العنوان وفاة «عجيب» تفتح ملف «الترحيل المميت» من أوروبا!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1354
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 15-يونيو-1999
يلجأ كثيرون من شباب الدول العربية والإسلامية إلى النزوح إلى الدول الأوروبية بحثًا عن فرص عمل أو مستويات حياة أفضل أو هروبًا من الفقر أو المشكلات الشخصية، حالمين بعالم وردي من الرغد والرخاء غير متصورين أنهم يمكن أن يعودوا يومًا ما إلى بلادهم جثثا هامدة، نتيجة سوء المعاملة أو العنصرية، أو مشاعر الكراهية التي يمكن أن يجابهوها من بعض مواطني هذه البلدان.
وآخر الماسي في هذا المضمار قصة الشاب السوداني عمر عجيب الذي هاجر من بلاده إلى ألمانيا، بحثًا عن لقمة العيش، وبعد أن تزوج من ألمانية، واستقر في البلاد، تعرض للإيذاء الشديد من رجال الشرطة وصل إلى درجة الموت أثناء ترحيله.
وقد كذب المسؤولون في السفارة السودانية بألمانيا ما ذكرته الشرطة الألمانية حول الظروف التي أحاطت بوفاة «عجيب» في مطار فرانكفورت أثناء ترحيله قسرًا إلى بلاده في التاسع والعشرين من مايو الماضي.
واعتبرت السفارة الحادث جريمة قتل عمد.
وكان المدعي العام لمنطقة لاندشوت القريبة من فرانکفورت قد أعلن في بيان مقتضب، أن المواطن السوداني قد فارق الحياة، بعد أن وضع أفراد الشرطة الألمانية خوذة سائق الدراجات البخارية فوق رأسه بالقوة لمنعه من مقاومة إجراءات الترحيل بعد رفض السلطات الألمانية طلبه الحصول على اللجوء السياسي.
وفي ميونيخ، حيث كان المواطن المتوفى يسكن قال أحد مسؤولي المركز الإسلامي -بعد أن عبر عن تأثره الشديد لحادث الوفاة- إن كل ما ورد في بيان الشرطة الألمانية كذب جملة وتفصيلًا، فعمر عجيب، لم يكن إطلاقًا طالب لجوء، بل مقيمًا في ألمانيا بصورة قانونية منذ وصوله إليها عام ۱۹۹۳م، وعقب خلاف بينه وبين زوجته الألمانية دبرت له الأخيرة بالاتفاق مع محاميها مكيدة قانونية، إذ ادعت للسلطات حصولها منه على الطلاق، وكان هذا هو سبب قيام الشرطة بالقبض عليه وتنفيذ إجراءات الترحيل بسرعة قياسية.
ومن جانبه، أيد الملحق الإعلامي للسفارة السودانية خلال مؤتمر صحفي هذه الرواية، وأكد أن عجيب توفي نتيجة لمعاملة قاسية ووحشية لقيها من رجال الشرطة الألمان الذين قيدوه بالسلاسل من يديه وقدميه، وقاموا بترحيله دون إخطار محاميه أو السفارة بما جرى.
وكانت السفارة السودانية قد أرسلت مذكرة احتجاج لوزارة الخارجية الألمانية التي حولتها الوزارة العدل بعد أن اعتبرت مطالب السفارة بإعادة تشريح الجثة في وجود لجنة أطباء عينتهم السفارة مطالب موضوعية، وهو ما أيده أيضًا السفير الألماني في الخرطوم د. اوم الذي دعا حكومته إلى إجراء تحقيق عادل في القضية.
أما ديتركور نبلوم محامي عجيب، فقد تهكم مما ذكرته الشرطة الألمانية في تقرير التشريح بعدم وجود سبب واضح للوفاة.
وقد أثارت وفاة المواطن السوداني ضجة شديدة داخل ألمانيا، وأصدر وزير الداخلية أوتوشيلي قرارًا لشرطة المطارات والحدود بوقف تسفير الأجانب الذين يتوقع رجال الشرطة أنهم سيبدون مقاومة عنيفة أثناء إعادتهم إلى بلدانهم.
من جهتها، حملت منظمة برو أزول المدافعة عن حقوق اللاجئين رجال الشرطة المسؤولية عن النتائج التي ترتبت على عنفهم غير الإنساني المنظم.
وذكر الحادث بانتقاد لجنة مناهضة التعذيب التابعة للمجلس الأوروبي لتعامل السلطات الألمانية مع الأجانب المسفرين قسراً من المانيا، ووصفته باللاإنسانية.
وقالت اللجنة في تقريرها الصادر في العام الماضي حول حقوق الإنسان في ٤٠ دولة أوروبية إن رجال شرطة الحدود الألمانية يقومون في الطريق إلى المطار أو موقع التسفير بتقييد المرحلين من أياديهم وأقدامهم، وتخديرهم.
ويرى معنيون بحقوق الإنسان في أوروبا أن حادث وفاة المواطن السوداني في أثناء ترحيله لا يجعل ألمانيا استثناء في هذا المجال، ففي سبتمبر الماضي، علقت الحكومة البلجيكية مؤقتًا عملية ترحيل طالبي اللجوء السياسي الأجانب عقب مقتل الفتاة النيجيرية سميرة أدمو بعد أن كتم رجال الشرطة المكلفون بترحيلها أنفاسها بواسطة وسادة لمنعها من الصراخ في أثناء اقتيادها إلى الطائرة، مما أدى لمصرعها.
وتسبب الحادث وقتها في إقالة وزير الداخلية البلجيكي لويس توباك الذي سمح لرجال الشرطة باستخدام هذا الأسلوب في عمليات التسفير. وفي النمسا، تسببت وفاة لاجئ نيجيري شاب في أثناء قيام رجال الشرطة بترحيله أوائل مايو الماضي، في حدوث أزمة سياسية وأخلاقية لا تزال آثارها مستمرة.
ويبدو أن الحكومة الهولندية قد استوعبت الدروس الناتجة عن هذه الحوادث مبكرًا، فأبعدت شرطتها عن عمليات الترحيل، وبعد اتخاذها قرارًا بإعادة أعداد كبيرة من اللاجئين إلى بلادهم دون مراعاة للمخاطر التي تنتظرهم أسندت حكومة أمستردام عمليات التسفير القسري الشركات طيران خاصة لديها شرطتها الخاصة القادرة على التعامل مع هؤلاء اللاجئين التعساء بشتى الوسائل، والحيل.