العنوان وسائل الإعلام.. والدّعوة الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1987
مشاهدات 105
نشر في العدد 800
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 13-يناير-1987
- وسائل الإعلام هي سحر العصر الحديث أو الشيطان الذي لو لم يكبح جماحه فإنه يدمر كل شيء.
- وسائل الإعلام الغربية غربت المجتمعات الإسلامية والعربية في العادات والتقاليد والثقافة والأخلاق.
- د. محمد متولي:- لا بد للإسلاميين أن تكون لهم محطات إذاعة وتلفزيون ومسرح وسينما لتوجيه الشعوب الإسلامية.
- د. عيسى زكي: - مسألة تحريم الموسيقى أو إباحتها بضوابط تحتاج إلى بحث فقهي أعمق وأوسع.
- د. مصلح بيومي:- علينا أن نستعين بالمراكز الإسلامية في الغرب للقيام بعملية الإشراف على شبابنا الذين يتعلمون هناك فنون الإعلام.
الدور الكبير الذي تقوم به وسائل الإعلام المختلفة على كافة المستويات شغل ذهنية كثير من الدعاة الذين يطرحون اليوم على الفقهاء أسئلة تتعلق باستخدام وسائل الإعلام المختلفة في المجالات الدعوية من الصحافة والإذاعة والتلفزيون إلى السينما والفيديو وغير ذلك من وسائل الإعلام المستحدثة.
ولأهمية هذا الموضوع وحساسيته دعت المجتمع إلى منتدى حول موضوع الوسائل الإعلامية ودورها في الدعوة الإسلامية، وكانت حصيلة المنتدى حلقتين.
الأولى: وهي التي ننشرها في هذا العدد وموضوعها «وسائل الإعلام وشرعية استخدامها في الدعوة الإسلامية» وقد اشترك في الجزء الأول من هذا المنتدى مع أسرة تحرير المجتمع كل من الأساتذة الأفاضل: د. مصلح بيومي بروفيسور في كلية الشريعة بجامعة الكويت وعميد سابق لكلية الشريعة في دولة قطر، ود. محمد متولي: دكتور في كلية الشريعة بجامعة الكويت وهو متخصص في الدعوة والاعلام، ود. عيسى زكي: وهو باحث في الموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت.
أما جزء المنتدى الثاني والذي ستنشره في العدد القادم إن شاء الله فهو مناقشة حول السؤال التالي: كيف تخدم وسائل الإعلام المختلفة الدعوة الإسلامية؟
والآن أخي القارئ مع أسئلة الجزء الأول من المنتدى:
- ما دور وسائل الإعلام المعاصرة كالسينما والتلفزيون والإذاعة والصحافة والرواية المكتوبة وما صحة الرأي القائل بان هذه الوسائل الإعلامية أثرًا كبيرًا في عملية التغريب وتغيير المفاهيم الإسلامية؟
د. مصلح بيومي: هناك في الواقع عدة تعريفات للإعلام لا مجال هنا لذكرها ولكن تجدر الإشارة إلى أن هذه التعريفات تدور حول عملية نشر الحقائق والأخبار الصادقة بطريقة موضوعية أمينة. أما دور وسائل الإعلام في أي مجتمع من المجتمعات فهو دور الإعلام نفسه وإذا نظرنا إلى دور وسائل الإعلام في هذا العصر، بجميع أنواعها سواء السينما، أو التلفزيون، أو الإذاعة، أو الكتب، أو أي وسيلة أخرى نجد أن الهدف منها يدور حول أمرين أولهما ترويج المذاهب والمبادئ المختلفة وثانيهما هو محاولة التأثير على سلوك الناس في المجتمع. فإذا كان الإعلام غير إسلامي حاول ترويج مذاهب مخالفة للإسلام من شيوعية ورأسمالية وصهيونية وعلمانية، ومن ينظر إلى وسائل الإعلام على مستوى العالم في العصر الحاضر يجد أنها فعلًا تخدم مذاهب تحارب الإسلام وتروج لمبادئ تجارب المجتمع الإنساني الذي يريد أن يسعد في حياته ويؤثر على سلوك الناس، وللأسف نجد أن إعلامنا العربي يدور في فلك الإعلام العالمي لتحقيق نفس الأهداف والدليل على ذلك كثير ومنه المقال الذي نشرته مجلة التايم الأمريكية حول مذكرات الرئيس الأمريكي السابق كارتر والذي صرح فيه كارتر أنه يخاف على إسرائيل من قيام ثورة إسلامية في فلسطين هذا المقال نشر في التايم الأمريكية في 24/5/1982 ونشر المقال بعد ذلك مترجمًا إلى العربية في مجلة الوطن العربي بتاريخ 28/5/1982 وكانت كلمة «إسلامية» محذوفة من المقال، وهذا دليل على إن ذلك الإعلام يؤدي دورًا غير إسلامي.
د. محمد متولي: إذا أردنا أن نعرف الإعلام كعلم سواء من وجهة نظر الغربيين الذين كتبوه كعلم أو وجهة نظر أبناء الحركة الإسلامية الذين درسوه كعلم سوف نجد أن الإعلام كعلم لا غبار عليه ولا دركنا أن تعلم الإعلام كعلم واجب علينا كما نتعلم العلوم الإسلامية لأن الإعلام كعلم لم يصل إلينا إلا من خلال دراسات سلخت من عمر الإنسان ما لا يقل عن ٢٠٠ سنة فجريدة التايم مثلًا أنشئت منذ عام ۱۷۸۸ ولو تتبعنا ما يسمونه بأغراض الإعلام لوجدنا أنها أغراض عديدة منها نقل الأخبار ونقدها وتتبعها وتحليلها كل ذلك في وظيفة واحدة من وظائف الإعلام ومن تلك الأغراض الترويج للبضائع والمنتجات الموجودة في المجتمع ومنها الامتاع والتسلية ومنها أيضًا القيام بمهمة التربية الاجتماعية بكل ما في المجتمع من تشابكات اجتماعية واقتصادية ونفسية أو شرعية، كما يقوم الإعلام بوظيفة الحارس الأمين لأي مجتمع فهو ينير له الطريق و يوضح له من ابن تأتيه العداوات. وهناك هدف آخر تبينه الدكتورة دلال خليفة في كتابها «مدخل إلى فن التحرير الصحفي» حيث تقول: «هناك هدف إيديولوجي أدخل في وظائف الإعلام التي ينبغي أن يقوم بها» ولو إننا سلطنا الضوء على هذه الأهداف التي ذكرناها للإعلام وقمنا بنقدها من المنظور الإسلامي لوجدنا أن الإسلام لا يرفض أيًا منها، فوظيفة نقل الأخبار وتحليلها ضرورية للمسلم لأنه لا بد أن يعرف أخبار وطنه وأمنه، وكذلك مسألة التسلية البريئة وتثقيف الناس والتسويق للمنتجات إذا تم بدون بخس أو وصف للسلعة بشيء وليس فيها.
لو أننا تتبعنا بعض النظريات المتعلقة بعلوم الاتصال بالجماهير لوجدنا أنها تستخدم الآن جميع العلوم المطروحة مرة سئلت إحدى الأخوات في الجامعة الأمريكية عما تدرس فقالت: أدرس عادات الشعوب، ألا يحتاج الدعاة إلى الله أن يعرفوا عادات الشعوب وأنماط سلوكهم فلو نظرنا إلى بعض نظريات علم الجماهير مثل نظرية الأنماط الثابتة وصاحبها الأمريكي «والترليب مان» الذي يقول بأن المجتمع يصنع ما يعرف بالأطر أو الأنماط الاجتماعية التي يمكن اتخاذها مسارات للتربية حتى يستريح المربي، فهل على هذه النظرية على هذا الشكل غبار من الناحية الإسلامية؟ بفضل هذه النظرية تكون للمجتمع قيم ثابتة ونحن عندنا في الإسلام قيم ثابتة فيما يتعلق بالعقيدة والعبادة والأخلاق الفاضلة فإذا كانت نظرية الأنماط الثابتة هي إيجاد قيم ثابتة إذن فلا غبار على أن تلك القيم الثابتة موجودة بالإسلام. إذن من أين يأتي الخلاف؟ إننا نعرف من خلال قراءاتنا لإنتاج المستشرقين وإنتاج المبشرين أنهم يكيلون بكيلين مختلفين الأول هو الحفاظ على هذه المجتمعات وقيمها والثاني هو العمل لإضعاف عقيدتنا وأخلاقنا وللأسف الشديد هناك دراسات شديدة الجدية حول نقد وسائل الإعلام لم يقم بها شيخ من الأزهر أو أحد من أبناء الحركات الإسلامية بل هي من جهود المستشرقين ومن كتاباتهم التي كتبوها في مطلع هذا القرن، أي منذ سنة ١٩٠٦.
فقد تناولت دراساتهم تلك نقد وسائل الإعلام وسيلة وسيلة وما يطمئننا نحن الذين لا نملك وسائل إعلامية هو أن ندرك أن الاتصال الشخصي هو سيد الاتصالات جميعًا وكما قال أحد الشيوخ عندما عاتبه مسؤول في بلده وقال له: أنتم ماذا تصنعون على المنابر فرد عليه الشيخ ماذا تفعل المنابر أمام وسائل الإعلام؟ فرد عليه المسؤول بدوره وقال: «المنابر هي أوسع الصحف فنحن كدعاة وظيفتنا أن ندرس الإعلام كعلم وتحاول إخضاع هذا العلم للضرورات الإسلامية التي نحياها وأنا عندما أقرأ كتاب الإعلام والاتصال بالجماهير للدكتور إبراهيم أمام أحد أن هؤلاء الغربيين سبقونا في الإعلام لأن معظم بحوثهم أصلًا بحوث ميدانية وأبناء الحركة الإسلامية يفتقرون إلى مثل تلك البحوث الميدانية البحوث التجريبية التي يكون فيها مسح اجتماعي وقياس للرأي العام فالعلم الآن بدأ يستخدم علم النفس والاجتماع وعلوم الدلالة في اللغة كأوسع ما يكون ويستعمل علوم الاتصال بالجماهير وأشياء كثيرة جدًا نحن في أمس الحاجة إلى أن ندرسها لنرى أن الإعلام كعلم لا يمكن أن يتصادم مع الدين الإسلامي إنما الاستخدامات المعوجة للإعلام هي التي تجعله يتصادم مع الإسلام.
د. عيسى زكي: في الحقيقة لا يستطيع أحد أن ينكر دور هذه الوسائل الإعلامية ونحن في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تعرضنا لعملية التغريب لوسيلة من وسائل الاستعمار التي استخدمها المستعمر للمحافظة على تبعية هذه المجتمعات وقت وجوده فيها وحتى بعد خروجه منها ولا تزال آثار التغريب واضحة حتى الآن في مجتمعاتنا، وأريد أن أركز في حديثي هذا على مظاهر هذا التغريب في حياتنا، أنا أرى أن وسائل الإعلام الغربية غربت المجتمعات الإسلامية والعربية بثلاثة أبعاد: البعد الأول هو تغريب العادات والتقاليد والبعد الثاني تغريب الثقافة والمفاهيم والبعد الثالث تغريب الأخلاق لقد قلبوا موازين الأعراف والتقاليد في مجتمعاتنا عن طريق وسائل الإعلام خذ مثلًا قضية المرأة كانت المرأة عندنا متحجبة وكانت شريكة حياة للرجل بكل معنى الكلمة لكن وسائل الإعلام المعاصرة أظهرت المرأة على أنها ند للرجل من خلال دعوتها إلى حرية المرأة وإنشاء جمعيات للدفاع عن حقوق المرأة ومع الأسف تلقفت مجتمعاتنا هذه الحقائق الجديدة نتيجة للتكتيك الإعلامي الذي تعرضت له وبكثافة ولو سألنا ما هي حقوق المرأة التي كانت ضائعة عندنا لوجدنا فعلًا أن لها بعض الحقوق التي ضاعت في خضم الانسياق مع العادات والتقاليد المستوردة مع البعد عن الإسلام وفي الغالب نجد حرية المرأة عند دعاتها تعني خروج المرأة متبرجة للعمل وإقحامها في مجالات لا تصلح لها أصلًا. وكانت وسائل الإعلام تركز دائمًا على هذا المفهوم المستورد في السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة والصحافة وفي الرواية المكتوبة بحيث جعلت من المرأة ثورة موقوتة في مجتمعاتنا الإسلامية والشرقية ودعاة حرية المرأة دائمًا يحاربون الحجاب ويدعون إلى الاختلاط غير الشرعي والمظهر الثاني تغريب الثقافة والمفاهيم الفكرية فوسائل الإعلام الغربية نقلت لنا مفهوم العلمانية ومفاهيم علمية خاطئة عديدة مثل نظرية دارون ونقلت لنا «الرهبة العسكرية» فالأفلام التي تعرض لدينا من إنتاجهم تصور لنا الكوماندوز الأمريكي وسلاح الجو البريطاني كأنهم سحرة، وتصوير التضحية والفداء عن القوات الشيوعية أمر فوق طاقة البشر.
وفي تلفزيون الكويت يعرض فيلم لمدة ساعتين عن الأسلحة في العالم ويأتوك بأسلحة تصور أن الغرب هو الذي يجب أن يسود ويحكم وأدخلوا علينا التغريب أيضًا من باب تلميع قياداتهم وإخفاء الجانب الإجرامي عند قادتهم وتصوير مجتمعاتهم على أنها مثالية وهذا وراء هجرة الجموع الرهيبة من شعوب العالم العربي والإسلامي للهجرة إلى تلك المجتمعات الغربية. المظهر الثالث للتغريب هو تغريب الأخلاق وخير دليل على ذلك أفلام هوليود الأمريكية فهي تعتمد على عنصري الجنس والإثارة. فخلال الفيلم العسكري أو التاريخي أو الوثائقي تجد المخرج يدخل لك المرأة من أي باب ويقحمها إقحامًا حيث تظهر في الفيلم بصورة عارية أو شبه عارية للإثارة وإفساد الأخلاق، ودع عنك الأفلام التي تقوم كلها على الجنس ثم العنف والذي يتابع الرسوم المتحركة للأطفال يجد مثلًا إن المخرج يصور للطفل كلبًا وكلبة يتعانقان ثم شخصًا من مكان مرتفع ينتحر أو يطلق النار على أحد الأشخاص فالأفلام الأمريكية تعلم الأطفال الجنس والعنف في آن واحد.
المجتمع: هل يوجد إعلام إسلامي أصلًا؟ هل يوجد مسرح أو سينما إسلامية؟ ربما نقول إنه توجد محاولات لإذاعة إسلامية أو صحافة إسلامية محدودة أو رواية إسلامية، ولكن هناك وسائل إعلامية مؤثرة كالسينما والمسرح والتلفزيون فهل الإعلام الإسلامي يستظل مثل هذه الوسائل أم أن هناك محاولات محدودة للدعاة في هذا المجال؟
د. مصلح بيومي: يجب أن نفرق بين الإعلام كأجهزة ووسائل إعلامية لا أحد يقول عنها شيئًا فهو مثل القلم الذي يكتب حلالًا أو حرامًا بسبب اليد التي تحركه واليد التي توجهه لذا أقول نعم يوجد إعلام إسلامي بدليل أنه يوجد کتاب إسلامي والمسجد أكبر وسيلة إعلامية أيضًا، والذي يريد أن يقول هو أن التوجيه هو الذي يجعل الإعلام إسلاميًا أو غير إسلامي.
د. محمد متولي: لا يمكن مقارنة جهد الإعلام الإسلامي بجهد الإعلام الصهيوني أو بجهد الإعلام الغربي أو بجهد الإعلام الشيوعي الشرقي فقد نشأ الإعلام في الوطن العربي والإسلامي في أحضان الشيوخ لكنهم ضيعوه لأن أعظم مجلة في تاريخ العالم الإسلامي كانت مجلة «المنار» والتي كان صاحبها الشيخ رشيد رضا وسارت على نهجها مجلة «الفتح» للشيخ محب الدين الخطيب. فمنذ منتصف القرن الثامن عشر والإعلام المؤثر في أيدي المسلمين وأعظم مجلة أدبية كما يقول الشيخ علي الطنطاوي هي مجلة «الرسالة» التي أسسها الشيخ أحمد حسن الزيات وهو أحد شيوخ الأزهر، فالإعلام في العالم الإسلامي والعربي نشأ في أحضان الشيوخ والعلماء لكن لماذا تضاءلت هذه المجلات وتعملقت بدلًا منها المجلات العلمانية والتبشيرية؟ فهذا هو السؤال وللرد على ذلك السؤال نقول إن مظاهر ضعف الإعلام الإسلامي بدأت منذ النصف الأول من القرن العشرين حيث عمل الاستعمار منذ بداية القرن التاسع عشر على إنشاء صحف ومجلات ذات صيغة علمانية أو تبشيرية تأتي مع الهجمة الشرسة على الإسلام كما هو الحال بالنسبة للبنان حيث ظهر يعقوب صروف وجرجي زيدان وغيرهما ممن أصبحوا ممثلين وراقصات فعمل الاستعمار منذ ذلك التاريخ على تحييد دور المجلة الإسلامية في الوقت الذي عمل على عملقة الإعلام الغربي فتضاءلت وسائل الإعلام الإسلامية كما أن الإعلام منذ أواخر النصف الأخير من القرن التاسع عشر أصبح مرتميًا في أحضان الاستعمار ويقول «هاملتون جب» كلمة يجب أن نضعها أمامنا دائما وأبدًا حيث يقول: «الإعلام لا يوجه الرأي العام فقط وإنما يخلقه» ويقول أيضًا كما ينقل عنه الدكتور عمر فروخ: «لقد استخدمنا الصحافة في البلاد العربية وخاصة في مصر خدمة لمآربنا في معظم الأحيان بدون أجر» فعندما أحس الاستعمار بخطر هذه الوسائل بدأوا يدفعون أجيالنا نحوها من المسلمين وغير المسلمين حتى سلامة موسى وأنيس منصور وغيرهم وأصبح أبناء الاتجاه الإسلامي يتحرجون عن الانضمام إلى هذا المجال عندما أصبح مجال جنس ورقص وأصبح ميدانًا للشهرة والفساد.
