العنوان وصمة العار «الغائرة» في جبين أوروبا
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 03-مارس-2007
مشاهدات 47
نشر في العدد 1741
نشر في الصفحة 15
السبت 03-مارس-2007
الإثنين ٢٦/٢/٢٠٠٧م أصدرت محكمة العدل الدولية حكمها في أبشع وأضخم مذبحة شهدتها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد برأت محكمة العدل صربيا «الأرثوذكسية» من تهمة الإبادة الجماعية لمسلمي مدينة سربرينيتسا البوسنية المنكوبة، ورغم أن المحكمة أقرت في حكمها بأن ما جرى في المدينة البوسنية المنكوبة، يمثل إبادة جماعية، وإقرارها بأن «صربيا» لم تتحرك لتفادي وقوع إبادة سربرينيتسا ومعاقبة مرتكبيها، كما أنها لم تتعاون بالكامل مع محكمة الجزاء الدولية اليوغسلافية السابقة.
رغم هذا فإن المحكمة برأت جمهورية صربيا التي سلحت ودعمت الصرب الذين يعيشون في البوسنة، في أقذر حرب إبادة منظمة شهدتها أوروبا ضد المسلمين في البوسنة فعلى مدى أربع سنوات (١٩٩٢ - ١٩٩٥م) أشبع الصرب المجرمون المسلمين قتلًا واغتصابًا للنساء، وتشريدًا في الغابات، وهدمًا للبيوت والمساجد، بل واقتلاع كل حجر يدل على أن هذه الأرض مسلمة.
لقد أبادوا -وفقًا للإحصاءات المتواترة- (٢٠٠) ألف مسلم، منهم (١٠) آلاف في سريرينتيسا، واغتصبوا ما بين (٣٠ – ٥٠) ألف امرأة وفتاة، وسقط (١٥٠) ألف معاق، وتم تشريد أكثر من مليوني مسلم، وتدمير (٩٠%) من البنية التحتية للمسلمين بينها (٢٤٣) مسجدًا تمثل غالبية المساجد في هذا البلد.
إن صربيا غارقة حتى أذنيها فيما جرى في البوسنة، وإلا لماذا اعتلقوا الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش في لاهاي وحاكموه بـ (٦٦) تهمة أبرزها الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية»؟ ولماذا وجهت محكمة العدل الدولية التهم نفسها لقائد القوات الصربية وعدد آخر من قادة الصرب، تم اعتقال (٢٦) منهم، بينما بقي الآخرون مطلقي السراح؟ والسؤال: هل قام هؤلاء بالإبادة الجماعية بأنفسهم، أم قادوا فرقًا للموت والإبادة؟ وهل قام رئيس صربيا ميلوسوفيتش بالحرب بنفسه أم عبر جيشه وقواته؟ أليس ذلك ضلوعًا من الدولة كلها في الجريمة؟ فلماذا البراءة؟
نعم لقد اعتذرت صربيا رسميًا في نوفمبر ٢٠٠٤م عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سربرينيتسا، وسلمت المدعي العام في البوسنة قائمة بأسماء (۸۹۲) من المشتبه في ضلوعهم في تلك الفظائع، لكن ذلك كله كان ينبغي أن يضاف إلى كل الإثباتات والشواهد والأدلة التي تؤكد ضلوع جمهورية صربيا -كدولة- في الإبادة، لكن محكمة العدل الدولية جاءت الإثنين الماضي لتعلن براءة صربيا مكتفية بتوجيه اللوم فقط، لتحرم بذلك مسلمي البوسنة من المطالبة بالتعويضات اللازمة عما جرى.
إن أوروبا كلها كانت تتوق لقرار من هذا النوع لتغلق ملف القضية للأبد، ولتحاول مواراة وصمة العار الغائرة في جبينها، عار الإبادة على الدين والعرق والهوية، في قارة تدعي التحضر والحفاظ على حقوق الإنسان وحرية الأديان، ولذلك فقد سارع خافيير سولانا منسق الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي ليعلن ترحيبه بهذا القرار قائلًا: «إن المحكمة طوت بذلك صفحة من التاريخ كانت مؤلمة لكثير من الناس».
نعم إن أوروبا كانت تنتظر تبرئة صربيا لطي تلك الصفحة؛ لأن أوروبا ذاتها -كنظام واتحاد- تغاضت يومها عما كان يجري، وكانت تستعجل الجزار للإجهاز على الضحية البوسنة، ووأد الدولة الإسلامية الوليدة قبل إعلان ميلادها.
لقد كرهت أوروبا -وما زالت- وجود دولة مسلمة بينها ولو صغيرة وضعيفة، فهي أوروبا التي قسمت العالم الإسلامي مع أمريكا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، بما أسهم في تفتيت الكيانات المسلمة وتمزيق شعوبها، وهي أوروبا التي وقفت بالمرصاد لاستقلال البوسنة المسلمة بعد تفكيك يوغسلافيا، وحالت دون ذلك، وفي الوقت نفسه ساعدت كرواتيا على الاستقلال ولم تمانع في استقلال الجبل الأسود.
ممنوع على البوسنة لأنها مسلمة، وحلال للباقين لأنهم كاثوليك وأرثوذكس.
لقد كنت هناك -في بدايات اندلاع حرب الإبادة ضد المسلمين في البوسنة ( ۱۹۹۲ - ١٩٩٥م) وتجولت في البوسنة، وشاهدت كيف أفرغ مجرمو الصرب براكين الحقد والغضب على الإسلام والمسلمين، شاهدت المساجد المدمرة والمخربة، وشاهدت منابر المساجد المحروقة ومحاريبها، وقد هدمتها القذائف والرصاص الكثيف، ورسمت الصلبان على بعضها، شاهدت الآلآف الذين هاموا على وجوههم، واستمعت روايات وأخبارًا لأحداث يشيب لها الولدان، وحضرت أول مؤتمر تعقده أوروبا في زغرب عاصمة كرواتيا، ولم يحضره سياسي واحد غير رئيس وزراء كرواتيا، بينما كان جل الحاضرين من رؤساء الكنائس جاءوا ليبحثوا كيف يغيثون الضحية عبر الكنسية، والبقية معلومة!
وأوروبا ليست وحدها الضالعة بصمتها وتغاضيها عما جرى في البوسنة، وإنما الأمم المتحدة ذاتها ضالعة أيضًا في الجريمة عبر أمينها العام في ذلك الوقت د. بطرس غالي، ومن خلال قواتها، فقد قررت الأمم المتحدة إقامة ما يسمى بالمناطق أو الملاذات الآمنة في البوسنة؛ حيث تقوم قوات الأمم المتحدة بحماية عدد من المدن البوسنية من اجتياحات الصرب، وقد كانت مدينة سريرينيتسا ومدينة جوار جدة وغيرهما من هذه الملاذات، وبمقتضى ذلك قامت قوات الأمم المتحدة بتجريدهم من أي وسيلة للدفاع عن أنفسهم، ثم فتحت الطريق أو أخلته أمام جحافل الصرب لينفذوا مذابحهم دون حراك من أحد.
لقد تمت تبرئة صربيا من جريمة الإبادة الجماعية عبر المحكمة الدولية حتى لا تكر السبحة -كما يقولون- ويحاكم آخرون وأولهم أوروبا والأمم المتحدة، فكان الأفضل و«الأريح» لهم إغلاق الملف، لكن إن أغلق الملف بهذا الشكل فإن التاريخ لن يغلقه، والجرح الغائر في قلب البوسنة سيظل شاهدًا على جريمة العالم «المتحضر» في البوسنة.