; وقفات مع اليسار الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان وقفات مع اليسار الإسلامي

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989

مشاهدات 65

نشر في العدد 902

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 31-يناير-1989

(۲)

الروافد اليهودية في فكر الدكتور حسن حنفي

*الأتراك هم الذين فرضوا الحصار على فيينا في قلب أوروبا مرتين باسم الإسلام وليس باسم الترك

* حسن حنفي يريد إخضاع القرآن الكريم للنقد التاريخي؛ وفقًا لمنهج فيلسوفه اليهودي سبينوزا

شرحنا في وقفتنا الأولى مع اليسار الإسلامي كيف أن الدكتور «حسن حنفي» ينظر إلى تراثنا القديم «بعين أوروبية وبعقلية أوروبية وبمنهج أوروبي»، وأنه لا يعمل حقيقة على إحياء التراث بقدر ما يعمل على تشويهه وتدميره، وإذا كنا قد استرشدنا في إثبات ذلك في الوقفة الأولى بالانتقادات التي وجهها إليه صديقه «العدو اللدود للتراث القديم»، وهو الدكتور «فؤاد زكريا»، فإننا سنسترشد في هذه الوقفة بالدكتور «حسن حنفي» ذاته.

  • في مارس ١٩٦٩ نشر الدكتور «حسن حنفي» مقالة بعنوان «رسالة في اللاهوت والسياسة»، وفي عام ۱۹۷۱ طور «الدكتور» هذه المقالة، وجعلنا مقدمة للترجمة التي قام بها للرسالة الأصلية بعنوان: «سبينوزا - رسالة في اللاهوت والسياسة»، وراجع الترجمة الدكتور «فؤاد زكريا» أيضًا.

 والرسالة المعنية هي أصلًا للفيلسوف اليهودي «باروخ سبينوزا» أو «بندكت سبينوزا» بعد أن غير اسمه اليهودي من باروخ إلى بندكت، ولا يرى الكتاب الغربيون في «سبينوزا» مجرد فيلسوف فقط بل ينظرون إليه «كنبي» أيضًا، ومنهم على سبيل المثال «ج. جروين في كتاب SPINOZA ON KNOWING ص ٦١»، وكذلك أيضا «جيمس جاتمان الذي قال في مقدمة كتابه ETHICS... BY SPINOZA ما ترجمته «لكي نفهم أي نبي تمامًا، فإننا كما قال ماتيوز أرنولد في مقالته – سبينوزا، والكتاب المقدس- يجب أن نتعرف على حياته وشخصيته، وأهدافه التي يسعى إليها، والظروف التي ألف فيها كتابه، ومن أي بلد، وعبر أي أياد وصل إلينا هذا الكتاب. إن مقولة ماتيوز هذه يمكن تعميمها على المؤلفين الآخرين، ومنهم - سبينوزا – حتما».

لماذا طرد سبينوزا؟

في ٢٧ يوليو عام ١٦٥٦ أصدر یهود أمستردام قرارًا بطرد «سبينوزا» من المجتمع "الإسرائيلي"، وجاء في قرار الطرد الآتي: (حاول رؤساء المجلس الإكليريكي بطرق متعددة وبوعود مختلفة بعد أن أحيطوا علمًا وبدرجة كافية بالآراء والتصرفات الشيطانية لباروخ سبينوزا صرفه عن طريقه الشيطاني، ولما لم تكن هناك جدوى من محاولات تصحيح أفكاره وإبعاده عن الهرطقة، التي يضمرها ويعترف بها، وبل وبالغطرسة، التي يعبر بها عن هذه الهرطقة، التي ذاعت وانتشرت على مسمع وشهادة من هو موثوق فيهم، فإن رؤساء المجلس قد ناقشوا القضية كلها وأصدروا قرارهم بحرمان المدعو «سبينوزا» من شركة المؤمنين، وطرده من شعب "إسرائيل"، ووضعه اعتبارًا من هذه الساعة في قائمة المحرومين والملعونين، فلتلعنه ملائكة الأسبوع السبعة، وبأفواه تابعيهم، ومن يحاربون تحت ألويتهم، ولتلعنه ملائكة فصول السنة الأربعة وتابعيهم، ومن يحاربون تحت ألويتهم، وليكن ملعونًا من الله القوي الشديد، ونسأل الله ألا يغفر له ذنوبه، وأن يحرمه من كل أسباط بني "إسرائيل"، ونحن نحذر أي أحد من التحدث إليه بفمه ولو بكلمة أو بالكتابة إليه أو بأداء خدمة إليه، وألا يعيش معه تحت سقف واحد أو يقرأ أي كلمة يكتبها». 

الذي فعله «سبينوزا» هو أنه اتبع منهجًا نقديًّا علميًّا في دراسته للتوراة والإنجيل، وتوصل باستخدام هذا المنهج إلى نتائج مؤداها أنهما قد حرفا «الرسالة ٢٦٥»، وإن موسى - عليه السلام - لم يؤلف الأسفار الخمسة (٢٦٦)، وإن هناك شخصًا آخر قد كتبها عاش بعد موسى بقرون عديدة (۲۷۱)، وإن «عزرا» هو الذي أجرى هذه التعديلات في التوراة والإنجيل؛ لأنه هو الذي شرحهما لمعاصريه (۲۸۱)، وأن هناك العديد من القراءات المشكوك فيها (۲۹۸)، وتوصل «سبينوزا» أيضًا إلى أنه ليس لليهود الآن ما يعزونه لأنفسهم مما هو خليق بأن يضعهم فوق سائر الأمم، وأنه - أي «سبينوزا» - لا يعتقد بأن اليهود هم شعب الله المختار (۱۸۸- ۱۸۹).

حنفي وتناقضات المسيحية:

ومنذ بضع سنوات فقط أعد الدكتور «حسن حنفي» مقاله بعنوان: «الاغتراب الديني عند فيورباخ - مجلة عالم الفكر مجلد ١٠ ص ٦٣» أثبت فيها التناقضات القائمة في المسيحية سواء في نظرتها لوجود الله وماهيته والتصورات الفلسفية عنه، وكذلك التناقضات القائمة في التثليث والوحي والطقوس، وفي الإيمان والحب والإنسان بوجه عام

ولو كان الدكتور «حسن حنفي» - فقيهنا القديم - كما أطلق على نفسه قد كرس قدراته وإمكانياته البحثية - الفريدة من نوعها فعلًا - في توظيف ما توصل إليه من نتائج دراسته عن تحريف التوراة والإنجيل لكل من «سبينوزا» و «فيور باخ» فقط لخدمة الإسلام؛ لأصبح اليوم أشهر من الداعية «أحمد ديدات»، ولبلغت سمعته الآفاق، ولكن «الدكتور» يريد أن يكون «داعية»، ولكن من نوع مخالف آخر لنوع «أحمد ديدات».

مغالطة:

الذي فعله «الدكتور» أنه أراد أن يطبق نفس المنهج الذي طبقه «سبينوزا»، وأثبت به تحريف التوراة والإنجيل، أراد «الدكتور» أن يطبقه على التراث الإسلامي عامة، وعلى القرآن خاصة غير عابئ بقوله تعالى:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9)؛ لأن القول الفصل في نظر الدكتور هو لفيلسوفه اليهودي، ولأن هذا التطبيق هو السبيل التوضيح أصالة «سبينوزا» وجدته في تفسير الكتب المقدسة، والدكتور لا يخجل من كتابة ذلك بصراحة مطلقة، حينما يتحدث عن الهدف الثالث من أهداف كتابته لمقدمة الترجمة، فيقول في ص 7 : «والثالثة هي إسقاط المادة التي عمل عليها سبينوزا وإحلال مادة أخرى محلها مع الإبقاء على نفس المنهج أعني إسقاط التراث اليهودي، وإحلال تراث ديني آخر، وليكن التراث الإسلامي»؛ حتى تتضح جدة سبينوزا وأصالته فيما يتعلق بتفسير الكتب المقدسة.

وبالرغم من أن الدكتور «فؤاد زكريا» وهو عدو التراث القديم، قد حذره «في دفاعه عن الثقافة العالمية - الفكر المعاصر مجلد ١٣ يناير ۱۹۷۱» في ص ۳۳ من أن نصوص القرآن من المفروض أن تظل ثابتة؛ لأنها منزلة، وأن اتجاه التفسير التاريخي يرد كل النصوص الثابت منها والمحرف إلى أصول تاريخية، فإن الدكتور «حسن حنفي» لم يلتفت إلى هذا التحذير، وتمادى في اتباع «سبينوزا» - حذو القذة بالقذة - حتى وقع في المحظور، وأعلن رفضه للحفظ الحرفي للقرآن، واعتبر ذلك نظرية لاهوتية صرفه تهرب من النقد، وتلجأ إلى السلطة الإلهية

يقول الدكتور في ص ٢١ - ٢٢ : «يغالي البعض وأكثرهم من اللاهوتيين المحافظين، ويدعون أن الله قد حفظ كتابه من التغيير والتبديل، وأن العناية الإلهية هي الحافظة للنصوص، ومن ثم فلا داعي هناك لتطبيق قواعد المنهج التاريخي على النصوص الدينية، وإقامة نقد تاريخي للكتب المقدسة.

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(الحجر: 9)، وهي نظرية لاهوتية صرفة، تهرب من النقد، وتلجأ للسلطة الإلهية، وهي شبيهة بالصدق الإلهي عند ديكارت فيما يتعلق بالمعرفة الإنسانية، وقد يكون معنى الآية هو حفظ المعنى وحفظ تطبيق المعنى في الواقع لا حفظ النص الحرفي المدون، فذلك ما يعتبر به التغيير والتحريف والتبديل، وهذا ما يتهم به القرآن أهل الكتاب ويؤيده النقد التاريخي للكتب المقدسة.

 نصب «الدكتور» من نفسه إذن مفسًرا جديدا إلى جانب أئمة التفسير كالطبري والقرطبي والسيوطي وغيرهم، يفسر آيات الله بالطريقة التي تمكنه من إخضاع كتاب الله لمنهج الفيلسوف اليهودي «سبينوزا»، ويقر «الدكتور» بأن ذلك يعتبر تعديًا صارخًا منه على هؤلاء الأئمة المفسرين، كما أشار في الفقرة الأولى من مقدمته في (ص 5)

و«الدكتور» الذي يرى أن حفظ الله للقرآن هو حفظ للمعنى وليس حفظًا للنص الحرفي المدون، إنما يشير صراحة إلى إمكانية التحريف في القرآن، ما الذي يتوقعه الإسلاميون من ذوي النوايا الطيبة من الدكتور «حسن حنفي» أكثر من ذلك حتى يرضى اليهود من أمثال «سبينوزا»؟.

ولنعد إلى كتب التفسير التي تعدى عليها - فقيهنا القديم - ولننظر بماذا تفسر قوله تعالى﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9)، في الفتوحات الإلهية ج ٢ ، ص ٥٣٩: «بخلاف سائر الكتب المنزلة، فقد دخل فيها التحريف والتبديل بخلاف القرآن، فإنه محفوظ من ذلك لا يقدر أحد من جميع الخلق الأنس والجن أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفًا واحدًا أو كلمة واحدة»، في البيضاوي ص ۵۳۸: «الحفظ من التحريف والزيادة والنقص» في حاشية البيضاوي من تفسير الجلالين والسيوطي ص ٨: «الحفظ من التبديل والتحريف والزيادة والنقص»، في هامش النيسابوري من تفسير الطبري ج ١٤ ص ٨: «حتى لو أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن في حرف من كتاب الله لقال له بعض الصبيان أخطأت»، ويورد القرطبي في تفسيره ج ١٠ ص ٦ واقعة اليهودي، الذي عاد إلى المأمون مسلمًا بعد عام كامل من دعوة المأمون له بالإسلام، أخبر اليهودي المأمون بأن أجرى زيادة ونقصًا في التوراة والإنجيل وباعهما في البيع والكنائس، ولم يعترض عليه أحد، وأجرى مثل ذلك في القرآن لكن الوراقين ردوها عليه، فعلم أن ذلك كتاب محفوظ، وكان هذا سبب إسلامه، وفي الظلال ص ۲۱۲۸ لا يبدل فيه كلمة ولا حرف من جملة.

حقائق في كتب التفسير:

ولنبدأ القصة من أولها مع «حسن حنفي» و«سبينوزا»، حينما اختار الدكتور «حسن حنفي» رسالة «سبينوزا» لترجمتها إلى العربية، لم يكن اختياره لها عشوائيًّا، وإنما الحاجة ما في نفسه كما يعترف في إشارته إلى «أن القضية تحولت عنده من الذاتية إلى الموضوعية ص ٥»، ولما لم يستطع إخراج ما في نفسه على الملأ؛ لأن القضية تمس العقيدة، ويعتبر الخوض فيها جرأة على عقلية مجتمع وتعد صارخ على أهل التخصص من العلماء والفقهاء، وكليهما في نظر «الدكتور» لم يبلغا من التطوير والتنوير ما يجعلهما قادرين على أن يقبلا بسهولة ما يحدثه الدكتور في أمر دينهم، فإنه قد وجد في رسالة «سبينوزا» الملاذ والمخرج والستار، الذي يختبئ من ورائه؛ ليحدث في أمر الدين ما يريد أن يحدثه. واعتبر «الدكتور» أن اختياره المتعمد لترجمة هذه الرسالة هو تأليف غير مباشر، ومن ثم فإنه أي «الدكتور» يعتبر المؤلف غير المباشر لهذه الرسالة، فالرسالة في الواقع تقول ما يريد أن يقوله «الدكتور»، والفقرات الآتية التي وردت في ص 5 هي التي استند إليها فيما نقول: «إن اختيار نصوص بعينها للترجمة في حد ذاته تأليف غير مباشر، ويكون المؤلف في هذه الحالة مؤلفا بطريق غير مباشر، وقد يكون الدافع لا تباع هذا المنهج - التأليف من خلال الترجمة - هو حساسية الموضوع بالنسبة لبعض الطوائف، التي ترى فيه تعديًا صارخًا على حقوقها أو جرأة على عقلية مجتمع ما لم يبلغ من التطور والتنوير ما يستطيع به تقبل الموضوع الجديد بسهولة ويسر، أو تعبيرًا للمترجم عن نفسه من خلال الآخرين حتى تتحول القضية من الذاتية إلى الموضوعية».

ويری (الدكتور) في الفيلسوف اليهودي داعية يعتمد في إبلاغ رسالته على التأليف الواعي لما يناسب العصر واحتياجاته، ومن ثم فإن المترجم يرى من نفسه «داعية» أيضًا؛ لأنه يسعى - أي المترجم - إلى نفس الغرض، الذي يسعى إليه المؤلف. يقول «الدكتور» في ص 5: «مهما يكن من شيء فالترجمة المختارة اختيارًا دقيقًا لما يناسب التأليف الحضاري والترجمة الهادفة تخدم نفس الغرض، الذي يسعى إليه التأليف الواعي للداعية».

جماهير جاهلة:

أما هؤلاء الذين يقدم إليهم فقيهنا المفكر، فهم هذه الجماهير الجاهلة لأمر دينها، والتي تنتظر تنوير الدكتور «حسن حنفي»، يقول «الدكتور» في ص ۸: «ولكننا شئنا في هذه المقدمة اتباع الأسلوب السهل اليسير، فهي مكتوبة للجمهور العريض لا للصفوة المثقفة حتى يعم الانتفاع بها ما دامت مهمة «المفكر!» الحالية هي إعطاء أكبر قدر من التنوير لأكبر عدد ممكن من الناس».

ولأن «الدكتور» يعبر عن نفسه من خلال «سبينوزا» كما في قوله في ص 5: «أو تعبيرًا للمترجم عن نفسه من خلال الآخرين»، فإنه من المنطقي ألا نجد في مقدمته إلا كل تأييد وتصديق وتسليم بآراء «سبينوزا» دون زيادة أو نقصان فهو يتبعه شبرا بشبر، وذراعا بذراع؛ حتى إذا دخل حجر ضب لدخله كما يقول رسولنا - صلى الله عليه وسلم -، وليس الأمر عند «الدكتور» مجرد التأييد فقط لما يقوله فيلسوفه المفضل، إنما هو التأييد والتطبيق والتطوير لهذه الآراء وإعطاؤها إلى جانب ذلك تحليلات جديدة تدفع أفكار «سبينوزا» إلى أقصى حد ممكن يستخلص منها أبعد نتائجها.

 وهذا في نظر «الدكتور» هو ميزة الفكر الخصب أو المنهج الأصيل، الذي يولد بالتعامل معه أفكارًا أخرى. يقول الدكتور في حاشية ص5: «اقتصرنا في هذه المقدمة على العرض الموضوعي المحايد لأفكار سبينوزا ومفاهيمه في تحليل النص الديني، ولم نشأ التدخل من جانبنا بالزيادة أو النقصان، فهي مقدمة تؤكد ثانية على تحليلات سبينوزا أكثر مما تضيف جديدًا إليها». ويقول «الدكتور» في ص ٦ عن «الغرض من مقدمة ترجمته الغرض هو تطوير محاولة سبينوزا بإعطاء تحليلات جديدة ودفع أفكاره إلى أقصى حدودها واستخلاص نتائجها، وعلى هذا النحو لا يعني التقديم مجرد العرض، بل التطوير والتطبيق والتأييد، وهذه ميزة الفكر الخصب أو المنهج الأصيل، الذي يولد بالتعامل معه أفكار أخرى».

حنفي يسلم بآراء سبينوزا!!

وواقع الأمر أن الفيلسوف اليهودي «سبينوزا» هو الذي شجع «الدكتور» على التجرؤ على التراث الإسلامي وعلى القرآن، بالرغم من اعترافه أي «سبينوزا» بنقص إمكانياته اللغوية والثقافية، وذلك بتعميمه تحليلاته على مختلف الديانات ومنها «الإسلام» بالطبع. يقول «الدكتور» في ص 7: «وكان سبينوزا نفسه يود تعميم تحليلاته على الديانات الأخرى لولا إمكانياته اللغوية والثقافية، ومع ذلك فقد عمم «سبينوزا» تحليلاته على قدر ما استطاع على التراث المسيحي واليهودي واليوناني والروماني والإسلامي». 

ولأن «الدكتور» يسلم تمامًا بكل آراء «سبينوزا» أو لأنه يجد فيها ترجمة عما يدور في نفسه فإنه لم يعلق بكلمة على قول هذا الفيلسوف اليهودي: «فإن القرآن مجرد إشعار لمن يقرؤها، ولا يستفاد فيها في الحياة العملية» ص 7، بل إن الدكتور عرض لهذه الفكرة في ثنايا بيانه بصورة التراث الإسلامي عند «سبينوزا»، مؤكدًا أن لها ما يشابهها في التراث الإسلامي عند الفلاسفة» ص ٧.

بقيت نقطة أخيرة في هذه الوقفة تحتاج إلى توضيح وجلاء؛ حتى لبعض الإسلاميين المخلصين نعرض لها من خلال آراء «سبينوزا»، وتصديق الدكتور «حسن حنفي عليها».

يقول الدكتور في ص ٧: «ومع أن صورة التراث الإسلامي عند سبينوزا مأخوذة من العصر التركي؛ حتى ليتحدث عن الأتراك، ويقصد بهم المسلمين، وهي صورة الطغيان الفكري، والتعصب الجاهل واضطهاد المؤمنين وسيادة الأحكام السابقة والوقوع في الخرافة».

سبينوزا حاقد على الأتراك!!

ونحن نوضح للدكتور أن حقد «سبينوزا» على الأتراك له ما يبرره كما لا تعجب من تصديق «الدكتور» لما يقوله فيلسوفه، كما أشرنا إليه سابقًا

لا يعلم الدكتور أن «الأتراك» هم الذين وضعوا الحصار على «فيينا» في قلب أوروبا مرتين باسم «الإسلام» وليس باسم «الترك». هؤلاء «الأتراك» هم الذين قال عنهم - لين بول -: «لقد أحيوا عصبية المسلمين بعد ركودها وأوجدوا جيلًا من المحاربين المسلمين المتعصبين الذين يرجع إليهم أكثر من أي شيء آخر ما مني به الصليبيون من إخفاق في مرات عديدة»، وقال عنهم - أ. انكلهارد - أحد سفراء فرنسا في تركيا: «في الحقيقة أن الإسلام الذي كان مؤسس الحكومة العثمانية بقي حاكمًا مطلقًا فوق الحكومة ناظمًا، فقد كان القانون المدني متحدًا مع القرآن، ولكون تشكيلات الأمة اشتبكت بالعقائد الدينية بحيث لا يمكن تفريق بعضها عن بعض كانت تشكيلات الأمة لا تقبل التغيير كالعقائد الدينية».

وعن ادعاء «سبينوزا» عن اضطهاد الأتراك للمؤمنين يقول السفير الفرنسي ولا شبهة في كون الدولة العثمانية المتمسكة بقانون الشريعة الإسلامية لا تظلم أحدًا من سكان بلادها مهما كان جنسه ودينه».

وفي نفس النقطة يقول الوزير الروماني – ديجوفارا-: «العداوة الحقيقية كانت عداوة النصارى للمسلمين برغم تسامح المسلمين في الحرية الدينية، التي يتمتع بها المسيحيون في السلطنة العثمانية».

 ولا يعلم «الدكتور» أن الوزير الروماني كان قد أحصى مائة مشروع لتقسيم تركيا؛ بسبب دفاعها عن الإسلام، وقال في ذلك: «كانت السلطنة العثمانية سلطنة عسكرية محضة مستندة على شرع سماوي»، كما لا يعرف «الدكتور» أن أوروبا قد اعتبرت انتهاء الدولة العثمانية وانتهاء الخلافة بفضل «كمال أتاتورك» انتهاء دولة الإسلام، وأن الأوروبيين قد ألفوا ما يزيد عن ستمائة كتاب باسم «أتاتورك»، الذي قضى على إسلام الترك، الذي استخدمه «سبينوزا» مرادفًا للمسلمين. «راجع م. صبري، موقف العقد والعلم ج أ – ص (77 - 79 - 8081).

ونعود إلى قضيتنا الأساسية مع الدكتور «حسن حنفي» «الدكتور» يريد في حقيقة الأمر إحداث ما يسميه بثورة حقيقية في فكرنا الديني، ويريد تأصيل هذا الدين عن طريق إخضاع القرآن للنقد التاريخي وفقا لمنهج فيلسوفه اليهودي «سبينوزا»، يقول الدكتور في ص ۱۱ من ترجمة الرسالة: «إن الثورة الحقيقية في الفكر الديني والواقع السياسي قد قام بها سبينوزا، رسالة سبينوزا إذن ثورة على الأوضاع الثقافية والسياسية في عصره بل وفي كل عصر، وتطبيق للنور الطبيعي في مجال الدين والسياسة، كانت مهمة سبينوزا تأصيل الدين وإخضاع الكتاب المقدس للنقد التاريخي»، ولندقق في مقولة «الدكتور» هذه كما جاءت في ص ١٣: «فالأجدر بنا في النصف الثاني من هذا القرن البحث عن الحلول الجذرية كما فعل سبينوزا منذ أكثر من ثلاثة قرون»، ولندفق أيضًا في مغزى إهداء الدكتور ترجمة الرسالة «إلى من ينظرون إلى الكتب المقدسة نظرة علمية».

 ولا زالت لنا مع «سبينوزا» و«الدكتور» وقفة ثالثة.

  • في الحلقة القادمة: وقفة مع بعض مقولات د. حنفي وفيلسوفه المفضل سبينوزا.

 

الرابط المختصر :