العنوان وعد بلفور ومؤامرة الاحتواء الصليبي المستمرة للصهيونية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-نوفمبر-1984
مشاهدات 56
نشر في العدد 690
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 06-نوفمبر-1984
في الثاني من نوفمبر الجاري مرت الذكرى السابعة والستين على ذلك التصريح الخطير، الذي أدلى به وزير خارجية «بريطانيا العظمى» - كما كانت تسمى في ذلك العصر- والذي تعهد فيه بمساعدة الصهاينة للوصول إلى غايتهم التي طالما حلموا بها، ولاقوا من أجلها فشلًا ذريعًا مرات ومرات، وهي إقامة الدولة الصهيونية في فلسطين قلب العالم الإسلامي.
ومع أن هذا الوعد كان الخطوة الأولى في مسلسل المخطط التآمري المستمر في كل ما تعرض ويتعرض له العرب والمسلمون، بدءًا من اغتصاب فلسطين عام 1948، ومرورًا باحتلال الأراضي العربية عام 1967م، بما فيها القدس المسلمة، ثم الغزو الصهيوني للبنان عام 1982، وما تبعه من إجهاض لحركة المقاومة الفلسطينية، وضرب الحركة الإسلامية في المنطقة باعتبارها السد المنيع في وجه مخططات يهود وسيادة العصر الأمريكي الصهيوني على المنطقة العربية، نقول -والألم يعتصر في قلوبنا دمًا- إنه ومع كل هذه الأبعاد الخطيرة لهذا الوعد فقد مرت عليه معظم الصحف العربية مرورًا عابرًا، وكأنه سحابة صيف وذكرى منسية لا تستحق الاعتبار، وكأن كوارث اليوم لیست حصيلة مؤامرات الأمس، وكأن مأساة فلسطين لیست نتيجة حتمية لتلك الخطوة المشؤومة التي أقدمت عليها بريطانيا عام ۱۹۱۷ م، وأن الشوك الذي نجنيه اليوم هو حصاد تلك البذرة الخبيثة التي دست في ترابنا المقدس، وتعهدتها وروتها فيما بعد الصليبية والشيوعية بماء الحق والكراهية لكل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة.
لقد كان وعد بلفور رمزًا صارخًا لتبني الغرب الصليبي لفكرة إيجاد وطن قومي لليهود في فلسطين، باعتباره جزءًا من خطة سرية كبرى شاركت في وضعها كل من روسيا القيصرية، وفرنسا، وبريطانيا في العاشر من أبريل عام 1915، حيث اتفقت الدول الثلاث فيما بينها على تقسيم العالم الإسلامي إلى مناطق تحكم، وسيطرة، ونفوذ.
ونظرًا إلى أن بريطانيا وقتها كانت دولة استعمار عظمى لا تغيب عن ممتلكاتها الشمس، لذا كانت رأس حربة لقوى الغدر الحاقدة والواجهة الأمامية للحلم الصليبي المتآمر على الإسلام وأهله، والذي يقف وراء جرائم كل القتل، والقهر، والإذلال، والتشريد لشعبنا المسلم في فلسطين خاصة، وفي باقي ديار العرب والمسلمين عامة. إننا نتساءل: هل انتهى التبني الصليبي للصهيونية بمجرد دعم فكرة إيجاد وطن قومي لليهود في فلسطين؟
وهل توقف التبني الصليبي الشيوعي بعد عام 1917م «استلام الشيوعيين الحكم في روسيا» عند حدود تقديم المساعدة لتنفيذ وتحقيق ما جاء في الوعد؟
وهل استمر هذا الاحتواء الكامل للصهيونية بعد أن تم اغتصاب فلسطين عام 1948م، الجواب لا، وألف لا؛ فالاحتواء الصليبي الشيوعي للصهيونية ما زال مستمرًا على امتداد الوطن العربي والإسلامي، وهو في ازدياد يومًا بعد يوم وبصورة علنية تصل إلى حد الوقاحة أحيانًا، ودون أن تأخذ دول الغرب أو الشرق أدنى اعتبار لمشاعر وأحاسيس أبناء أمتنا.
فها هي أمريكا التي انتقلت إليها زعامة الغرب الصليبي بعد الحرب العالمية الثانية تقف بكل إمكاناتها وطاقاتها وثرواتها تمد إسرائيل بكل أسلحة الفتك والدمار، وهي لا تفتأ تقدم لها الدعم السياسي والمعنوي في كل مناسبة وتحت أروقة الأمم المتحدة، وفي كافة المحافل الدولية لدرجة أصبح معها نجاح الرؤساء الأمريكيين في أية انتخابات أمريكية يتوقف على رضى الدوائر الصهيونية المتغلغلة في كافة الإدارات الأمريكية، وبات هؤلاء المرشحون يخطبون ود الصهاينة في كل مناسبة، فبالأمس القريب لبس ريغان القبعة اليهودية المعروفة، وألقى خطابًا في مؤتمر يهودي كدليل على التزامه بالصهيونية وولائه المطلق لليهود.
وها هي الشيوعية التي كانت أول من بادر للاعتراف بالكيان الصهيوني عام 1948م- لا تزال -رغم كل المواقف الدعائية التي تتظاهر بها- ترفد باستمرار العدو الصهيوني بدماء شابة مدربة، وكفاءات تقنية تساعدها على الاستمرار والبقاء، ثم يأتي المخدوعون من أبناء أمتنا ممن تستروا برداء الثورية والصمود ليمجدوا ويشيدوا بموقف الكتلة الشيوعية من قضايا أمتنا العادلة.
إذا فالشرق والغرب شريكان في الجريمة، شريكان في التآمر، شريكان في العداوة التاريخية للإسلام والمسلمين، شريكان في احتضان الصهيونية منذ نشأتها قبل وعد بلفور، وهما الآن متفقان على تصفية القضية الفلسطينية، ووضع العرب كل العرب في محطة السلام مع اليهود من أجل أن يحقق الصهاينة إنجازات جديدة تحت راية السلام المزعومة.
من هنا فإن المطلوب من الشعوب المسلمة أن تكون على وعي وإدراك لما يخطط لها في الخفاء فترفض أية صيغة من صيغ التعايش مع العدو الصهيوني الغاصب الذي يهدف من ورائه إلى محو عقيدة هذه الأمة، وإفساد عقول أبنائها، وتحقيق الهيمنة الشاملة على كل مقدراتها.
إننا مع كل عمل من شأنه أن يقتلع جذور هذا الوجود الطفيلي الغريب في جسم أمتنا، ونحن مع كل نظام يتبنى هذا النهج بصدق دون مواربة ولا خداع؛ لأن من شأن ذلك أن يجنب أمتنا المزيد من النكبات والآلآم.
إن مواجهة التآمر الدولي (الصليبي، الشيوعي، الصهيوني) لا يكون إلا بمحاربة شاملة سياسية، واقتصادية، وفكرية لكل أطراف التآمر، منطلقين في محاربتنا هذه من ثلاث نقاط أساسية:
1- مصالح الأمة الذاتية.
2- وضع إستراتيجية كاملة نجابه بها مخططات التآمر.
3- تعبئة أيديولوجية عقائدية تتفق مع توجهات الأمة وعقيدة أبنائها.
فاليهود ينطلقون في العالم معتمدين على عقيدة باطلة، ونحن المسلمين أولى وأحق من أية جهة بالاعتماد على عقيدتنا الإسلامية الصادقة، إن كل ما أصابنا ويصيبنا من هزائم ونكسات إنما هو بسبب بعدنا عن الإسلام منهجًا، وعقيدة، ودستور حكم، وراية جهاد.
فيا أيها المسلمون، إنه ليس من قوة قادرة على تخليص الأمة من كيد أعدائها سوى قوة الإسلام النامية الواعية المصممة، القادرة على إنقاذ المسلمين من كل مؤامرات الأعداء، وعندها يتبدل خوفنا أمنًا، وقلقنا طمأنينة، وفقرنا غنى، وجهلنا علمًا، ويستعيد المسلمون عزهم ومجدهم، وصدق الله العظيم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾ (النور:55).