العنوان وقعت الواقعة.. فعلها الشيخ!!
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 10-يناير-2004
مشاهدات 84
نشر في العدد 1584
نشر في الصفحة 23
السبت 10-يناير-2004
ما توقعته، وتمنيت ألا يفعله شيخ الأزهر، حدث، فقد عاد وزير الداخلية الفرنسي «نيكولاس ساركوزي»، قادمًا من القاهرة ومعه فتوى أو رخصة من شيخ الأزهر، يجيز لحكومته نزع حجاب المسلمات الفرنسيات وغير الفرنسيات في المدارس ودور العمل، بوصفها خطوة في الطريق إلى نزع حجابهن في كل مكان خارج بيوتهن، وربما في داخلها مستقبلًا.
كنت قد تحدثت عن موقف مشرف للفاتيكان أو أسقفية كانتبري وشخصيات ومنظمات في ألمانيا، ضد منهج الحكومة الفرنسية وعدوانها على الحرية الشخصية وإهدارها لحق من حقوق الإنسان في الإيمان والاعتقاد والسلوك.. وتمنيت أن يحذو «شيخ الأزهر»، حذو هذا الموقف أو يلزم الصمت إذا كان غير قادر على التعبير عن رأيه الحقيقي القائم على أسس الإسلام وقواعده، ولكن الشيخ فاجأنا بمنح الوزير الفرنسي فوق ما كان يحلم به، وخالف علماء الدين، سنة وشيعة في جميع أنحاء العالم، وأعطى لموطن الصليبية الاستعمارية الأول حق نزع حجاب المسلمات تحت دعوى الضرورات تبيح المحظورات.
الشيخ يعلم، وعلماء المسلمين يعلمون أن الضرورة هي ما يتعلق بحياة الإنسان أو موته، فأكل الميتة أو لحم الخنزير مثلًا يصبح مباحًا للضرورة حين تكون حياة الإنسان معرضة لخطر الموت، كأن يكون في صحراء قاحلة، أو في مجاعة عامة، أو في فقر تام بحيث لا يجد طعامًا ويشرف على الموت، هنا تتحقق الضرورة، لأنها تتعلق بحفظ الحياة، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة:3).
الضرورة هنا واضحة في الآية الكريمة التي تشير إلى يأس الذين كفروا وإخفاقهم العظيم في النيل من الإسلام، بعد أن صار حقيقة واقعة على الأرض، وبعد أن اكتمل بفضل الله، وتمت النعمة الكبرى بالانضواء تحت لوائه، فمن تضطره المخمصة «المجاعة» إلى أكل شيء من المحرمات التي ذكرت في الآية الكريمة دون أن يقصد إلى مخالفة التشريع، فإن الله غفور رحيم.
القياس على هذه الضرورة أو غيرها في موضوع نزع حجاب المسلمات في فرنسا، قياس فاسد فلا توجد ضرورة لنزعه، لأن نزعه لا يترتب عليه بقاء الحياة، كما لا يترتب على استمراره الموت، فالمسلمات يستطعن تحمل البعد عن المدارس الحكومية والالتحاق بالمدارس الخاصة، ومن تقعد منهن عن العمل فهي مسؤولة من زوجها أو ولي أمرها، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى فإن الحكومة الفرنسية يمكن ردها عن قرارها العدواني الظالم برفضه أولًا، وإقناع هذه الحكومة ثانيًا، بأنها ستخسر في حال تطبيقه كثيرًا، وثالثًا فإنه يمكن مواجهتها بتطبيق قرارات مماثلة على الفرنسيات غير المسلمات بعدم السماح لهن بدخول بلاد المسلمين سواء كن في البعثات الدبلوماسية أو غيرها، وإغلاق المدارس والجامعات الفرنسية القائمة في العالم الإسلامي، والتي يقوم على العمل فيها - ويا للمفارقة -العديد من الراهبات اللاتي يرتدين الحجاب، علمًا أن مهمة المدارس والجامعات الفرنسية مهمة تبشيرية في المقام الأول قبل تعليم اللغة الفرنسية أو حضارة بلاد الغال.
لا توجد ضرورة لتخلع نساء المسلمين في فرنسا حجابهن، ولا يوجد مسوغ يدفع شيخ الأزهر -المرجعية الإسلامية الأولى في العالم -كي يجيز للتعصب الصليبي الاستعماري أن يفرض إرادته على نحو خمسة ملايين مسلم في فرنسا.
كنت أتوقع من فضيلة الإمام الأكبر أن يأخذ بفقه العزة الإسلامية لا فقه الانبطاح السائد، ويبلغ الوزير الفرنسي أن ما يفعلونه نقطة سوداء في تاريخ الإنسانية تضاف إلى العديد من النقاط السود في تاريخ أوروبا عامة وفرنسا خاصة في اضطهادها الإسلام والمسلمين، وبفكرها الشاذ والمخزي للمبادئ التي ترفعها في كل حين ومكان، وما تنادي به حول حقوق الإنسان والإخاء والمساواة، وكان يفترض أن ينبه شيخ الأزهر وزير الداخلية الفرنسي إلى الفصام النكد الذي يعيشه الفرنسيون من قامت ثورتهم حتى الآن، حين يعلنون مبادئ براقة تستهوي الناس، وينخدع بها السذج والبسطاء في العالم، ثم يقومون بغارات صليبية استعمارية ضد الشعوب الإسلامية، فما كادت الثورة الفرنسية تنتصر حتى خرج الصليبي الاستعماري نابليون بونابرت ليحتل مصر والشام، ويربط خيوله في الأزهر الشريف، بعد أن حصدت قواته أرواح الآلاف من المصريين البسطاء المسالمين، ونهبت أقواتهم ومحاصيلهم وممتلكاتهم ودوابهم، وتتابعت العمليات الإجرامية الاستعمارية للقوات الفرنسية في شتى أرجاء العالم العربي الإسلامي على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين.
كان يجب على الشيخ أن يقول للوزير إن فرنسا بذلك تضطهد الإسلام، وتمارس تمييزًا عنصريًّا ضد المسلمين على أرضها، وهم الذين يعملون بإخلاص لبناء اقتصادها، ودعم وجودها في شتَّى الميادين بدءًا من الصناعة حتى كرة القدم، فيجب على الفرنسيين غير المسلمين أن يحترموا العقيدة الإسلامية فلا يسخروا منها، ولا يهاجموها في المسرح والسينما والصحافة والتلفزة، والكتب الصادرة عن دور النشر الكبرى، ويجب على فرنسا ألا تحتضن من يعادون الإسلام من أبناء المسلمين حين يلجؤون إليها، بحجة حماية الحرية، في الوقت الذي تحرم فيه على المسلمين حرية التعبير عن دينهم وعقيدتهم.
ولا عزاء للمسلمين فيما آل إليه أمر الأزهر الشريف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل