; وزن المسلمين في النظام العالمي الجديد | مجلة المجتمع

العنوان وزن المسلمين في النظام العالمي الجديد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993

مشاهدات 108

نشر في العدد 1062

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 17-أغسطس-1993

وزن المسلمين في النظام العالمي الجديد

هل بقي للمسلمين وزن فيما يوصف الآن بالنظام العالمي الجديد؟ إن مجرى الأحداث الدامية في البوسنة ثم الجرح القديم المستمر في أرض الإسراء وبقية الجروح في جدار العالم الإسلامي تكاد تؤكد خفة وزن الأمة الإسلامية بين الأمم الأخرى.

وقد بدا مفهومًا أن الغرب في طريقه لإمرار الخطط الغربية لمسح دولة البوسنة من الوجود وإن اختلفت عواصمه على التفاصيل في حين أن أكثر من ٤٠ دولة مسلمة تقف أقل من عاجزة عن مقاومة هذا الواقع الذي يفرض على مسلمي البلقان. وإن من السخرية الآن أن نتذكر ما قطعته الدول الإسلامية من وعود لإنقاذ البوسنة والهرسك لتجاوز القرار الدولي بحظر السلاح عن البوسنة.

وبعد رخص الدم المسلم أصبح العرض المسلم رخيصًا أيضًا، وبعد اعتدائهم على عشرات الآلاف من المسلمات البوسنيات بدأ الصرب بالمتاجرة بالعرض المسلم على شكل أفلام مصورة لجرائم الاغتصاب وجدت لها سوقًا في الدول الغربية، فهل حركت هذه الإهانة عرقًا في الأمة ذات الألف مليون نسمة؟!

وهذه المأساة الصاخبة في البوسنة لا تنسينا أن الأقليات المسلمة في أنحاء مختلفة من العالم تقف عرضة للسحق والاضطهاد دونما اعتبار لهيبة المسلمين أو خوفًا من شكواهم، ففي كشمير ينفذ الهندوس شيئًا شبيهًا بما يجري في البوسنة، وفي الفلبين اضطهاد قديم لمسلمي الجنوب، وبدأت الآن في أوروبا حملة عنصرية ضد المسلمين، واستجابت الحكومات لها بقوانين صارمة للإقامة والعمل تزيد أوضاع المسلمين هناك ضعفًا وفقرًا.

لكن ذروة التعبير عن ضياع الهيبة الإسلامية جاءت من الجنوب اللبناني الذي أمطره اليهود بثلاثين ألف قذيفة وقنبلة في حين انطلقت التصريحات من العواصم العربية المعنية -بالتأكيد- على عدم تأثر المفاوضات بـ«أحداث الجنوب»، وهي المفاوضات التي سيعلن فيها العرب هزيمتهم الكاملة أمام الكيان الصهيوني.

ولعل كل صور الضعف السياسي والعسكري هذه كانت إغراءً للغرب للتوسع في إهانة المسلمين اقتصاديًا ومعنويًا، ففي محاولة نفاقية لادعاء المحافظة على البيئة تسعى أوروبا لضرب الثروة النفطية عند المسلمين بفرض ما يسمى بضريبة الكربون في الوقت الذي تؤكد فيه الدراسات العلمية أن استهلاك الفحم في أوروبا له آثار أسوأ بكثير من استهلاك النفط.

وإعلاميًا يجري استغلال الحدث الإرهابي الغامض في مركز التجارة الدولي لتعميم صفات الإرهاب والتخريب على الفكرة الإسلامية برمتها، ولعل أحداثًا أخرى في الماضي ساعدت على تدعيم سياسة إعلامية قديمة في الغرب في اختيار أسوأ ما في المسلمين وتضخيمه وتعميمه لوصم الأمة برمتها بقبائح ترتكبها أقلية جاهلة.

وإذا كان الموقف الغربي المعادي للمسلمين أمرًا مفهومًا على ضوء الصراع الحضاري القديم فإن غير المفهوم هو ركاكة وضعف الموقف الإسلامي برغم الإمكانات البشرية والاقتصادية الهائلة. وبدلًا من نظام إسلامي موحد يواجه النظام الذي فرضته القوى الغربية عالميًا ينقسم المسلمون إلى أنظمة متناثرة على امتداد رقعتهم الجغرافية، وبعض الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي معادية بطبيعتها للفكرة الإسلامية، وبعضها أنظمة إرهابية تدمر ما حولها.

إن معالجة هذا الضعف الإسلامي العام تبدأ من الفرد المسلم وذلك بمعالجة الفراغ الروحي الذي يعاني منه وبتجديد الفكرة الإسلامية في نفسه وتوثيق العقيدة الصحيحة وتأكيد الهوية.

ولن يتيسر للمسلمين استعادة الوحدة المعنوية والتماسك السياسي والاقتصادي قبل تجاوز هذه العقبة في الفرد المسلم والانطلاق منها إلى تحقيق قيم الإسلام الحضارية على مستوى المجتمع والدولة وإحداث الإصلاحات السياسية وغيرها اللازمة لتحقيق كيانات ودول قوية تدعم النظام الإسلامي العام وتقويه.

لقد قدمت الأحداث الكبرى الأخيرة لسقوط الشيوعية وانهيار الاستعمار السوفيتي فرصًا جديدة للمسلمين للانطلاق بهويتهم إلى مستوى جديد من الوجود العالمي لكن هذه الفرص لم تستغل حتى الآن. وقدمت أحداث البوسنة- على بؤسها- فرصة للمسلمين لتحقيق موقف إسلامي بمواجهة الموقف الغربي اللئيم لكن هذا لم يحدث أيضًا، وإن كانت الفرصة لا تزال قائمة لأن تحقق القضية البوسنية روح التماسك الإسلامي أمام الصليبية الغربية.

إن حالة الضعف الإسلامي في عالم اليوم ليست ثابتة فهي تسوء باستمرار التخاذل والتفرق، وتتحسن مع كل موقف شجاع وصحيح تحققه دولة إسلامية في سبيل قضايا المسلمين، وإن التاريخ سيسجل بدقة وأمانة من أساءوا للقضية الإسلامية ومن بذلوا الجهود والتضحيات من أجلها.


اقرأ أيضًا:

مدى سكوت قادة المسلمين على أحداث البلقان

الرابط المختصر :