; وسائل تنمية الذاتية (5) | مجلة المجتمع

العنوان وسائل تنمية الذاتية (5)

الكاتب عبدالله أبو سليمان

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1992

مشاهدات 60

نشر في العدد 1025

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 17-نوفمبر-1992

تتعدد الوسائل وتتنوع ما بين مشاعر تغرس في القلب، ومفاهيم تدرك بالعقل، ومعان تتعايش في الوجدان، وأعمال للقلوب وأفعال بالأبدان، وهي مجموعة في ثلاثية: الإيمان العميق، والفهم الدقيق، والعمل المتواصل.

كما أن المدخل لتناولها هو إدراك للحقيقة التربوية القائلة بأن الفضائل مكتسبة، وليست بالضرورة أن تكون جبلة، فالمسلم قادر على كسب الأخلاق الحميدة كما هو قادر على اجتناب الأخلاق الرذيلة بفضل الله وتوفيقه، وذلك انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ‏(الشمس 9-10). 

ومن الوسائل العامة لاكتساب الأخلاق الحميدة ما يلي: 

1- العلم، وهو منطلق اكتساب كل ما هو حسن واجتناب كل ما هو سيئ.

2- المعرفة بعظم الحاجة للأخلاق الحسنة، وبأنها موصلة لرضوان الله تعالى والدرجات العالية من الجنة.

3- الاستحضار الدائم لعواقب الأخلاق السيئة وعدم النسيان الذي هو آفة العلم ﴿وَلَقَد عَهِدنآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبلُ فَنَسِيَ وَلَم نَجِد لَهُۥ عَزما﴾ (طه: 115).

4- تقوية معاني العقيدة الإسلامية وأركانها كالإيمان بالله تعالى وصفاته وأسمائه والإيمان باليوم الآخر وأهواله والإيمان بالملائكة والكتب والمرسلين. 

5- مباشرة ومزاولة الأعمال الصالحة والمداومة عليها وإن قلت فذلك هو سبيل اكتسابها، فقد كان أحب الأعمال لرسول الله أدومها وإن قل.

6- اتباع مسلك «المراغمة للشيطان» بالقيام بالأعمال المضادة للأخلاق الرديئة ولو بالتكلف ابتداء كالجلوس مع الفقراء لمعالجة الكبر والدعاء للمحسود لعلاج الحسد وغيرها.

7- مخالطة الصالحين وذوي الأخلاق الحسنة.

8- اتخاذ القدوة الحسنة، وخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخير معين لذلك دراسة سيرته وسيرة أصحابه رضوان الله عليهم.

9- ترك البيئة الفاسدة وذلك من لوازم التوبة الصادقة؛ حيث يتخلص المسلم من المؤثرات السلبية لتلك البيئة؛ مما يشجع دوافع الخير في نفسه. 

أما الوسائل المعينة على تنمية الذاتية في نفس الداعية فتتلخص فيما يلي:

1- التحلي بصفات المسارعين في الخيرات وهي كما أوردناها من «سورة المؤمنون» في الحلقة الأولى من هذه السلسلة:

أ- الخشية من الله تعالى والإشفاق من سخطه ومحاسبة النفس والاستحضار الدائم لمعيته عز وجل وشديد عقابه في الدنيا والآخرة. 

ب- الإيمان الصادق واليقين الجازم بآياته.

جـ- الإخلاص وصدق النية.

د- استقلال الأعمال في حق الله تعالى وعدم الاستكثار.

2- تنمية الحرص على نجاة النفس من غضب الله تعالى في الدنيا والآخرة؛ مما يعمق دوافع المسارعة للخيرات، وكما قيل: «نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها»، ولعل التدبر في آيات وأحاديث الترغيب والترهيب معًا يعين على ذلك.

3- الفهم الشامل لمعنى العبادة والذي يتسع لكل مجالات الحياة إذا صدقت النية وصلح العمل، ويتجسد هذا الفهم في الاستحضار الدائم للنية الصالحة والاحتساب المستمر لثواب الله من وراء كل عمل؛ مما يشعر المؤمن أنه في حلبة سباق ميدانها الحياة بأجمعها.

4- إدراك ومعايشة معنى عظيم تكرر في آيات الله تعالى وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو معنى الطبقية في مراتب المؤمنين في الآخرة، ويتلازم مع هذا المعنى إقرار مبدا التنافس والتسابق للخيرات، ولبيان ذلك نجد قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ‏(فاطر: 32)، كما أننا نجد أن الله تعالى جعل الجنة درجات عديدة، منها للمجاهدين فقط مائة درجة ما بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض، ولو استعرضنا أهوال يوم القيامة لوجدنا أن حالات الوقوف يوم المحشر ذات منازل، منهم من يكون عرقه إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، وهكذا إلى أن يلجم العرق البعض إلجامًا فوق رأسه، كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، والمرور على الصراط تجد أن هناك من يمر بسرعة البرق، والصنف الآخر بسرعة الريح ثم الفرس، وهكذا إلى درجة من يحبو على الصراط حبوًا. هذا التأكيد على الطبقية لا شك أن له دلالته التربوية الواضحة في إثارة دوافع التنافس والتحفز لدى المؤمنين؛ لينال كل منهم الدرجة الأعلى، ويربأ بنفسه أن يكون في الدرجة الأدنى.

