; حروف على رقعة الشطرنج: وسقط الأنموذج الاشتراكي | مجلة المجتمع

العنوان حروف على رقعة الشطرنج: وسقط الأنموذج الاشتراكي

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

مشاهدات 70

نشر في العدد 888

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

قبل ربع قرن قام اليساريون في بورما بانقلاب على الحكم القائم في بلادهم، وأسسوا حزبًا وحيدًا سموه حزب الأنموذج الاشتراكي، واحتكروا السلطة والنشاط السياسي والاجتماعي، وصادروا حريات الآخرين، وكما هي عادة اليساريين يرون أن من لم يكن على نهجهم فهو عميل للإمبريالية والرجعية، وأن حزبهم هو الحزب الوحيد الذي يجب أن يستولي على كل شيء في البلاد، وأن أعضاء الحزب هم الوحيدون الذين لهم حق التحدث باسم الوطن، ولهم وحدهم حق التمتع بالامتيازات المادية والأدبية، وأولادهم والمنتسبون إليهم، ومحاسيبهم هم الذين يجب أن يحصلوا على فرص التعليم، والفوز بالمنح في الخارج، وهكذا يصبح الوطن كأنه ملك خاص لأفراد الحزب، ومع ذلك يتشدقون بالعدالة، والمساواة، والديمقراطية. وقد عاش شعب بورما كغيره من الشعوب التي نكبت بحكم اليساريين، ووقعت تحت كابوس التسلط والديكتاتورية الحزبية طيلة السنين الماضية منذ قام الانقلاب اليساري، وعاش الناس في كبت واضطهاد وخنق للحريات، مع انتشار الفساد والرشوة والمحسوبية، واستأثر أعضاء الحزب بخيرات البلاد، فلا توجد في البنوك إلا أرصدتهم التي جمعوها من عرق الشعب، فأوجدوا بذلك طبقة جديدة مستغلة تتكون من مجاميع الصعاليك والجهلة ومحترفي الإجرام، حتى ضاق الشعب ذرعًا بالوضع المأساوي الذي يعيشه، فخرج عن بكرة أبيه منددًا بالاستبداد والظلم والديكتاتورية، وتعرض الآلاف منهم لرصاص شرطة النظام، ولم تتوقف المظاهرات وإلا الاحتجاجات حتى سقط نظام الحزب الواحد، واعترف المسئولون بالتعددية والديمقراطية تحت ضغط الشعب، وعلى الرغم من النظام الحاكم.

لقد درج اليساريون على الادعاء دائمًا أنهم يمثلون الشعب، ويعبرون عن أحاسيسه وطموحاته، ودرجوا على سرقة مكاسب الشعوب عندما تحين لهم الفرصة، ويشكلون تنظيمًا واحدًا يفرضونه على الناس، ويصير كأنه معبود من دون الله، ويرفعونه فوق إله السماوات والأرض، له الأمر من قبل ومن بعد، وهذا أمر طبيعي عند اليساريين الشيوعيين؛ لأنهم لا يؤمنون بالإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، فاتخذوا لأنفسهم آلهة يعبدونها من دون الله، تتمثل في زعيم مستبد، أو حزب يهيمن عليه مجموعة من المستبدين المتغطرسين المغرورين، وهكذا تسير الأمور في المجتمعات التي يسود فيها الفكر الماركسي الإلحادي، ويسيطر عليها الطغاة المستبدون، حتى يضيق الشعب ذرعًا بالوضع، وتضيق عليه حلقات المأساة؛ فينقض على ذلك النظام الغاشم الباغي، فينسفه نسفًا، وينتقم لنفسه من الطغاة الذين أصلوه نار الجوع والاستبداد وكبت الحريات.

وعيب اليساريين أنهم لا يتعظون بمصائر من سبقهم من الطغاة والمستبدين فيتمادون في غيهم ويغالون في استبدادهم وظلمهم وعسفهم، حتى تقع الواقعة، وتدور عليهم الدوائر؛ ذلك لأنهم أغبياء جمدت عقولهم كما جمدت وقست قلوبهم، ومن كثرة ما يكذبون ويزيفون ويقلبون الحقائق يصدقون أنفسهم، ويظنون أن ما هم عليه من الزيف والغش والتزوير هو الحق الصحيح الذي لا ريب فيه. 

ومع الأسف أن بعض الشعوب تستسلم للواقع، وتتحمل الأذى ويستبد الجبن والخوف بعناصرها القيادية التي تتطلع إليهم للتخلص من المأساة، وبعض هذه القيادات مع الأسف تستمرئ هذا الواقع وتجعل من المعارضة مجرد ارتزاق تستسيغ فيها الإهانة، وتتحملها وتتخلى عن واجباتها من أجل استمرار المعيشة المترفة في الخارج، ولا يهم عندهم أن يعيشوا على حساب دموع شعوبهم؛ ذلك لأنهم لا يختلفون كثيرًا عمن يعارضونهم في القيم والمبادئ التي يريدون تطبيقها، وتصبح المعارضة مجرد صراع على الحكم، وإذا كان البعض يغبط من يعيشون في ظل الإهانة فإن هؤلاء قد فقدوا إحساسهم بالكرامة الإنسانية، وماتت ضمائرهم وانحطت هممهم، وما أصدق ما قاله أبو الطيب:

واحتمال الأذى ورؤية جانيه *** غذاء تضوى به الأجسام

ذل من يغبط الذليل بعيش *** رب عيش أخف منه الحمام

كل حلم أتى بغير اقتدار*** حجة لاجئ إليها اللئام

من يهن يسهل الهوان عليه *** ما لجرح بميت إيلام

إن القيادات المخلصة تتحرك في اتجاه بث الحماس، وإيقاظ الشعوب، والتخلص من حياة الذل، وإسقاط أنظمة الظلم والاستبداد لإقامة مجتمع العدالة، واحترام حقوق الإنسان، والليل مهما طال فلا بد أن يبزغ الفجر، ويتبدد الظلام.

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج

وإنما تفرج الكربات بالعمل الصادق والتوجه الصادق إلى العزيز الخالق الذي تكفل بإجابة دعوى المظلومين ولو كانوا كفارًا، وخذلان الظالمين ولو كانوا مسلمين، ولا قيمة عنده للكسالى والمتواكلين الذين يأكلون كما تأكل الأنعام، وتوعد الله أعوان الظلمة والطغاة الذين رضوا أن يكونوا خدمًا للظلم، ومنفذين لأوامر الظلمة، بل هؤلاء يعتبرون من الظلمة أنفسهم كما قال الإمام أحمد عندما سأله السجان وقال له: هل أكون من أعوان الظلمة الذين سيعاقبهم الله وأنا ليس لي من الأمر سوى أني أحرس المسجونين، وأقوم على شئونهم؟ فقال له الإمام أحمد: لا، أنت لست من أعوان الظلمة؛ ولكنك من الظلمة أنفسهم، وإنما أعوان الظلمة هم أمثال الذين يخيطون لهم ثيابهم، أو يبيعون لهم طعامًا، والظلمة لا تطول مدتهم إلا إذا وجدوا لهم أعوانًا من السذج والجبناء الذين يبررون مسئولية الجرائم التي يرتكبها أولئك: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: ۱۱۳).

الرابط المختصر :