل الخنافس

الكاتب هشام الحسيان

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1971

مشاهدات 94

نشر في العدد 57

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 27-أبريل-1971

العالم دائمًا وأبدًا في سباق مع الحياة، الكل يلهث وراء العلم من أجل الحياة، وراء التقدم من أجل مستقبل أفضل للبشرية جمعاء دون تفرقة بين هذا وذاك، كلهم يحاولون جاهدين التشبث بالركب السائر بسرعة قد لا يتصورها العقل؛ حتى لا يفوتهم الركب، وبالتالي يجدون أنفسهم متخلفين مراحل عديدة عن غيرهم من البشر، كل الشعوب شعوب العالم أجمع تتطلع إلى مستقبلها ومستقبل شعبها وأمتها من أوسع الآمال، ونحن دائمًا ويا للأسف نتراجع نتقهقر إلى الوراء في كل لحظة، بل في كل دقيقة يشدنا الجهل القاتل، ويستهوينا الظلام الدامس الذي لا يكشف شيئًا من حقيقتنا ويطمس معالم حضارتنا وتاريخنا العظيم.

   وكل ما يشغلنا في الحياة هو التفكير الذاتي بأهوائنا ورغباتنا ليس إلا، والتعلق دائمًا وأبدًا بالقشور التي تنزعها الشعوب المتقدمة عن ظهورها، ونبني لها مكانًا فسيحًا في نفوسنا، وننزلها المنزلة العليا في حياتنا دون أن ندرك أو نفكر بأن هذه الأشياء في نظر تلك الشعوب هي في الواقع أتفه من التفاهة، ومع هذا فنحن نتشبث بها بقوة خارقة رغم استهزاء تلك الشعوب بناء على قيامنا بمثل هذه التصرفات، وكأننا نتصور في قرارة أنفسنا أنهم ما استهزءوا إلا غيظًا وحقدًا على ما نحن فيه من راحة ونعيم!! ونزداد تخلفًا باندفاعنا وراء هذا الأسلوب، وهم يتقدمون ويتقدمون، ويمثلون الأماكن الاستراتيجية في كل شيء في العلوم، في الآداب، في الدين، إنهم لا يحيدون قيد أنملة عن مبادئهم الدينية، ويتمسكون بكل حرف جاء فيه، ونراهم مخلصین أوفياء لمبادئهم، ونحن لا نتورع عن التجريح بالكثير من علماء الدين، وحتى أن البعض يتخذ منهم سخرية ومجالًا للتعليق الذي لا منطق ولا عقل فيه، وعلاوة على ذلك نقول لو سُئلنا: إننا مسلمون!!! مسلمون بماذا؟ بشهادة الميلاد التي ورثناها عن آبائنا؟ مسلمون بعاداتنا وتقاليدنا التي انحرفنا عنها إلى أبعد الحدود؟ مسلمون بقيمنا وأخلاقنا التي لا نجد لها أثرًا في نفوسنا، والتي أصبحت في هذه الأيام أثرًا بعد حين؟ إن واقعنا الذي نعيش فيه، واستهزاءنا بكل القيم جعل منا هياكل عظمية، أجسادنا خاوية من الروح البشرية، وأدمغتنا مجوفة لا عقل فيها، فكيف بنا نهتدي إلى الطريق السوي إذا كنا لا نعترف في حياتنا بمثل هذه المبادئ والقيم التي صارت في نظرنا خرافة، بل أسطورة تتناقلها الأجيال والعصور تمامًا كقصص ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة إلى ما هنالك من تلك الحكايات الخيالية.

ما وراء الجدران!!

ولكي نلمس عن كثب ما نتحدث عنه وما يدور حولنا من أشياء من هذا القبيل، أدعوكم إلى زيارتين وكلتاهما اختراق لجدران مدارس البنين ثم مدارس البنات؛ كي نتعرف من خلال هاتين الزيارتين على حياة الجيل الصاعد الذي ستبنى على سواعده نهضة البلاد، ونسلط الضوء على مدى ما وصل إليه هؤلاء من ضآلة في التفكير، وقصر في النظر لأمور الحياة.

الكويت لا يبنى بهؤلاء

أمعنوا النظر معي في الزيارة الأولى لمدارس البنين، دققوا نظراتكم، ماذا ترون من الصور والأشكال؟ إن الإنسان ليخجل فعلًا من نفسه وهو يتطلع إلى مثل هؤلاء الذين لا يبدو عليهم شكل من أشكال الشباب وهيبتهم، الشعور المتدلية الحريرية، والوجه الناعم الذي يتحسسه صاحبه كل لحظة من أعلى الرأس إلى أسفل الرقبة؛ حتى يتأكد من أن وجهه ناعم الملمس، والقميص الزاهي الألوان بقماشه الحريري «وزرايره» الذهبية، والسلسلة الذهبية المتدلية من الرقبة، والبنطلون الضيق الذي يفصل أجزاء جسد هذا الشاب الذي يسمى بالجنس الخشن ورجل الغد، أين الخشونة والجد يا سادة؟!!
والقرآن الكريم يقول: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (سورة الزخرف: 18)
وزِدْ على ذلك الميوعة التي يسير بها ويتحدث بها إلى درجة تثير في النفس الاشمئزاز والسخرية، ومع هذا كله لا أسرة التدريس تحرك ساكنًا، ولا أولياء الأمور يلقنون أبناءهم من أمثال هؤلاء دروسًا لا ينسونها مدى حياتهم، بل إنهم يشجعونهم على ذلك عملًا بمبدأ الحرية والتقدم، أية حرية هذه؟ وأي تقدم هذا الذي لا حياء ولا خجل فيه؟ بل إنهم يتمادون أكثر في تصرفاتهم التي لا حدود لها، وسوف تنعكس تصرفات أمثال هؤلاء السيئة على مجتمعهم الذي كان آمنًا، ولا يُعرف لمثل هذه الأشياء طريقًا سوف يصبح هؤلاء «المتخنفسين» عالة على مجتمعهم النامي الذي يريد مَن يأخذ بيده نحو الأمام لیسایر ركب الدول الأخرى، ولكن من يأخذ بيده؟ هل هم هؤلاء الذين سيقودونه نحو مستقبل أفضل، ويصلون به إلى أعلى المستويات؟
كلا، ثم كلا إنهم يتألمون ولا يطيقون وخز الدبوس الصغير، فكيف بهم يتحملون المشاق والمتاعب من أجل نهضتهم وحضارتهم؟ ولو أردنا اللوم فالمسئولية تقع أولًا وأخيرًا على أولياء الأمور، ومن ثم الدولة والتي تتمثل بوزارة التربية صاحبة الشأن في ميدان التربية والتعليم.

معارض أزياء أم مدارس؟

   وتعالوا بنا إلى الجانب الآخر الذي هو أدهى وأمَرّ، تعالوا بنا نخترق جدار إحدى مدارس البنات كي نرى العجب العجاب، نری أمهات المستقبل فتيات في عمر الورود، وقد حولتهن الحرية التي لا حدود لها إلى أشكال هي أشبه إلى مهرجي السيرك منها إلى طالبات الثانوية والجامعة، التسريحة التي على رأسها أكبر من سنها بكثير بل إنها تقلد فيها ممثلات السينما في تصفيفها وشكلها، والفستان الذي ترتديه إنه بعيد كل البعد عن الزي المدرسي، وإن كان قماشه موحَّدًا بين الطالبات، ولكنه في نفس الوقت قد فُصِّل بشكل يلفت النظر لما هو عليه من قصر فادح وضيق يجعل الأنظار موجهة إلى من ترتديه، ثم استعمال بعض المساحيق حتى تضفي على الشكل رونقًا كما هي تتصور، وتتمخطر على ميوعة وكأنها في قاعة لعرض الأزياء لا في مدرسة تتلقى فيها العلم وتتشبع بروح التربية الحقة، والحبل متروك لهن على الغارب، ولا تجرؤ مدرسة من المدرسات على التحدث مع واحدة منهن أو تنبهها إلى مثل هذه التصرفات؛ فهي تخشى أن تجرحها بلسانها الطويل الذي لا هوادة فيه ولا رحمة، وكأن الطالبة هي المدرسة والمدرسة هي الطالبة! هذا هو الحال الذي يحدث بين أروقة دور التعليم، وعلى مرأى ومسمع من كل الناس، ودور العلم لها في نفوس الآخرين من الإجلال والاحترام الشيء الكثير، فكيف بهؤلاء الشباب والفتيات إذا خرجوا إلى الشارع، ماذا سيفعلون؟ أعتقد أنهم وبلا جدال أو شك أنهم سيطلقون لأنفسهم العنان؛ لإشباع المزيد من أهوائهم ورغباتهم، وتحدي كل شيء يمت إلى قواعد وأصول الأخلاق بصلة، ومن الطبيعي أنهم لن يعيروا كلام الآخرين أي اهتمام، وسوف يوغلون في التمادي بلا مبالاة، وستكون نكسة كبرى ذات يوم في مجال العلم والتعليم إذا لم نتدارك الموقف، ونضع حلًّا جذريًّا لأزمة الأخلاق التي يمر بها مجتمعنا، ولكن من يلبي النداء قبل أن ينهار صرح من صروح مجتمعنا النامي ويضيع مستقبل أجيالنا القادمة إلى الأبد؟

الرابط المختصر :