5- التفرد ببعض الطاعات والخفاء في أدائها أحيانًا بأن يجعل ذلك سرًّا بينه وبين الله تعالى، فالحديث النبوي عن ذلك من الأصناف السبعة التي يظلها الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»، كما أننا نجد أن من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يتنفل المسلم بالصلاة في بيته؛ بل الأفضل أن يصلي السنة الراتبة في بيته، فضلًا عن أحاديث صدقة السر وفضلها.

وإليك- أخي القارئ- هذه القصة التي تبين منهجًا تربويًّا جميلًا في التربية الذاتية.. حوار دار بين أحد الأمراء ويدعى علي بن المأمون وحمّال زاهد، بعدما رأي من زهده وورعه وعفته عن مال عرضه عليه، فأبى أن يأخذه، فقال الأمير: لي إليك حاجة، فقال الحمال: ما حاجة مثلك إلى مثلي؟ قال: في حاجة مهمة، فأخذ بيده فأدخله بعض غرفه وخلا معه، وقال: يا هذا قد عرفت حالي وقصتي وموضعي، وما أنا فيه من هذا الملك ونعيم الدنيا ولذاتها، فادع الله تبارك وتعالى أن يزهدني في الدنيا، ويرغبني في الآخرة، فقال له الحمال: يا حبيبي ما لي عند الله من المنزلة ما أدعوه، إلا أن بعض الحكماء يقول: من خاف أدلج، افرض على نفسك كل يوم وساعة شيئًا معلومًا من خصال الخير، فإنك إذا فعلت ذلك جاءك العزيمة بالعون من الله تعالى على ذلك، ولا تؤخر عمل يومك لغد، ولا تكلف نفسك ما لا طاقة لها به، وأكثر ذكر الموت، فإن ذكره يكثر القليل ويقلل الكثير، وعليك بتقوى الله تعالى وطاعته واجتناب معاصيه، ثم رفع يديه وطأطأ رأسه ودمعت عيناه، وقال: يا من رفع السماء بقوته، ودحا الأرض بمشيئته، وخلق الخلائق بإرادته، يا مالك الملك، وجبار الجبابرة، وإله العالمين، ومالك يوم الدين، أسألك برحمتك وجودك وقدرتك، أن تخرج حب الدنيا من قلب عبدك عبدالله علي وتوفقه لطاعتك من الأعمال التي تقربه إلى مرضاتك وتجنبه معاصيك، وتختم لنا وله برضوانك وعفوك يا أرحم الراحمين.

6- معرفة طبيعة الدعوة وغاياتها، فالداعية حين يوقن أن دعوته عامة ولقيادة البشرية جمعاء، وأنها دعوة عملية تغييرية، وأنها تسعى لتكون كلمة الله هي العليا، وأنها شاملة لا تقبل الترقيع، وأنها غالية تتطلب بذل الروح وقطرة الدم، كما قال الإمام حسن البنا رحمه الله: وإن قطرة الدم مازالت غالية على المسلمين، ومادامت قطرة الدم غالية؛ فإنهم لن يصلوا إلى شيء؛ لأن ثمن العزة والحرية قطرة الدم.

عند ذلك لن يستقيم مع هذا الفهم أي تردد، أو تلكؤ، أو تراخٍ، أو تكاسل، بل إنه حين ذلك يسعى ليكون قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم «رفع له علم فشمر إليه».

7- تتبع أحوال المسلمين وشؤون العمل الإسلامي في بقاع الأرض المختلفة، وذلك من شأنه أن يولد الآلام والآمال في نفس الداعية، الآلام للواقع المرير للمسلمين في الأرض، وآمال بنصر الله تعالى لدينه ودعوته ودعاته، كما أن ذلك التتبع يرفع اهتمامات الداعية لمعالي الأمور مما يجعل همته متقدة دومًا. 

8- تتبع مكائد أعداء الإسلام والتفكر في مخططاتهم التي يراها الداعية تنفذ أمامه عيانًا من حروب فكرية وسياسية وأخلاقية وعسكرية، ولعل أخطرها شأنًا هو زرع السلبية واللامبالاة في نفوس المسلمين تجاه قضاياهم الأساسية، ومن دلائل ذلك ما نراه من سلبية مقيتة من المسلمين تجاه المآسي في البوسنة والهرسك وسائر بقاع الأرض، فلا نكاد نجد من يحرك ساكنّا إلا بعض الجهود البسيطة التي لا تتناسب وجهود أعداء الأمة. 

خاتمة: إن الدعوة الإسلامية اليوم لهي في أمس الحاجة إلى أن تتحرك نفوس أبنائها، وتنطلق في رحاب الأرض، تنتصر لدين الله تعالى، وتسعى لتمكين دعوته في الأرض، ولن يتحقق ذلك إلا إذا أدرك كل داعية أنه هو المسؤول عن تحقيق هذه الغاية.

ورد أيضًا في صفحة «المجتمع التربوي» من هذا العدد:

وقفات في سورة الكهف «اللطف»

(وليتلطف)، هذا هو أسلوب الدعوة العملي.. منهاج الدعاة في كل عصر وفي كل وقت ﴿وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلقَلبِ لَٱنفَضُّواْ مِن حَولِكَ﴾ (آل عِمرَان:159)، ﴿ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ﴾ (النحل:125)، إنه اللطف.. إنه الرفق في أسمى معانيه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث يرويه الإمام مسلم: «إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا»، فالأسلوب الجلف لا يؤدي إلى نتيجة؛ بل إلى التباعد والتباغض، فرب كلمة دخلت في قلب سامعها بسبب يسرها ولطفها، ورب خطبة نفرت من أذن سامعها بسبب شدتها وعنفها.

والرفق يمن والأناة سعادة      

فتأنّ في رفق تلاق نجاحا

فالنفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وقد تؤدي الشدة أحيانًا إلى المكابرة والنفور، فتأخذها العزة بالإثم، ولا نعني باللين واللطف هو المداهنة والنفاق، وإنما هو إبداء النصيحة وتقديم المشورة بأسلوب محبوب، ينير القلوب المظلمة بنور الإيمان والهداية. 

أشار إلى ذلك النور الخليفة العباسي عندما نصحه أحد العلماء وعنف عليه، فقال: «يا هذا، على رسلك، لقد بعث الله من هو خير منكم إلى من هو أسوا مني، فأمره بالرفق واللطف» ﴿ٱذهَبَا إِلَىٰ فِرعَونَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ. فَقُولَا لَهُۥ قَولا لَّيِّنا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَىٰ﴾ (طه:42-44)، إنه اللطف المثمر المؤثر في النفوس.

لما جاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا نبي الله، أتأذن لي في الزنا» فصاح الناس به، فما كان من الرسول المعلم إلا أن قال: قربوه فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي: «أتحبه لأمك؟ قال: لا جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، فقال: أتحبه لابنتك؟ قال: لا جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره: وقال: اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه. فلم يكن شيء أبغض إليه منه» (يعني الزنا)، لا عجب إذ إنه خُلق عظيم أمر به المولى عز وجل سيد الدعاة ﴿ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ﴾، فالرفق بناء شامخ في صرح الدعوة إلى الله.

عبد الله القصار

أقوال تربوية

  • أول معاني التوبة:

يقول الإمام ابن القيم: «وأول معاني التوبة أن تنظر إلى ما كان من انخلاعك عن الاعتصام بالله حين إتيان الذنب، وأن الله منع عصمته عنك، وأن تنظر إلى ما كان من فرحك عند ظفرك بذلك الذنب وقعودك عن تداركه، مُصرًّا عليه مع تيقنك نظر الحق إليك، فإن العبد لو اعتصم بالله لما خرج عن هداية الطاعة». (تهذيب المدارج ۱۲۲).

  • ريح الصبا:

يقول الدكتور عبدالحميد دياب: «أما الفوائد الصحية التي يجنيها الإنسان بيقظة الفجر فهي كثيرة، منها تكون أعلى نسبة لغاز الأوزون (O3) في الجو عند الفجر، وتقل تدريجيًّا حتى تضمحل عند طلوع الشمس، ولهذا الغاز تأثير مفيد للجهاز العصبي، ومنشط للعمل الفكري والعضلي؛ بحيث يجعل الإنسان عندما يستنشق نسيم الفجر الجميل المسمى بريح الصبا لذة، ونشوة لا شبيه لها في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل». )مع الطب في القرآن ص ۱۰۸(.

  • ذكر جهنم: 

يقول التابعي الجليل طاوس: «طيَّر ذِکْر جهنم نوم العابدين» (صفة الصفوة 2/289).

  • الإحساس بالذنب 

عن أبي داود الحفري قال: «دخلت على كرز بن وبرة بيته، فإذا هو يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إن بابي لمغلق، وإن ستري لمسبل، ومنعت جزئي أن أقرأه البارحة، وما هو إلا من ذنب أذنبته». (صفة الصفوة ٣/١٢٢).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1116

84

الثلاثاء 13-سبتمبر-1994

الذاتية في العمل

نشر في العدد 1024

61

الثلاثاء 10-نوفمبر-1992

الذاتية في العمل الإسلامي (4)