وكما يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه: «كفاح دين» أصبحت النكتة المشهورة في مصر هي ما تقال عن الشيخ متلوف وفي ذلك الوقت كان أكبر موظف في الدولة مثل الوزير لا يتقاضى أكثر من ٥٠ جنيهًا في الشهر بينما كان الذي يعمل نكتة عن الشيخ متلوف يحصل على ٥٠ جنيهًا في اليوم الواحد لأن القصد من تلك النقطة هو الإسلام ذاته كدين وعقيدة لأن تحقير رجال الدين وسيلة لمحاربة الدين نفسه ويقول زين العابدين الركابي في إحدى كتاباته «إن وسائل الإعلام هي سحر العصر الحديث أو الشيطان الذي لو لم يكبح جماحه فإنه يدمر كل شيء» إن أبناء الاتجاه الإسلامي لهم ثلاثة مواقف مختلفة تجاه الوسائل الإعلامية: موقف الرفض الكلي أو موقف القبول الكلي أو الموقف الوسط، ونحن ندعو إلى حسم هذه المسألة الخطيرة بعرضها على العلماء والمجتهدين في العالم الإسلامي ليقولوا فيها كلمتهم الأخيرة.
د. عيسى زكي: على ضوء الآراء التي أبداها الدكاترة الأفاضل يتبين إن هذه الأمة بها طاقات وإمكانيات غير مستغلة لكن العقدة الموجودة عند المسلمين هي عقدة المبادرة وهذه هي التي تحتاج إلى مناقشة وتقديم الحلول اللازمة لها صحيح أنا أقبل عذر أي شاب لا يريد المغامرة بالدخول في مجالات الإعلام الغربي ووسائله بصورتها الحالية وأرى أن الحل لهذه المشكلة هو أن نوجد نحن المسلمين إعلامًا إسلاميًا مستقلًا نظيفًا وتشرف عليه ونوجهه.
د. محمد متولي: أنا دائمًا أضرب المثل وأقول عندما منع ماركوس حاكم الفلبين السابق كورازون اكينو التي كانت تنافسه على كرسي الرئاسة من إلقاء خطبها من وسائل الإعلام الحكومية من إذاعة وتلفزيون فإن الكنيسة الكاثوليكية في الفلبين هي التي سمحت لها باستعمال محطة الإذاعة والتلفزيون التابعة للكنيسة وهذا يعني أن هناك اتجاه دينيًا في بلد ما يملك محطة إذاعة وتلفزيون، فلا بد للإسلاميين أن تكون لهم محطات إذاعة وتلفزيون ومسرح وسينما لتوجيه الشعوب الإسلامية.
المجتمع: لا شك أن أثر فيلم سينمائي على الناس أكبر من تأثير خطبة جمعة وتأثير مسلسل تلفزيوني أكبر من درس وعظ وعلى الرغم من خطورة تأثير تلك الوسائل فإننا نحن الإسلاميين بعيدون عن هذا المجال الحساس فلا يقوم أحد منا مثلًا بكتابة رواية إسلامية أو مسرحية أو كتابة سيناريو لفيلم إسلامي، ولا تزال هذه الوسائل تستخدم كسلاح ضد معتقداتنا وتقاليدنا، والسؤال الآن -رغم كل الشبهات المطروحة - هو هل أصبح من واجب الدعاة المسلمين أن يلتحقوا بالمدارس الغربية لتعلم طرق استخدام تلك الوسائل أم تعتبر ذلك الوسط شبهة يجب الابتعاد عنها.
هل مثل تلك العلوم أصبحت فرض كفاية علينا أم مباحًا أم محظورًا؟
د. مصلح بيومي: لا شك أن تأثير الأفلام والفيديو كبير جدًا على سلوك الجماهير والناس يقبلون على تلك الأعمال بكثرة ولكن هل يدفعنا ذلك إلى أن نقتحم الإعلام الغربي كما هو عليه ونبعث أولادنا إلى أمريكا مثلًا لتعلم سيناريو بدون قيد أو إشراف فمن الممكن في رأيي أن يكون الضرر في ذلك أكبر من نفعه، ولكن بإمكاننا أن نستعين بالمراكز الإسلامية هنالك للقيام بعملية الإشراف على هؤلاء الشباب الذين نبعثهم إلى الغرب لدراسة مثل هذه الفنون الإعلامية أما إذا تركناهم للصهيونية والعلمانية فسوف يعودون إلينا بأفكار مخالفة للأفكار الإسلامية. إذن فماذا نفعل؟ إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جاء إلى مجتمع لم تكن فيه وسائل إعلام وإنما استخدم الكلمة الطيبة وأذكر كلمة للإمام أبي حامد الغزالي عندما يقول: «عمل رجل خيرًا في ألف رجل خير من كلام ألف رجل في رجل» فالعبرة الآن ليست في قلة الوسائل فالأشخاص كثيرون لكن الكثير ممن يحملون هذه الدعوة مقصرون وراضون عن الوضع الحالي كثير من الناس تراهم يبكون على الإسلام عند سماع القرآن الكريم لكنهم يتعاملون بالربا وتخرج زوجاتهم سافرات وأولادهم غير مربين تربية إسلامية ولو قام كل مسلم بأداء الواجب الذي عليه لوصلنا إلى ما نصبو إليه.
د. محمد متولي: لو نظرنا إلى المسلمين الأوائل لوجدناهم استخدموا جميع الوسائل المتاحة لهم لتبليغ الدعوة وهذا الكلام موجود بوضوح في كتاب «الإعلام في صدر الاسلام» للدكتور عبد اللطيف حمزة أن واجبنا الآن كمسلمين هو أن تحاول تجريد وسائل الإعلام مما شابها الآن من شبهات، فعندنا قضايا معلقة في الإعلام مثل قضية تمثيل المرأة على المسرح وقضية الإعلام نفسه هل دراسته نافلة أم فريضة؟ إن من واجب المسلمين إذن تملك وسائل إعلامية يمكنهم السيطرة عليها وتوجيهها بحرية. المسلمون لا يختلفون حول استخدام وسائل الإعلام فقط بل مضى زمان كان الخلاف على أشده بين علماء الأزهر حول إباحة تعلم المنطق والفلسفة اليونانية وحول تعلم السحر. إننا اليوم يمكننا أن نأخذ بالرأي الوسط في قضية الإعلام فالرأي الذي يمنع تعلم الإعلام منعًا باتًا رأي غير منطقي والرأي الذي يدعو إلى التميع التام في هذا المجال غير واقعي أو منطقي أيضًا، فيجب أن نأخذ بالرأي الوسط وهو أن نجرد هذه الوسائل الإعلامية من كل ما يخالف الدين ثم نستخدمها لخدمة ديننا الحنيف. في عام ١٩٧٨ عقد مؤتمر دولي في زامبيا وكان من أهم بنود المؤتمر بند تربية الكوادر الإعلامية فأين الكوادر الإعلامية الإسلامية التي تربيها؟ أنا عندما كنت أوصى الطلبة الذين يتخرجون من كلية الإعلام بالأزهر بأن يتقدموا لطلب وظيفة في جريدة الأهرام كانوا يستغربون الأمر فكنت أقول لهم إذا لم تتعلموا إدارة هذه الوسائل فكيف تستطيعون على إدارتها يومًا من الأيام إذا طلب منكم ذلك. أنا أعرف أن إسرائيل تربي الأولاد الذين أعمارهم لا تتجاوز ٦ سنوات وتجد فيهم ميولًا أدبية تنميها حتى يكبروا ويتمكنوا من تغطية الرواية والقصة الإسرائيلية في المستقبل فلماذا لا يكون عندنا مثل هذا الاهتمام لإنشاء جيل إعلامي إسلامي صاعد؟ أنه بالإمكان أن نخلق نواة للسينما بكتابات بعض كتابنا المشهورين من أمثال محمد لبيب البوهي ونجيب الكيلاني ومحمد جودة السحار وداود سليمان العبيدي ونواة للمسرح والفيلم الإسلاميين. وقد يقول قائل إذن لا بد أن تظهر المرأة على خشبة المسرح فأقول له كما قال الإمام الغزالي عندما سئل ذات مرة إذا طبقت الشريعة الإسلامية فهل يرجم الزاني؟ فقال: أنتم طبقوا الشريعة أولًا ثم اسألوا ماذا تعملون. فنحن علينا أن نلتمس الطريق ونبدأ العمل والله -عز وجل- هو الذي يبارك في عملنا ويسدد جهودنا وبذلك نكون قد بدأنا أول الطريق أنا لدي الآن إحصائية لمجلة العربي لعام ١٩٨٦ عن عدد الأفلام التي تهاجم العرب والإسلام من عام ١٩٥٤-١٩٦٧ حيث بلغ مجموعها ٣٥٢ فيلمًا. وهناك إحصائية عما يملكه اليهود من دور سينما في العالم فهم يملكون في بريطانيا 15۰دارًا للسينما وفي الولايات المتحدة ٣٠٠ دار وفي هولندا وبلجيكا ولوكسمبرج ۳۰۰ دار وفي إيطاليا ۹۰ دارًا وهناك محاولات جديدة لتملك دور سينما في فرنسا والمزيد منها في بريطانيا. فكيف نترك الساحة لهؤلاء الذين يهدمون؟
د. عيسى زكي أنا أدري أن تعلم الإعلام من فروض الكفاية اعتمادًا على قاعدة يقرها الفقهاء دائمًا وهي أن أي علم من العلوم يحقق مصلحة للمسلمين فتعلمه يكون من فروض الكفاية. لكن الرأي الشرعي بالنسبة لتعلم الإعلام في جامعات الغرب لا تحدده على هذه الطاولة بكلمة نعم أم لا بل ينبغي أن يكون تحت أيدينا دراسة كاملة عن سير دراسة الفن الإعلامي في تلك الجامعات. أنا أعرف أن الطالب الذي يدرس السينما مثلًا في هوليود وغيرها من الجامعات الغربية يكلف بمشاهدة أفلام كثيرة يحددها الدكتور أو البروفيسور المشرف على الدراسة فيما يسمونه تنمية نواحي الجمال عند الطالب وتلك الأفلام عادة تشمل مناظر جنسية ومحاذير شرعية كثيرة لذلك أقول إن المسألة برمتها لا بد أن يقول فيها العلماء والفقهاء رأيهم النهائي فالفقه الإسلامي قادر دائمًا على مواجهة أي قضية معاصرة. فلماذا يتأخر تقديم كلمة الفصل في مثل هذه القضايا الحيوية جدًا؟
المجتمع: هناك من يقول إن التمثيل حرام أصلًا لأنه كذب حيث يزعم الممثل أنه قال كذا أو كذا وهو في الحقيقة لم يقل شيئًا من ذلك فما رأيكم في ذلك؟
د. مصلح بيومي: لو نظرنا إلى موضوع التمثيل من هذه الناحية أي من ناحية أنه كذب في كذب لم يحدث أي تجربة مطلقًا، وأريد أن أقول لهؤلاء حينما يتعلم طالب الطب يتدرب على العمليات الطبية على تمثال على شكل إنسان يحتوى على الجهاز الهضمي والعصبي إلخ قبل أن ينتقل إلى إجراء عملياته على الإنسان الحقيقي، فكذلك الممثل الذي يمثل أدوارًا مختلفة ، لا شك بينهم وبين الشخصيات الحقيقية فرق كبير، فالذي يمثل دورًا عن صلاح الدين الأيوبي أو خالد بن الوليد أو غيرهما من الشخصيات الإسلامية فلا شك أن الناس الذين يشاهدون تمثيله يدركون الفرق الكبير بين هذا الممثل وتلك الشخصيات، ومع ذلك فإن تلك التمثيليات أكثر تأثيرًا واستيعابًا لتاريخ هؤلاء العظماء من قراءة كتب عن حياتهم. لكن الذي يتخرج منه العلماء في هذا المجال فهو تمثيل الصحابة والرسول عليه الصلاة والسلام بالإجماع.
د. محمد متولي: هناك ثلاثة أشياء في هذا المجال وعندما كنت اتصفح كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان رأيت حديثًا يقول: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحكي ضربه من قومه وهو يقول الحديث كان يبين حال نبي عندما ضربه قومه أي يقلده هناك وهناك حديث جريج العابد ويقول راوي الحديث إن النبي -صلى الله عليه وسلم- وضع يده هكذا كما وضعت أمه يديها لأن نظرها كان ضعيفًا فمن هذا الحديث نستدل أولًا إن النبي -صلى الله عليه وسلم- حكى نبيًا ضربه قومه
ثانيًا: إنه حكى امرأة ذهبت إلى ابنها وهو يعبد الله وكان نظرها ضعيفًا.
ثالثًا: وهو شيء رأيته بعيني في تلفزيون العراق الذي عمل مسرحيات قصيرة على بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وكانت تدور إحدى المسرحيات حول حديث «الثلاثة الأبرص والأقرع والأعمى». ونحن عندما نقرأ الحديث قد لا تؤثر فينا القراءة كما لو رأينا الحديث على الشاشة وفي الحقيقة إن الشيء عندما يمثل كما يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه «منهج الفن الإسلامي» إن القصة تعطي الشيء ودليله معه فالنبي حكى نبيًا ضربه قومه وحكى امرأة وتحرك يدها ونحن نسأل ما هي غايتنا؟ فإذا كان غيرنا يكذب فنحن لا نكذب ونحن لدينا القصص المخترع من باب من أبواب الدعوة والشيخ «البهي الخولي» -رحمه الله- في كتابه تذكرة للدعاة عقد فصلًا للقصص المخترع أي الخيالي أصلًا - مع المحاذير التي تنتج من الجموح في الخيال فإذا لم يرد نص في الشرع يقول إن هذا حرام
ونحن لا نقول: كل ما هو موجود صواب وإنما تقول ما هو موجود خطأ كثير مشوب بصواب قليل أو ربما لا صواب فيه فما المانع من إننا نأتي نحن الصواب؟ ما دام غيرنا يكذب؟
د. عيسى زكي: في قصة الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع قام بالأدوار ملائكة كرام ملك يتمثل ويقوم بتلك الأدوار إضافة إلى أن يكذب ولا يقصد به الكذب إلا إذا قصد به الإفساد أما الأمثلة التي ضربها الأخوة الأفاضل فهي جيدة والقصص لا تكون من باب الكذب.
المجتمع: الموسيقى أحد فنون الإعلام ومن العلماء من يحرم استخدام الموسيقى ومنهم من يرى جواز استخدامها في نطاق معين ومنهم من يرى جواز استخدامها مطلقًا فما رأيكم في هذا الموضوع؟
د. مصلح بيومي: موضوع الموسيقى مهم جدًا وكذلك الغناء مع الموسيقى فبعض العلماء يحرمونهما نهائيًا، ولكن البعض منهم لهم رأي أخر فالدكتور فتحي عثمان في كتابه «الدين والواقع» وكذلك الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه «الحلال والحرام» رأيهما أنه لا بأس بالموسيقى ما لم يصاحبها حرام أو تؤدي إلى حرام مثل شرب الخمر.
د. محمد متولي: للعلماء القدامى في هذا الموضوع رأيان متضادان تمامًا أولهما رأي الإمام ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان» وهو رأي متشدد في تحريم الغناء ويقابل ذلك الرأي المتشدد رأي الإمام ابن حزم الذي يقول: لم يرد حديث صحيح في تحريم الغناء وما أجود مما قاله الإمام أبو حامد الغزالي في هذا الموضوع حيث جاء بأقوال المانعين وأقوال المبيحين في كتابه «أحياء علوم الدين» ونحن لا نرى مانعًا من الأخذ برأي بعض الفقهاء المعاصرين الذين يبيحون الغناء والموسيقى ما لم يثيرًا العواطف الكامنة والغرائز الجامحة وهي من الضوابط التي ذكرها الإمام الغزالي. د. عيسى زكي في الحقيقة الرأي الذي يميل إلى تحريم الموسيقى يستند إلى أدلة قوية في الفقه الإسلامي فهناك حديث رواه البخاري في المعلقات الموصولة يقول فيه الرسول عليه الصلاة والسلام ما معناه: يأتي على الناس زمان يستحلون فيه المعازف والحرير لكن بعض الفتاوى المعاصرة عندنا تفيد بإباحة الموسيقى بالضوابط التي تفضل بها أخواني الأفاضل وأخرها فتوى وزارة الأوقاف بجواز الموسيقى التي لا يصاحبها فساد وفسق، ومع تحفظي على هذه الفتوى فإني أقول بأن المبحث الفقهي للموسيقى يعتمد على أن الموسيقى هل هي من المحرمات لذاتها أم لغيرها؟ فإذا كانت من المحرمات لذاتها انتهت القضية على حرمتها أما إذا كانت محرمة لغيرها فإذا انتفى ذلك الغير ثبتت إباحتها على كل حال فإن المسألة تحتاج الى بحث فقهي أعمق وأوسع.
المجتمع: في نهاية هذه الندوة نود أن نشكر الإخوة الشيوخ الأفاضل وهم د. مصلح بيومي، ود. محمد متولي ود. عيسى زكي على إثراء الحوار في المواضيع المطروحة، ونأمل من الله -عز وجل- أن يجمعنا بكم حول ندوة قادمة لمناقشة مواضيع أخرى تهم أمتنا الإسلامية شاكرين لكم حسن مشاركتكم في هذه الندوة وجزاكم الله خيرًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل