; وقفات تربوية | مجلة المجتمع

العنوان وقفات تربوية

الكاتب أبو براء

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1989

مشاهدات 61

نشر في العدد 946

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 19-ديسمبر-1989

﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 92)

كم أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، ولإعلاء كلمته ودعوة قومه إلى الإسلام، لقد طرد من بلده وهي أحب بلاد الله إليه، وقتل أصحابه وعذبوا وسلبت أموالهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت حتى لم يجدوا مكانًا يفرون إليه، ولكن الأمر تغير فقد أظهره الله تعالى بعد مدة من الزمن اتسمت بالجهاد والصبر والتضحيات والثبات على الحق.

فماذا فعل بمن طرده وفتنه عن دينه، وسلب حقه وحق أصحابه، فهذا يوم الفتح قد فتح الله مكة للمسلمين بدون قتال وبدون شروط، فهو يوم الانتقام ويوم رد الحقوق لأصحابها، ومجازاة كل نفس بما كسبت، ولكن ما رأيناه منه صلى الله عليه وسلم أكبر مما يوصف أو يذكر فهو موقف ما بعده موقف يدل على خلقه الرفيع وأدبه العظيم. فهذا عمر بن الخطاب يروي لنا قصة الفتح وهذا المشهد العظيم: «لما كان يوم الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام (وهم سادة قريش وعقلها الذي يدبر لها)، قال عمر رضي الله عنه، قلت: لقد أمكن الله منهم لأعرفنهم بما صنعوا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 92)».

انظر إلى هذا الخلق الرفيع وإلى عظم رحمته وتمسكه بأخلاقه حتى في هذا الموطن، ترفع على أن ينتقم لنفسه، بل قابل العقوق والظلم الذي وقع من قومه بالعفو والرحمة والاستغفار لهم، فهل بعد هذا التسامح من تسامح؟ وهل بعد هذه الرحمة من رحمة؟ جل من قال وهو أصدق القائلين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107).

قد ملأ الله قلب نبيه بالرحمة والحنان لأنه رحمة للعالمين، هاديًا وبشيرًا ونذيرًا، ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، ولم يعرف الانتقام إلى قلبه بل كان قلبه مليئًا بالرحمة كريمًا جوادًا.

بهذه الأخلاق الرفيعة ملك بها قلوب الناس، ودخل بها إلى سويداء القلوب، وفتح بها أقفال القلوب القاسية الجافة، وأوصل دعوته إلى الناس كافة حتى أتم الله له دينه وأقر عينه وأتاه الناس أفواجًا.

فنحن اليوم بأشد الحاجة إلى هذه الأخلاق الكريمة؛ لنزيل بها الحواجز والسدود التي فرضت بيننا وبين كثير من الناس، وأن نغمر قلوبنا وسلوكنا بالرحمة والتسامح والحب، ونجعل هذا منهجًا وأسلوبًا في التربية والعلاقات، ونهدم به الباطل والفساد والفرقة والشقاق ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل