العنوان وسائل التواصل الاجتماعي.. سلاح جديد بيد الشباب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-2018
مشاهدات 57
نشر في العدد 2119
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 01-مايو-2018
ملف فرعي
شباب وإعلاميون وحقوقيون لـ»المجتمع»:
فنان تونسي: مواقع التواصل هي وسائل إعلام شعبية انتصرت على ترسانة الإعلام التي يمتلكها المستبدون ورؤوس الأموال
باحثة تونسية: مواقع التواصل الاجتماعي نجحت في «دمقرطة» المعلومة وكشف جميع أشكال الاستبداد وآثاره
إعلامي مصري: المخابرات العالمية تستغلها في تخريب العقول كـ»داعش» والأخلاق كترويج دعارة «السوشيال ميديا»
حقوقي مصري: القمع الأمني جعل الاستخدام السياسي لوسائل التواصل الأكثر بين المجالات الأخرى
ناشط سوري: مواقع التواصل كان لها دور مهم في التأثير على أحداث الغوطة الشرقية
أكاديمي فلسطيني: مواقع التواصل باتت المصدر الأساس للكثير من الأحداث في المجتمعات
إعلامي فلسطيني: إدارة «فيسبوك» أغلقت صفحات الكثير من النشطاء الفلسطينيين لأنهم يفضحون جرائم الاحتلال!
ناشط أردني: على المجتمعات الالتفات إلى هذا التغير الكوني وأخذه معياراً رئيساً في هندسة السياسات العامة
خبير إعلامي: لم يعد يجدي مع وسائل التواصل السؤال الفضفاض الذي يسأل عن تأثيرها سلبياً وإيجابياً
بعض من يحظون بشهرة واسعة على وسائل التواصل قد يحدث لهم تضخم في الشخصية
تحقيق: عبد الباقي خليفة (تونس) - براء ماجد (مصر) - عمار حمو (سورية) - مها العواودة (فلسطين) - سيف باكير (الأردن) - محمد سرحان (تركيا)
الشباب هم الفئة الأكثر تفاعلاً مع كل ما هو جديد؛ نظراً لما تتسم به مرحلتهم العمرية من حب التطلع والمعرفة، فضلاً عن روح المغامرة والمخاطرة.
وفي هذا السياق، تأتي وسائل التواصل الاجتماعي التي تعد وسيلة جديدة لعالم جديد ومتغير كل لحظة، لتُوجد تحدياً من التحديات العصرية التي تواجه الشباب؛ فإما أن يطوّعها الشباب، وإما أن تطوّع هي الشباب؛ فالعلاقة تفاعلية في الاتجاهين (التأثير والتأثر)، وتأثير هذه الوسائل المجتمعية أكثر من أن تحصى مظاهره هنا، لكن نشير منها إلى تفاعلات «الربيع العربي» الذي ما زالت ارتداداته مستمرة في أكثر من دولة؛ حيث كانت هذه الوسائل أحد مفجرات هذه الثورات.
في التحقيق التالي، سعت «المجتمع» إلى استطلاع آراء بعض الشباب والمختصين حول وسائل التواصل الاجتماعي والشباب، في بعض الدول المختلفة، مع التركيز على بعض دول «الربيع العربي».
تونس.. الثورة تنزلت من «فيسبوك» إلى الأرض:
البداية كانت من تونس التي قادت قاطرة ثورات «الربيع العربي»؛ حيث ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي -ولا سيما «فيسبوك»، الأكثر استخداماً في تونس- في نجاح ثورة 17 ديسمبر، وكان إحدى أهم وسائل التواصل بين شباب الثورة، ونقل الأخبار، حتى قيل: إن الثورة اندلعت في «فيسبوك» قبل أن تتنزّل في الواقع الموضوعي.
ولا يزال «فيسبوك» يؤدي دوره بعد الثورة، ويدفع المناضلون على مواقع التواصل الاجتماعي فاتورة التعبير الحر عن الرأي، لا سيما بعد انتخابات عام 2014م وما أفرزته من عودة قوية لبعض رموز النظام السابق، الذين احتلوا مواقع متقدمة في السلطة منها رئاسة الدولة، ورئاسة الحكومة، ورئاسة البرلمان.
وباستطلاع إحدى المشاركات في ثورة الياسمين، تؤكد لمياء الماجري، وهي مدونة شاركت في الثورة عبر «فيسبوك» وفي الميدان، لـ»المجتمع»، أن هناك من يريد أن يقلل من أهمية وسائل الاتصال الجماهيرية أو ما يعرف بمواقع التواصل الاجتماعي، ويحاولون تمرير تلك المغالطة تحت أسماء براقة، كالدراسات التي يضعها موظفون يعملون وفق مواصفات تطلب منهم، وليس وفق أسس علمية صحيحة.
وتابعت: يمكن أن ندلل على ذلك بما جرى قبل الثورة الإلكترونية من انتفاضات وثورات لم يتسن لها البروز إعلامياً، ولم تكن لها أعين وآذان كالكاميرا والمسجل والصورة؛ وهو ما يعني التلفاز والمذياع والصحيفة، وكان ذلك من أسباب إخمادها، وضربها دون تداعيات وارتدادات، وبعضها له مفعول سريع، والآخر يختمر ليعطي ثمره عبر الزمن.
أما الناشطة فاطمة تويي فتقول: أدوات التواصل الاجتماعي الإلكترونية مثل «فيسبوك» و»تويتر» وغيرهما مكنت الشعوب والثورات والمناضلين من سلاح جديد وأداة جديدة، أوصلت منسوب الغضب والثورة إلى نصاب التغيير، وهذا ما حصل، وتابعت: الدولة العميقة لها مشكلة مع المدونين، وتحاول الانتقام منهم بعد الثورة.
الفنان القدير بلقاسم البريكي، وهو من أوائل من أدخلوا النشاط الفني لمواقع التواصل الاجتماعي في تونس، حيث يعرض أعماله «ألوان منشو» على «فيسبوك»، أكد لـ»المجتمع» أن المستبدين ومن تلعب برؤوسهم سكرات الخوف مرتعبون من وسائل التواصل الاجتماعي، وما تتيحه من حرية تعبير، فهي بحق وسائل إعلام شعبية انتصرت على ترسانة الإعلام التي يمتلكها المستبدون ورؤوس الأموال.
وأردف: لقد قتلوا الكثير من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، ونحن نتذكر باستمرار الشهيد زهير اليحياوي، الذي ألهبت دماؤه الشارع التونسي، وكانت وقوداً قدسياً للثورة، ثم بحثهم باستمرار عن كيفية إغلاق المواقع، وتجريم حرية التعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واعتقال عدد آخر من الناشطين على هذه المواقع كالدكتور الصحبي العمري، ومضايقة آخرين مثل ماهر زيد، وآخرين، وسرقة حسابات الناشطين، ووضع فيديوهات وصور غير لائقة فيها، أو إرسالها إلى أصدقائهم باسمهم، وغير ذلك من ممارسات الانحطاط الذي يمارسه المنحطون والوضيعون.
اختراق جدران التعتيم
الباحثة في الاقتصاد الاجتماعي والإعلام جنات بن عبدالله، قالت لـ»المجتمع»: مما لا شك فيه أن شبكات التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في الثورة من خلال قدرتها الفائقة على اختراق جدران وأسوار التعتيم والصمت والتضليل الإعلامي الرسمي، وهي الصفة اللازمة لكل نظام استبدادي دكتاتوري.
وواصلت حديثها: بفعل هذه الشبكات أصبح بإمكان المعلومة أن تنشر في حينها، وهو ما ساهم في إنجاح الثورة، واستطردت: ليس كل ما ينشر له مصداقية؛ فالمعلومة ليست دائماً صحيحة، وهو ما نود الحرص على ذكره.
وتابعت: الاستبداد نجح في احتكار وسائل الإعلام التقليدية سواء بالقانون أو الفراغ القانوني، لكن مواقع التواصل نجحت في “دمقرطة” المعلومة، ونجحت في كشف جميع أشكال الاستبداد وآثاره وتداعياته، ورفعت بذلك الأقنعة عن الأنظمة المكيافيلية، وأسقطت مقولاتها المتعددة، ونجحت مواقع التواصل في رفع الغطاء عن حقائق حرص الاستبداد متعدد الأوجه على حجبها.
