; وقفات مع مريدي نجيب محفوظ (1) | مجلة المجتمع

العنوان وقفات مع مريدي نجيب محفوظ (1)

الكاتب د. محمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1988

مشاهدات 57

نشر في العدد 896

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 20-ديسمبر-1988

نجيب محفوظ يقول على لسان ولي عهد خوفو في رواية عبث الأقدار:

 كلا- أيها السادة- إن القدر اعتقاد فاسد لا يجدر بالأقوياء التسليم له!!

● نجيب محفوظ يزعم أنه إذا لم يتوفر الإيمان الديني للإنسان، فلا بد له من إيمان بديل يسلم له نفسه وفكره!!

منذ ستة عشر عامًا تقريبًا حاول الدكتور «محمد حسن عبد الله» أن ينفي عن نجيب محفوظ ما اتهمته به الكثرة من النقاد من أنه كاتب مادي صريح، وذهب الدكتور في دفاعه بعيدًا إلى درجة أنه كاد أن يعتبره كاتبًا إسلاميًا، وانتهى «الدكتور» في دراسته التي عنونها «بالإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ» إلى القول «بأن الكاتب الذي صُور بأنه مادي ويساري.. ليس كذلك، أو ليس دائمًا كذلك أو ليس كله كذلك»، وهذا يعني اعترافًا- على الأقل- بأن جانبًا من الكاتب مادي يساري، أو أن بعضًا من الكاتب مادي يساري.

وهناك عبارة صريحة وردت في دراسة «الدكتور» «ص ٧٤» يتحدث فيها عن أحد الأبطال اليساريين في واحدة من روايات نجيب محفوظ يقول فيها.. «وهذا هو سر أخلاقياته الخاصة ربما هي التي حببته إلينا، وربما كانت هي الأكثر صدقًا على طبيعة الفكر اليساري الذي حاول أن يجد له موطىء قدم في أرضنا، وربما كانت هي الأمل المتبقي في استعادته وخلق تفاعل مستقبلي ناضح لصنع الغد».

ولم ترد هذه العبارة على لسان بطل الرواية حتى ننسبها إليه، وإنما جاءت في سياق تحليل «الدكتور» لرحلة «علي طه» أحد أبطال الرواية بين مكة وموسكو، وهو يغادر مكة، وقبل أن يصل إلى موسكو.. وفي هذه الفقرة بالذات تحديد لهوية «الدكتور» الذي يدافع عن إسلامية نجيب محفوظ، ويدافع في نفس الوقت عن الفكر اليساري الذي يصفه بأنه فكر صادق، وأنه الأمل المتبقي الناضج لصنع الغد، وفي فقرة أخرى يثني «الدكتور» على هذا البطل اليساري على لسان نجيب محفوظ، ويصفه بأنه منفتح ومؤمن بالحوار يتعامل مع المخالفين وحالم ومؤمن بالروح.

وفي نفس المعنى يقول «الدكتور عبد المحسن بدر» - المعروف باتجاهاته اليسارية أيضًا- في كتابه «نجيب محفوظ- الرؤية والأداة»، على لسان الكاتب نفسه: «أنا مسلم مؤمن، وأعتقد أن الدين الإسلامي يدعو إلى الاشتراكية، وأنا شخصيًا لا أختلف مع الماركسية إلا في شقها الفلسفي المادي فقط»، ويكرر في مجال آخر فيقول: «الحق إني معجب بالماركسية فيما تحقق من عدالة اجتماعية، ورؤية إنسانية شاملة، واعتمادها على العلم، ولكني أرفض ديكتاتوريتها وفلسفتها المادية».

ويذكر «الدكتور عبد المحسن بدر» أن «رجاء النقاش» تحدث يومًا مع نجيب محفوظ فقال له: «إنني رغم ما أحس به من ميلك إلى الماركسية، فأنا ألمح في کتاباتك ترددًا في إعلان إيمانك بهذه العقيدة السياسية، فلماذا التردد؟ هل هو إيمان لم يكتمل بعد؟ أي أنك ما زلت على حافة الإيمان.. وعلى حافة الماركسية، أو أنها الظروف السياسية العربية التي تفرض عليك شيئًا من الحذر.

وحتى يقنعنا «الدكتور محمد عبد الله» بأن نجیب محفوظ مسلم مؤمن، استشهد برأي «الشهيد سيد قطب» في رواية «خان الخليلي»، فيقول: «وأذكر أن أول من كتب في أعقاب صدور رواية خان الخليلي في سنة ١٩٤٦- ومقالته يضمها كتابه المعنون «كتب وشخصيات»، وهذا الاستشهاد- في تصورنا- ليس في محله؛ لأن سيد قطب كان يتحدث عن أدب نجيب محفوظ من زاوية خصائصه الفنية، وكذلك عن تجاوز الأديب لسابقيه، ولم يتحدث عن إسلامية أو عدم إسلامية هذا الفن أو صاحبه، ومن هنا تبدو المسألة استغلالًا من قِبَل «الدكتور» لمكانة الشهيد في تأكيد الفكرة التي يدعو إليها، وهي نفي المادية الصريحة عن نجيب محفوظ.

ونعتقد أن سيد قطب لو كان حيًا وقرأ ما كتبه «الدكتور»، لفسر ذلك كما قال في كتابه معالم على الطريق: «لم أكن قد تخلصت بعد من ضغط الرواسب الثقافية في تكويني العقلي والنفسي، وهي رواسب آتية من مصادر أجنبية غربية على حسي الإسلامي، وعلى الرغم من اتجاهي الإسلامي الواضح في ذلك الحين، إلا أن هذه الرواسب كانت تعيش في تصوري وتطمسه». 

ويضاف إلى ذلك أيضًا أن هذا الرأي الذي أبداه الشهيد في عام ١٩٤٦ كان في الفترة التي لم يكن ظهر فيها ككاتب وكمفكر إسلامي متميز، وقبل أن يذهب ويعود من الولايات المتحدة، وقبل أن ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، وقد قال الشهيد بعد انضمامه إليها: «أنا ولدت الآن فقط عام ١٩٥١».

هذا وتلقى أي محاولة المتعرض لنجيب محفوظ من قِبَل الغيورين على الدين ردود فعل عنيفة من قِبَل مريدي هذا الكاتب، فعندما خلط نجيب محفوظ بين صوت الأذان وأصوات منكرة في واحدة من رواياته، واعترض الناس على ذلك، كان رد المريدين أن هذا غيظ وحسد على بلوغ الكاتب تلك المكانة في المسيرة الروائية، أما هذه العناصر التي ترى أنه لا يليق حدوث هذا الخلط فيراها «الدكتور عبد الرحمن ياغي في كتابه الجهود الروائية بين سليم البستاني ونجيب محفوظ» عناصر «لا تتدبر ولا تتعقل، ولا تحسن الحكم على المذاهب الفنية، بل تتعجل وتخطف وتتنقل من مجال إلى مجال دون روية» سامحه الله.

ويعتبر «الدكتور محمد عبد الله» بأن العبارات التي وردت في رواية «خان الخليلي» على لسان المحامي الشيوعي في الرواية «أحمد راشد» عبارات خطيرة تحوي، آراء خطيرة مثل قوله: «لا حكمة في الماضي.. أين الله؟ وما أساطير الديانات؟ وما جدوى التفكير في مسائل لا يمكن أن تُحل؟ فكما أنقذتنا الديانات من الوثنية يجب أن يتقدم العلم وينقذنا من الديانات».. يعترف الدكتور بأنها آراء خطيرة تركت على عواهنها، ومضت دون معارضة أو محاولة للحد من تسلطها على السياق، لكنه دفاعًا من نجيب محفوظ برر له ذلك قائلًا: «لعله أراد أن يصور عزلة وجرأة ونظرية الفكر اليساري في هذه المرحلة»، وبعد أن يقر «الدكتور» بأن اختفاء إشارات الاعتراض على هذا الفكر الإلحادي تجعل القارئ يميل إلى اعتبار هذه الآراء مطلقات من الصعب الاعتراض عليها، يعود فينكر نسبة هذه الآراء لنجيب محفوظ ذاته، فيقول: «وقد أدى إطلاقها سردًا إلى استنتاج خاطئ عند بعض الدارسين، إذ اعتبرت هذه الآراء مُعبرة عن الكاتب نفسه». 

والغريب في الأمر أن «الدكتور» وهو يستدل بإسلامية نجيب محفوظ بتقريظ سيد قطب للرواية، يعود فيعتب على الشهيد بأنه لم يناقش المحامي الشيوعي «أحمد راشد» في آرائه الخطيرة عن جدوى اعتبار الماضي، وعن الله والدين والأنبياء، ويرى أن مناقشة سيد قطب لنجيب محفوظ كان يمكن أن ترده وتجعله أكثر وضوحًا مع نفسه، وبعد ذلك يفلسف «الدكتور» عدم اعتراض نجيب محفوظ على الآراء التي قالها هو على لسان بطل روايته الشيوعي، فيقول بأن الكثرة من الأدباء تتعمق عادة في الجوانب الفكرية التي ترفضها أو تدافع عنها. 

ويستميت «الدكتور» في محاولة إقناعنا بأن الآراء التي وردت على لسان أبطال روايات نجيب محفوظ ليست هي آراء نجيب محفوظ ذاته، وخاصة تلك التي تتعلق بآراء وأفكار تمس العقيدة، فيرى أن سرد هذه الآراء والأفكار ليس إلا من قبيل إكمال الصورة الاجتماعية في الرواية، ولا يهدف منها نجيب محفوظ إلى أبعد من ذلك، أو أنه يعرضها كنموذج من النماذج التي يغص بها المجتمع، والتي تحتوي على ما هو غريب وشاذ، أو أن نجيب محفوظ قد يتجاوز هذه الصورة الاجتماعية ليرمز إلى قوى التصارع أو التفاعل الفكري في مرحلة بعينها من مراحل تطورنا الاجتماعي. لكن «الدكتور» يضطر إلى الاعتراف بأن الشخصية الدينية أو الفكرة العقيدية المحتواة في روايات نجيب محفوظ- وخاصة فيما يتعلق بتفسيره الشامل للمسيرة الإنسانية، أو العلاقة بين الإنسان وخالقه- هي أكثر وجهات هذا الأديب خطورة وعمقًا واستفزازًا للفكر.

لكن «الدكتور» كعادته يعترف ثم ينتحل لكاتبه العذر، فيقول «فلا تثريب على الكاتب أن يكتفي بالتناول الرمزي تاركًا لكل قارئ أن يفسر عمله الفني على الوجه الذي يرتضيه أو لا يرتضيه». وفي تصورنا أن قُراء نجيب محفوظ ليسوا جميعًا دكاترة أو مثقفين، بل أن غالبية قُرائه من عامة الناس الذين تستهويهم القصص والروايات التي كثيرًا ما قدمت لهم في صور مسرحيات وأفلام ومسلسلات، وترك حرية التفسير للقارئ لا تعني إلا أن المؤلف أو «الدكتور» يستهدفان أصلًا وضع نقاط ارتكاز جديدة إلى جانب نقطة الارتكاز الأساسية في المجتمع وهي الإسلام، ثم يدعو الناس إلى الانتقال منها إلى تلك الجديدة بالتدريج، دون أن يظهر لهم خطورة هذا الانتقال، وخاصة إذا ما كانت وسيلة هذا الانتقال رواية أو مسرحية أو فيلمًا أو مسلسلًا تلفزيونيًا. 

وحقيقة الأمر- مهما أنكر «الدكتور»- هي أن نجيب محفوظ يعبر عن آرائه من خلال أبطال رواياته، «يقول الدكتور عبد المحسن بدر» في ذلك معلقًا على رواية «عبث الأقدار».. «إذا تجاوزنا عن كون هذا الفكر هو فكر المؤلف، وليس طبيعيًا بالنسبة لفرعون، فإن هذا الموقف يكشف عن طبيعة الرؤية التي ينظر بها المؤلف إلى الفعل الإنساني في الرواية، كما ورد على لسان فرعون، لا لشيء إلا لضرورة التكتيك الروائي الذي لا يسمح للمؤلف بالحديث مباشرة إلى قُرائه». 

أما الدكتور «رجاء عيد» فيؤكد تمامًا في كتابه «دراسة في أدب نجيب محفوظ» ص ٥٧ أنه «في مختلف الصور التي يعرضها «نجيب» لفكرة الإله، يبدو أثر فكره الفلسفي مثلما يفوح العطر من الوردة، بل يتخذ من أبطال قصصه في بعض مواقفهم ما يمثل صورة موازية لبعض مواقفه في بعض فترات حياته الفكرية والنفسية، إلا أن ذلك بالضرورة لا ينطبق تمامًا كما يتطابق المثلثان، وإنما تحس خلال عرضه الفني بأن هناك وشائج خاصة تربط بين البطل وبين المؤلف؛ حتى إنه من الممكن في بعض اللقطات السريعة أن تستبدل أحدهما بالآخر، وأنت مطمئن إلى ما تفعل». 

ومرة أخرى، يقر الدكتور «محمد عبد الله» بأن العلم ظَهَر كبديل للدين في بعض أعمال نجيب محفوظ؛ لكنه يعود فيلتمس له العذر قائلًا: «ولكن هذه الأعمال كانت تعنى بالمسح الاجتماعي والتحليل، أي أن الروايات من هذا الصنف لم تكن روايات نبوءة أو اقتراح، وإنما ظلت في حدود التأثر المرحلي». 

وحقيقة الأمر أن المسألة ليست تأثرًا مرحليًا كما يدعي «الدكتور»، وإنما هي خط ثابت التزم به نجيب محفوظ مع ظهور أول مقالة له حينما كان في التاسعة عشرة من عمره، وحتى حصوله على جائزة نوبل، وقد اكتسب هذا الخط قدرًا أكبر من النضوج والعمق والوضوح، إنه خط الخروج على الدين، وعلى العُرف، وعلى القيم.

يقول «الدكتور عبد المحسن بدر» في ص ٤٠ من كتابه السابق الذِكر: «المقالة الأولى التي كتبها نجيب محفوظ في حدود ما نعرف، والتي يقدم فيها نفسه إلى القُراء كأول نتاج لقلمه، سماها «احتضار معتقدات وتولد معتقدات»، وظهرت المقالة في عدد أکتوبر ۱۹۳۰ من مجلة سلامة موسى «المجلة الجديدة»، ومعنى ذلك أنه كتبها وهو لم يبلغ التاسعة عشرة من عمره، وفي مثل هذه السن يكون الشاب أكثر ميلًا للثورة والخروج على العُرف والقيم السائدة، يحلم بتغيير العالم، واثقًا من قدرة الذات، واسع الطموح، أكثر ميلًا إلى الادعاء»، ويستطرد الدكتور عبد المحسن قائلًا في ص ٤١: «وكان يمكننا أن نرفض موقف نجيب في المقال ولا نهتم به اهتمامًا كبيرًا رغم ذلك كله باعتباره تجربة أولى لشاب ناشيء لا يمكن الحكم عليها أو عليه، لولا أن الأفكار الرئيسية التي يدور حولها المقال ظلت من المحاور الثابتة في تفكير نجيب محفوظ وأدبه، وإن اكتسبت بمضي الزمن قدرًا أكبر من النضج والعمق والوضوح». 

والذي لا شك فيه أن عنوان المقال له دلالاته الخاصة، ونشر «سلامة موسى» لهذا المقال بالذات له دلالاته الخاصة أيضًا، فالمقال هجوم على الدين، ورغبة في استبداله بمعتقدات أخرى، وأمل بقرب زواله ودعوة إلى المفكرين إلى نقد المعتقدات، واعتبار ذلك ضرورة ومقياسًا للتقدم العقلي.. يقول نجيب محفوظ في هذا المقال.. «وليس من شك في أن استقرار الحياة، وثبات المدنيات، وسير الأمور في مجراها الطبيعي خير من ذلك الاضطراب المروع، ولكنا مع ذلك لا نبتئس بقرب زوال المعتقدات البالية، ولا ندعو المفكرين إلى الكف عن بحثها ونقدها.. والأفضل للإنسان أن يكون له إيمان دیني، فإذا لم يتوفر هذا الإيمان الديني فلا بد له من إیمان بديل يسلم إليه نفسه وفكره».

و يقول «الدكتور عبد المحسن» مُعلقًا: «والكاتب الشاب يطالبنا بأ لا نحزن، ولا نبتئس طالما أن التغير والتطور ضرورة حتمية لا مفر من مواجهتها.. «إن نقد المعتقدات ضرورة كالشيب في الإنسان»، وعلينا ألا ننزعج كثيرًا، فالكاتب لا يظن أن ذلك سيُحدث خرابًا في العالم»، ويقول الدكتور عبد المحسن في موقع آخر: «ولكي لا يفزع القارئ أو يبتئس من هذه العقائد الجديدة التي تحاول أن تحل محل الدين كبديل له في نفس الإنسان، يحاول المؤلف أن يسهل الأمور على قارئه بمحاولة رد هذه الأديان الجديدة إلى مصدر واحد هو الإيمان الديني، باعتبارها صورًا أخرى منه، ترجع جميعًا إلى مصدر واحد «والذي يجدر بنا ملاحظه هو أن جميع هذه الأديان ترمي إلى اتحاد العالم وإزالة الفروق الوطنية، وهي تتفق في ذلك مع الأديان القديمة مثل المسيحية والإسلام».

أما عن «سلامة موسى» فإن نجيب محفوظ يعترف بأنه- أي سلامة موسى- كان له أثر قوي في تفكيره وتوجهاته التي لم تخرج من فكره منذ أن أدخلها سلامة موسى وحتى الآن.

ويبدو الأمر ملفتًا للنظر علاوة على مسألة المقال السابق أن سلامة موسى نشر للكاتب رواية «عبث الأقدار» وخصص لها عددًا كاملًا في مجلته، بعد أن كان قد رفض له ثلاث روايات من قبل مما يحتاج منا إلى وقفة. 

لم تكن رواية «عبث الأقدار» مجرد رواية تستهدف استحضار جو مصر الفرعونية، وإنما كانت في حقيقتها تستهدف شيئًا آخر هو «مصر الإسلامية». 

يقول «الدكتور عبد المحسن» في ذلك.. «وهذه الصيغ التراثية الجاهزة بما تحمل من إيحاءات وتداعيات، تدفع القارىء دفعًا إلى جو مصر العربية المسلمة أكثر مما تساعده على استحضار جو مصر الفرعونية الذي يفترض أن «عبث الأقدار» تصوره.

في هذه الرواية التي أفرد لها سلامة موسى عددًا كاملًا في مجلته سخرية واضحة من القدر، ومن فساد الاعتقاد به، ومن ضرورة تحديه، وفيها أيضًا استهانة بالألوهية وقول بإمكان الإنسان التنبؤ بالغيب.

أما عن أن هذا هو رأي نجيب محفوظ ذاته فيقول «الدكتور عبد المحسن» في ص ١٥٤: «ويبدو عصر خوفو أكثر العصور ملاءمة لأهداف كاتب يريد الكشف عن جبروت الأقدار وسطوتها، وقدرتها على العبث بالناس والسخرية منهم، وحتى يستطيع المؤلف الكشف عن سطوة الأقدار وجبروتها، لا بد من خِصم جبار يتحداها حتى تصبح المعركة جديرة بأن تُخاض، فالقدر في عالمه البعيد المتعالي يملك وحده كل القدرة على الفعل والتدبير، وهو قدر قاس».

وعن فساد الاعتقاد في القدر يقول نجيب محفوظ على لسان ولي عهد خوفو في الرواية: «كلا- أيها السادة- إن القدر اعتقاد فاسد لا يجدر للأقوياء التسليم به». 

وعن تنبؤ الإنسان بالغيب يقول «الدكتور عبد المحسن» في ص ١٥٧ معلقًا: «وحتى يمكنك الاستمرار في متابعة الحركة بمنطقها وإمكانية وقوعها، لا بد من التسليم في البداية بمجموعة من الفروض أهمها أن تقبل بإمكانية معرفة الإنسان للغيب والتنبؤ به بصورة بالغة الدقة كما تنبأ الساحر ديدي لفرعون».

ومن الألوهية يشرح «الدكتور عبد المحسن» في ص ١٦٥ كيف أن المواقف الحوارية في الرواية لا هدف لها سوى إبراز آراء المؤلف الذي يقول في روايته: «وهناك بادر الفنان ميرابو يقول كأنه يكمل حديث الملك: والألوهية يا مولاي؟ فهز فرعون رأسه استهانة، وسأله: وما الألوهية يا ميرابو؟ إن هي إلا قوة».

ورغم هذا الوضوح البيّن في خطورة الأفكار التي يعرضها نجيب محفوظ على لسان أبطال رواياته، بل وحتى في عنوان الرواية ذاتها فإن «الدكتور محمد عبد الله» يصر على الاستخفاف بعقول القراء، فيقول: «إن الرواية تجري بصفة عامة في جو واضح من التدين، والنزعة الخلقية هي التي تحرك الشخصيات في مجموعها والإيمان بالبعث وانتظار الجزاء يملك وجدان الجميع». 

وإذا ما واجهناه بعنوان الرواية نجده يقول: إنه عنوان مضلل؛ لأن الحق أن الرواية تؤكد «عبث مقاومة الأقدار»، وإذا ما اعترضنا على العبارات المستخدمة في الرواية مثل «رع» و«بتاح» و«رعتك الآلهة» و«الملك ابن الآله»، يقول «الدكتور»: إن هذه عبارات طائرة في جو الرواية أشبه بالتوابل التي تعطي نكهة خاصة بقصد الإيهام، وينفي تمامًا أنها جوهر الموضوع.

أما عن الألوهية فإن الدكتور يتغاضى في عرضه الدفاعي عن عبارة «فهز فرعون رأسه استهانة» أي بالألوهية، وأولها لصالح الكاتب فقال: «إنه تحرر من مفهوم الألوهية التي استوحاها من مصادرها التاريخية، ومصادرها غير الإسلامية، والتزم بالتصور الإسلامي لله بأنه قوة ورحمة ومحبة»، وحقيقة الأمر أن نجيب محفوظ يصور العلاقة بين الإنسان وقدره بأنها علاقة صراع، ويقول سليمان الشطي في كتابه «الرمز والرمزية في أدب نجيب حفوظ» ص 35: «من السهل جدًا أن نتلمس المسارات المختلفة لكل حادثة وشخصية وحركة في رواية «عبث الأقدار» فالميدان العام لها يتركز حول الإنسان وصراعه مع القدر»، وعلى عكس ما يقوله «الدكتور عبد الله» من أن الرواية تتحدث عن عبث مقاومة القدر»، فإن «نبيل راغب» يقول في مؤلفه «قصة الشكل الفني عند نجيب محفوظ» ص ۲۳.. «من هنا كانت كل الشخصيات ملحمية، لا تتغير ولا تتصارع نفسيًا، بل تفرض نفسها فرضًا على مجرى الأحداث، وتنزل لصراع القدر، ولكنها ككل الشخصيات الملحمية لا تحاول أن تذعن لإرادة القدر، ومن هنا كانت قسوة الأقدار بل عبثها بمقدراتها حتى ولو كانت ملوكًا وفراعنة من أمثال خوفو، ولذلك أطلق على الرواية عنوان «عبث الأقدار».

ويقول «الشطي»: إن نجيب محفوظ يؤكد أن الإرادة القدرية لا تعني الانصياع للغيبيات التي لا تستند إلى قانون أو دين.. وكيف يكون ذلك والله تعالى غيب، والملائكة غيب، والجنة غيب، والنار غيب، والشياطين غيب، والبعث والحساب غيب، ولا يكتمل دين المرء إلا إذا آمن بهذا الغيب، فكيف يقول الكاتب إنه لا يستند إلى دين؟

والقدر كما يصفه نجيب محفوظ قدر قاس ينظر إلى الإنسان وهمومه نظرة متعالية وساخرة، وهو يرى الإنسان في عمومه ومشاغله، يفكر ويحكم التدبير ليتخلص من همومه، ويقدر ويحسب، والأقدار تضحك ساخرة من همومه وتقديره وتدبيره، وكلما ظن الإنسان إنه أحكم التدبير للخلاص من كارثة أصابته كلما اشتد ضحك الأقدار منه، وعبثها به؛ لأنها تراه يزداد تخبطًا في الشبكة التي نسجتها له، واقترابًا من الفخ الذي يبذل جهده للبعد عنه، ويصبح البشر أقرب إلى دمى مسرح العرائس.

هكذا تصور نجيب محفوظ القدر، فأين هذه الملامح الدينية والتعبيرات والمفاهيم الإسلامية التي يدعى «الدكتور عبدالله» أنها واضحة في الرواية بشكل لافت؟ وهل هذا الذي قاله الأديب مستوحى من النَص القرآني الذي يقول «الدكتور» إنه أقوى تأثيرًا وأشد إرفادًا لهذه الرواية من الأصل الأفريقي الأسطوري؟ وأين هذا التراث الضخم من العقيدة والدراسات المعلقة بها الذي تحتويه سطور نجيب محفوظ كما يدعي سليمان الشطي؟

إن هذا المعنى الذي يفهمه نجيب محفوظ عن القدر لا يتم عن فهم للعقيدة، ولا للدراسات المتعلقة بها، ولا حتى بمعرفة للدائرتين اللتين تقع فيهما تصرفات الإنسان مختارًا وجبرًا عنه، ولا بمعرفة للأفعال التي يقوم بها الإنسان طبقًا لما يقتضيه نظام الوجود، وتلك التي لا يقتضيها نظام الوجود.

الأديب لا يفهم معنى القدر، ولا هذه الخواص التي قدرها الله تعالى في الأشياء، ولا يفهم ضرورة إيمان المسلم بالقضاء خيره وشره، ولا يفهم أن الله حين خلق الإنسان، وخلق له العقل المميز، أعطاه الاختيار بأن يقوم بالفعل أو يتركه، ولم يلزمه بالقيام بالفعل أو التَرك.. إن القدر- وهو علم الله تعالى- لا يجبر العبد على القيام بالعمل؛ لأن الله أعلم بأنه سيقوم به مختارًا، ولم يكن قيامه بالعمل بناء على العلم، بل كان العلم الأزلي أنه سيقوم بالعمل، وإرادة الله تعالى لا تجبر العبد على العمل، بل هي آتية من حيث إنه لا يقع في ملكه إلا ما يريد، أي لا يقع شيء في الوجود جبرًا عنه.

هذا هو الذي كان يجب على «الدكتور عبد الله» أن يشرحه لنا بدلًا من محاولته تأكيد إسلامية نجيب محفوظ دون سند أو برهان يمكن الاطمئنان إليه.

                                     

 

الرابط المختصر :