مصر.. الوعي يواجه السلبيات:
أما المحطة الثانية لثورات «الربيع العربي» فكانت جمهورية مصر العربية؛ حيث اتفق نشطاء على أن الشباب المصري كما استفاد من إيجابيات مواقع التواصل في الحراك الاجتماعي والسياسي ومقاومة البطالة، سقط في براثن سلبياته سواء في العنف أو الأعمال المنافية للأخلاق، مشيرين إلى أهمية تواصل التوعية ونشر الوعي بمحاسن التواصل وتعظيمها.
حيث يرى الإعلامي الشاب أدهم حسانين أن لمواقع التواصل الاجتماعي تأثيرات متباينة، أفضلها ما كان مع بداية التأثير الفعلي مع هبات الثورات العربية بداية من تونس إلى مصر واليمن وليبيا وسورية، ونقل أحداثها إلى الشريحة العريضة من الجمهور المسيطر عليه الشباب، ولحقه الباقي من الفئات العمرية.
ويشير إلى أن التأثير الإيجابي في «السوشيال ميديا» هو خلق نوع من التفاعل مع الأحداث، وسرعة تداول المعلومات، وتطبيق مقولة: «إن العالم أصبح قرية صغيرة»، وخلق علاقات اجتماعية.
وأضاف أن إحدى الإيجابيات قياس الرأي العام، والتفاعل مع هموم الوطن، أما على المستوى الإعلاني فيرى أن «السوشيال ميديا» وضعت أقدامها على قمة التسويق الإلكتروني من حيث الوصول لشرائح عالية من الناس.
أما عن وسائل التواصل والشباب، فإن الشباب -بحسب حسانين- يدينون لـ»السوشيال ميديا» بنقل أفكارهم وحراكهم إلى العالم في الثورات العربية التي غيرت تاريخ وجه العالم العربي، وأصبحت وسائل التواصل منصات للوصول لشرائح جماهيرية مختلفة.
وعن الاستخدام السلبي، فيؤكد أنه يتمثل بتوجيه المخابرات العالمية للشباب في مشروع تخريب العقول أمثال «داعش»، الذي يرى أنه صناعة مخابراتية، بالإضافة إلى تخريب الأخلاق من ترويج دعارة «السوشيال ميديا» وغيرها من الأمور المماثلة.
أما الحقوقي المصري الشاب علاء عبدالمنصف، فمن جانبه يقول: تبقى لكل مرحلة زمنية أدواتها، التي تُجبر الجميع على استخدامها، هذا هو حال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، التي ظهرت في القرن الحادي والعشرين نتيجة التطور التكنولوجي، وحاجة المجتمع لطرق جديدة للتواصل بها، وأصبح «العالم قرية صغير».
عبدالمنصف يرى أن تنوع الاستخدامات لوسائل التواصل جاء مع تطورها؛ فمنها الاجتماعي والرياضي والثقافي، ومنها أيضاً السياسي، الذي أصبح المحطة الرئيسة لكثير من بلدان الشرق الأوسط، وخصوصاً بلدان «الربيع العربي» ولشباب مصر، وأصبح الاستخدام السياسي المحطة الأكثر استخداماً من شريحة الشباب في هذه البلدان، ولعل اتساع الاستخدام لتلك الشريحة كان بسبب ضيق الأفق السياسي في الدول العربية، وحالة القمع الأمني التي تُصاحب من يستخدم حقه في التعبير عن رأيه بكامل إرادته.
ويؤكد الحقوقي الشاب، الذي يستخدم مواقع التواصل في عمله الحقوقي بالمنظمة السويسرية لحماية حقوق الإنسان كبديل لتعتيم السلطات المصرية على عملهم؛ أن اتجاه الشباب إلى وسائل التواصل باعتبارها منفذاً لهم للتعبير عن آرائهم بطرق أكثر حرية؛ كان نتاج محاولات الاستخدام الجيد لها، وأكبر مثال على ذلك ثورات «الربيع العربي»، التي انطلقت من وسائل التواصل الاجتماعي، تعبيراً عن رفض حالة القمع السياسي، وما يُصاحبه من انتهاكات الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
سلاح ذو حدين
من الأمور التي اتفق عليها معظم من التقيناهم -رغم تباين دولهم وبيئاتهم- أن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين؛ أحدهما إيجابي والآخر سلبي؛ وفي السياق يشير عبدالمنصف إلى أن لكل أداة جانبين، جانباً إيجابياً وآخر سلبياً؛ فقد استخدمت وسائل التواصل لإحداث شرخ مجتمعي كبير بين شرائح المجتمع الواحد، كما حدث في مصر خاصة بين جيل الشباب والكبار من جهة، والسلطات من جهة ثانية، قائلاً: مهما كان، سيظل الحوار المباشر أكثر نجاعة في توصيل وجهات النظر بشكل صحيح، دون تأويلات متعددة تمنع من حدوث التفاوت الفكري بين الاتجاهات المختلفة، ناهيك عن تعمد استخدام الأنظمة القمعية لوسائل التواصل كأداة لتفريق المجتمع وتشتيته، وفي هذا المقام كلام كثير يطول شرحه.
وفي هذا السياق، ترى الناشطة المصرية آية حسني أن التواصل الاجتماعي أحياناً يكون منصات للأعمال غير القانونية التي يصعب تواجدها على أمر الواقع؛ وبالتالي تكون مواقع التواصل فرصة للهروب من الرقابة والقانون؛ وهو ما يسقط فيه كثير من الشباب كالتجنيد في الجماعات الإرهابية وعصابات المخدرات والدعارة، لكن ترى أن الشباب نجح في تعظيم محاسن التواصل الاجتماعي عن طريق اعتبارها نافذة للتعارف والمعرفة، بحيث بات الشباب أكثر انفتاحاً على الثقافات والأفكار بطريقة تخلق نوعاً من الحراك الاجتماعي والسياسي.
وتضيف حسني أن وسائل التواصل تمكنت من ممارسة دور المحرك في الأحداث السياسية والاجتماعية، كما حدث في الثورات، وهو ما دفع بعض الحكومات إلى فرض قيود عليها لتحجيم مساحات الحرية التي غالباً تكشف الكثير من أخطائها.
سورية.. حل لكثير من مشكلاتنا:
أما الثورة السورية التي لا يزال فتيلها ملتهباً؛ فلم تكن بعيدة عن هذا الأمر؛ حيث تؤدي وسائل التواصل دوراً مهماً فيها؛ فتقول لارا شاهين، ناشطة سورية في الأردن، ومديرة منظمة تهتم بتشغيل الأيدي العاملة السورية: وسائل التواصل أوجدت حلاً لكثير من مشكلاتنا نحن السوريين في التواصل بين الداخل والخارج السوري، كما أنها ساهمت بشكل كبير في توصيل صوت الناس.
وتضيف: من ناحية أخرى، نحن -نساء سورية في دول الجوار- كنا نعاني من صعوبات عدة، من حيث الوصول إلى المشافي والمراكز التعليمية والصحية، والمراكز التي تساعد الأيتام، فسهلت مواقع التواصل الوصول السريع لهذه المراكز والمنظمات، وبدون هذه الوسائل كنا سنضطر إلى أن ننتقل من مكان إلى آخر عبر المواصلات العامة بحثاً عن مركز أو جهة ما، أما الآن فمن بيتك تتابع وتعرف النشاطات والفعاليات، وبإمكانك أن تحدد ماذا تريد ومع من تريد التواصل.
وتستطرد الناشطة السورية: على صعيد شخصي، تمكنتُ من خلال وسائل التواصل من الوصول إلى كل الناس المهتمة بالمشاريع الإنتاجية؛ فمن خلالها تمكنت من تسويق منتجي، والتواصل مع الناس خارج الأردن لبيع المنتج، وفي المقابل وصل أعداد كبيرة من المهتمين بمشروعي من خلال صفحات «فيسبوك» و»تويتر» و»تيليجرام»؛ فعلى سبيل المثال، الناس الذين يبحثون عن منظمة توظف أيدي عاملة سورية في الأردن بإمكانهم بسهولة الوصول إلى منظمتي عبر التواصل الاجتماعي.
أما فراس المرحوم (27 عاماً)، من مدينة دوما في الغوطة الشرقية ومقيم فيها، وهو مدير مكتب هيئة الإغاثة الإنسانية الدولية (IHR) في الغوطة الشرقية، فيضيف: في التجربة السورية وتحديداً الغوطة الشرقية، وعلى صعيد شخصي، فإن مواقع التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم جداً في التأثير على أحداث ومجريات الغوطة الشرقية؛ فكان نقل الحدث في لحظته لأكبر شريحة ممكنة من الأهالي خصوصاً فيما يتعلق بالقصف؛ مما يعني أنه تخفيف للأخطار لدى الأهالي بناء على معرفتهم بما يجري، كما أنه في أثناء وقت القصف وقلة الحركة النسبية في الغوطة تكون المنصات الافتراضية هي البديل عن المنصات الواقعية في التسويق للمنتجات، وتنفيذ العديد من المهام اليومية، وإيجاد فرص عمل افتراضية في ظل نسبة بطالة تجاوزت 80%.
ويضيف أيضاً أنه في القطاع التعليمي أتاحت وسائل التواصل فرصة للتعلم في الجامعات حول العالم عبر نظام التعليم الافتراضي؛ مما أمّن فرصة متابعة التعليم لمئات الشباب رغم الظروف القاسية لديهم فضلاً عن الحصار.
فلسطين.. ركيزة التفاعل بين الشباب:
وقريباً من دول «الربيع العربي»، يأتي الفلسطينيون الذين يعانون من الاحتلال الصهيوني وتأثيراته السلبية على المجتمع كله، خاصة الشباب؛ حيث تعد وسائل التواصل ركيزة مهمة للتفاعل بين أفراد المجتمع، خاصة شريحة الشباب.
وفي هذا السياق، يقول محمد سالم، أستاذ الإعلام في جامعات غزة: مواقع التواصل الاجتماعي باتت ركيزة التواصل الأولى بين كافة فئات المجتمع؛ بل إنها أضحت المحرك الأساس لكل الظواهر والعادات والتقاليد الموجودة من خلال ظهور هذه المواقع التي فتحت فضاء واسعاً عند الشباب بشكل عام، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن مواقع التواصل باتت المصدر الأساس للكثير من العادات والأحداث في المجتمعات.
وأضاف: أصبحت مواقع التواصل منصة مهمة لتقديم التهاني والتعازي، ودعوات حضور الأفراح، بل لا يمكن أن نبالغ أنها طورت صحافة الخدمات بشكل كبير وغير متوقع.
لكنه أشار إلى أن من أهم سلبياتها التهويل في الأخبار، وعدم وجود رقيب على عملية النشر؛ بما تجعل من المصداقية المطلقة محل شك كبير، وكذلك تعد منبراً لانتشار الإشاعات وإثارة المشكلات.
مصدر للحرب النفسية
بدوره، قال الناشط والإعلامي الفلسطيني مثنى النجار: مواقع التواصل تؤدي دوراً نضالياً خاصة في القضية الفلسطينية، لذلك فهناك آلاف الناشطين -خاصة من الشباب- يجندون مواقع التواصل من أجل فضح ممارسات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته.
وفي هذا السياق، يشير إلى أن إدارة «فيسبوك» أغلقت صفحات الكثير من النشطاء الفلسطينيين لا لسبب غير أنهم يفضحون الاحتلال على جرائمه.
وحول سلبيات وسائل التواصل، يرى الناشط السياسي أسامة مرتجى أنها أصبحت للأسف مع قلة الوعي مصدراً للحرب النفسية والدعاية الكاذبة؛ مما قد ينشر البلبلة في المجتمع، وأشار مرتجى إلى أن من أهم سلبيات مواقع التواصل انعدام الرقابة عليها، وكذلك سوء استخدام الشباب لهذه الوسائل، ويضاف إلى ذلك أن الاحتلال الصهيوني يستغل هذه المواقع لتحقيق أهداف متعددة من المجتمع الفلسطيني، مستشهداً بأن الاحتلال ينشر صفحات خاصة به على مواقع التواصل تدعو الشباب الفلسطيني للتطبيع، وتجميل صورة الاحتلال.
الأردن.. الشباب عنصر تغيير مؤثر:
ومن الجوار الفلسطيني إلى الأردن؛ حيث أشار بعض الناشطين في حديثهم مع «المجتمع» إلى أن الشباب استطاع أن يبرهن للعالم استثماره لشبكات التواصل الاجتماعي للتعبير عن آرائه ومواقفه السياسية والاجتماعية لمجريات الأحداث، وتوظيف تلك الشبكات الإلكترونية للتعبير عن ذواته وإنجازاته ومبادراته؛ فكانت تلك الشبكات التواصلية نقطة انطلاق وتحول لمستقبل الكثيرين منهم نحو الأفضل.
وفي هذا السياق، يقول أحمد العكايلة، مهندس مدني: هذه الطفرة الديموجرافية تتسلح بقيم تحررية وتتحالف مع الثورة التكنولوجية التي توفر للشباب فرصاً للتعبير عن قيمهم ومطالبهم خارج قدرة السلطة الأبوية بشقيها السياسي والاجتماعي»على ضبطها، موضحاً أن الشباب من خلال وسائل التواصل قادرون على إيجاد حواضن جديدة تتمتع بسيولة الحركة والمرونة، وهو ما يفرض على المجتمعات والدول ضرورة الالتفات إلى هذا التغير الكوني ومراعاته، بل وأخذه كمعيار رئيس في صياغة وهندسة السياسات العامة.
ويرى أحمد سمارة، يعمل في مجال ريادة الأعمال، أن التطور التكنولوجي كان له الأثر البالغ على الشباب اليوم، مبيناً أن سهولة الحصول على المعلومة والتواصل بين الأفراد، وبناء العلاقات؛ ساهما في نشأة صفات ومظاهر مجتمعية بارزة، من أهمها التمرد على السائد والقديم، ووجود فجوة بين جيل الآباء والأبناء، وعلاقات مجتمعية واسعة تمتاز بأنها سطحية وضعيفة الترابط، وارتفاع مستوى الوعي والانخراط في العمل المجتمعي، وكثرة المبادرات والمشاريع الشبابية المجتمعية -غير السياسية- بالذات بين طلاب الجامعات، ومن أهم تجلياتها الجمعيات والندوات ومجموعات القراءة.
ودعا الكاتب عمر نمر، أردني مقيم في السعودية، إلى ضرورة العمل على توعية الأفراد والجماهير بالتعاطي السليم مع تلك الوسائل لاكتساب ما وفرته من إيجابيات وتجنب أو تقليل الآثار السلبية، خاصة أن كثرة المعلومات والبيانات وسرعة تواردها على الفرد، لا تمنحه فرصة التحقق منها، فيصبح عرضة لقبول الشائعات والخزعبلات والأخبار الكاذبة، بل وقد يتعدى ذلك ليعمل على نشرها والترويج لها دون إدراك لحقيقتها، والوقوع في وحل الشكوك المتعلقة بالوجوديات، وأساليب الحياة ونظم العلاقات بين البشر
تجارب ومبادرات
هناك بعض المبادرات والتجارب التي وظفت وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق أهدافها؛ حيث تقول الإعلامية الأردنية في قناة «اليرموك» سلام فريتخ لـ»المجتمع»: الإعلام الاجتماعي غيّر طريقة التواصل الجماهيري، فأصبح الشاب قادراً على إيصال رسالته إلى العالم من بيته عبر «أنستجرام» أو «سناب تشات»، وأصبح بإمكانه مشاركة يومياته وقصصه ومبادراته إلى الناس؛ فبذلك يسهم في صناعة المحتوى المؤثر والإيجابي، وهذا ما يسمى بالعدوى الإلكترونية الإيجابية.
وقالت: الشباب العربي عموماً والشباب الأردني خاصة قدموا نماذج مشرفة من المبادرات المجتمعية التي قاموا بالترويج لها عن طريق “السوشيال ميديا” التي لولا ذلك ما سمعنا عنها، وما استطعنا التسليط الإعلامي عليها؛ مثل: مبادرة فريق “نسمة خير” الشبابية التي تهتم بتقديم جميع أنواع الدعم المعنوي والمادي للأيتام ومرضى السرطان وذوي الاحتياجات الخاصة من خلال أنشطة وفعاليات مميزة، وفريق “نعنع أخضر” الذي يضم العديد من المواهب الشابة، مثل الرسم والحرف اليدوية للمشاركة في العديد من الفعاليات، وهو فريق شبابي تطوعي خيري يذهب جزء من أرباحه لكفالة الأيتام، وكذلك مبادرة “وطن للتعليم” التي تستهدف فئة الشباب غير القادرين على دفع الأقساط الجامعية كنوع من أنواع التكافل المجتمعي.
خبير إعلامي: نحتاج لترشيد سبل التعامل:
بما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أمراً واقعاً في الحياة اليومية، وهي شأنها شأن كل الصناعات، لها إيجابيات وأيضاً سلبيات؛ فلم يعد يجدي معها السؤال العام والفضفاض الذي يسأل عن تأثيرات وسائل التواصل سلبياً وإيجابياً، وإنما لا بد أن يدور النقاش في سياق كيفية الاستفادة من إيجابيات هذه التطبيقات وتنميتها، والحد من تأثيراتها السلبية على الإنسان والمجتمع، فهي أصبحت واقعاً يومياً معيشاً، ولسنا في طور كونها رفاهية يمكن الاستغناء عنها أو الفكاك منها.
وحول كيفية الاستفادة من إيجابيات هذه التطبيقات وتنميتها، والحد من تأثيراتها السلبية على الإنسان والمجتمع، يشير الخبير الإعلامي حسام شاكر، المقيم في بروكسل، إلى أن ذات السؤال تم طرحه من قبل مع بدايات ظهور التلفزيون؛ هل هو سلبي أم إيجابي؟ لكنه فرض نفسه فيما بعد، وهذا هو ما حدث مع وسائل التواصل التي فرضت نفسها، وإن كان يمكن للشخص أن يختار إن استطاع التخلي عنها، لكن المجتمعات لا تستطيع، وبالتالي لا بد من المقاربة للحد من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي وتنمية ما هو إيجابي، وهنا نحتاج إلى ترشيد سبل التعامل مع هذه التطبيقات.
ويضيف شاكر لمراسل «المجتمع» بتركيا: بالطبع هناك تأثيرات على المستوى الفردي والشرائح العمرية ومستوى المجتمعات، فمثلاً الشباب دون العشرين هناك إشكال يتعلق باعتبار أن المتابعة والإعجابات ومشاركة المنشورات تعد مؤشراً على قبول للشخص؛ وبالتالي يصبح السعي وراء الإعجابات والمتابعة حاجة متأصلة لدى الشخص، وفي حال نشر مادة لم تحظَ بقدر كافٍ من الإعجابات يترتب عليها خضوعه لضغط نفسي وحالة من الأسئلة الوجودية، ويرى أنه أصبح غير مرغوب اجتماعياً، ولعل هذا مرده إلى أن نمط التفاعل في وسائل التواصل الاجتماعي مؤشر على القبول والتقدير العام وتلبي حاجة التعطش إلى الثناء المجتمعي، كما أن بعض من يحظون بشهرة واسعة على وسائل التواصل قد يحدث لهم تضخم في الشخصية.
وحول تأثيرها على المجتمع يقول شاكر: أصبح داخل الأسرة الواحدة مجتمعات عدة بحسب عدد الأجهزة والحسابات العاملة في مواقع التواصل الاجتماعي بين أفراد هذه الأسرة، وهنا أصبح الاجتماع الوجودي والمكاني لأفراد الأسرة الواحدة لا يعني اجتماعاً وجدانياً، فبالرغم من الاجتماع المكاني فإنه أصبح هناك افتراق وجداني، وهذا إشكال أصبح يمس كل أفراد الأسرة، وأصبحت هذه الأسرة موزعة بحسب عدد التطبيقات والحسابات، ولعل خياراً من خيارات التغلب على سلبيات تشتيت الأسرة هو البحث عن اهتمامات مشتركة بين أفراد الأسرة الواحدة على مواقع التواصل ولو جزئياً.
ويشير الخبير الإعلامي إلى أن وسائل التواصل والنقلة التقنية والتكنولوجية التي حصلت بعد عام 1995م، صنعت فجوة معرفية كبيرة في تاريخ البشر، والأجيال الجديدة هذه التي تستخدم شبكات التواصل والتطبيقات بداية يصعب عليها تخيل العالم بغير وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه الفجوة تؤدي إلى تبعات، منها مثلاً الفجوة المعرفية العكسية، فأصبحت الأجيال الجديدة والناشئة لديهم معرفة أكثر من آبائهم وأمهاتهم في مجالات متعددة، وهو ما يمكن تشبيهه بالقول: أصبحت هناك سلطة ما للجيل الصاعد.