العنوان وقفات مع مريدي نجيب محفوظ «3» الطريق إلى الوجودية والعبث!
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1989
مشاهدات 67
نشر في العدد 899
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 10-يناير-1989
· نجيب محفوظ يسخر من الجنة والعالم الآخر ويزعم أنها مفاهيم زائفة، وأن الجنة الحقيقية والسعادة الحقيقية هي اللذة والمتعة!!
· نجيب محفوظ معجب باليهوديات منذ عام 1947م، أي قبل ثلاثين عامًا من أول زيارة له للكيان الصهيوني!
· رواية واحدة من روايات نجيب محفوظ تكشف التعدي الصريح على الدين والله والرسول والأئمة والعلماء.
· مصطفى التواتي: اشتراكية نجيب محفوظ مزيج من الليبرالية والنزعة الإنسانية والمذهب الفوضوي والاشتراكية البردونية والوجودية!!
· الشيخ محمد أبو زهرة والشيخ أحمد الشرباصي والشيخ محمد الغزالي كتبوا تقريرًا عن رواية «أولاد حارتنا» كشفوا فيه تعديها على عقيدة الألوهية.
· لا مجال للحياء أبدًا في أدب نجيب محفوظ، وقد عبر عن ذلك هو بنفسه في رواية السكرية.
· نجيب محفوظ لا يختلف مع الماركسية إلا في شقها الفلسفي المادي، ويدعو في نفس الوقت إلى التوفيق بين الاشتراكية والدين.
· اليسار الإيجابي المتكامل في نظر نجيب محفوظ هو الحل كي ينقذ مصر من أزمتها الاجتماعية!
في كتابه «تأملات في عالم نجيب محفوظ» الذي صدر منذ ثمانية عشر عامًا تقريبًا يقول مؤلفه «محمود أمين العالم» في ص116: «... ولكن البداية والنهاية في أدب نجيب محفوظ كله هو الطريق، البحث عن طريق التبشير بطريق، الدعوة إلى طريق، وهكذا ظل نجيب محفوظ يكتب بإخلاص وتفانٍ وموهبة خلال ما يقرب من ثلاثين عامًا». ويستطرد «أمين العالم» متحدثًا عن أدب نجيب محفوظ فيقول: «... وهو أدب يمتزج فيه نجيب محفوظ الفنان بنجيب محفوظ المفكر بنجيب محفوظ الإنسان امتزاجًا غريبًا رائعًا، ولا يكاد يترك لناقد فرصة للتعقيب على ما يكتب.
ويمكننا هنا تحديد معالم هذا الطريق الذي دعا إليه نجيب محفوظ بالآتي:
أولًا- دعوة إلى الفصل بين المادة والروح:
يعتقد نجيب محفوظ في الفصل الحاد بين المادة والروح، وهو فصل أدى في نظر الدكتور «عبد المحسن بدر» إلى الحكم على البشر وتقسيمهم بصورة آلية وميكانيكية إلى أغلبية ساحقة تعيش حياة مادية حيوانية وقلة نادرة تحاول أن تعيش حياة روحية إنسانية.
ويرجع السبب في اعتقاد نجيب محفوظ بهذا الفصل إلى فيلسوفه المفضل «برجسون»، الذي وجد في فلسفته تعقيدًا لهذه الثنائية وخاصة بصورتها المتناقضة العدائية التي أثرت على كثير من أفكار نجيب محفوظ. وقد ظل «برجسون» يحتل مكان الصدارة فيما يسميه الأديب بالفلسفة الروحية، كما يفضل الأديب هذا الفيلسوف ويقدمه على غيره من الفلاسفة ويفرد له المقالات، ويعتبر أن صوته هو الصوت الأخير والحكم النهائي، كما يعتبر أقواله وفلسفته مضرب المثل حين يحتاج إليها.
وتختلف نظرة الإسلام للعلاقة بين المادة والروح اختلاف جذريًّا عن نظرية الأديب وفيلسوفه المفضل؛ حيث ترفض التعارض بينهما أو ترجيح أحدهما وتخفيض وزن الآخر. وقد أدى تبني هذا الفصل السائد في بلاد الغرب وحمله إلى بلادنا إلى زعزعة عقيدة المسلمين بالإسلام، لأنه يقيس الإسلام بالمسيحية على طريقة القياس الشمولي. فالإسلام يرى أن الأشياء التي يدركها الحس هي أشياء مادية، والناحية الروحية هي كونها مخلوقة لخالق، والروح هي إدراك الإنسان صلته بالله، وعلى ذلك لا توجد في الإسلام ناحية روحية منفصلة عن الناحية المادية، ومزج المادة بالروح أمر ممكن، ولكنه أمر واجب أيضًا. ولا يجوز أن يفصل أي عمل عن تسييره بأوامر الله ونواهيه بناء على إدراك الصلة بالله.
ثانيًا- دعوة إلى الإفادة من الماركسية والتوفيق بين الاشتراكية والعقيدة الدينية.
أدى الفصل السابق بين المادة والروح إلى تحديد موقف نجيب محفوظ من قضية الاشتراكية والشيوعية، ولهذا نجده لا يختلف مع الماركسية إلا في شقها الفلسفي المادي، ويدعو في نفس الوقت إلى التوفيق بين الاشتراكية والعقيدة الدينية، بل يرى أن ذلك هو قدر منطقة الشرق الأوسط كما جاء في حديثه إلى جريدة الاهرام المصرية في 31/1/1962م.
ويقول الدكتور «رجاء عيد» في ص 119: «بل إن نجيب يدفع إلى الإفادة من الفكر الماركسي في «السكرية» حين يقول عدلي كريم: «حين أن تدرسوا الماركسية تذكروا أنها وإن تكن ضرورة تاريخية إلا أن حتميتها ليست من نوع حتمية الظاهرات الفلكية. إنها لن توجد إلا بإرادة البشر وجهادهم، فواجبنا الأول ليس أن نتفلسف كثيرًا، ولكن أن نملأ وعي الطبقة الكادحة بمعنى الدور التاريخي الذي عليها أن تلعبه لإنقاذ نفسها والعالم جميعًا. المجتمع الفاسد لن يتطور أبدًا إلا باليد العاملة، وحين يمتلئ وعيها بالإيمان الجديد ويُمسي الشعب كله كتلة واحدة مع الإرادة الثورية، فهنالك لن تقف في سبيلها القوانين الهمجية والمدافع».
ويقول غالي شكري في هذا الصدد: «وكان اليسار الإيجابي المتكامل هو الحل الذي تراءى لنجيب محفوظ كي ينقذ مصر من أزمتها الاجتماعية. كان هذا اليسار رؤيا ضبابية غائمة في «بين القصرين»، ثم جاء هذا اليسار في «السكرية» واقعًا حيًّا متطورًا مع أحداث الفن والتاريخ».
هذا وقد حاول «الدكتور محمد حسن عبد الله» أن يدافع عن موقف أديبه من الاشتراكية وبرر له ذلك بقوله في ص 21: «... غاية الأمر أن الفتى -أي نجيب محفوظ- قد أعجب بطرافة المصطلح الجديد الذي اقتحم على الناس حياتهم قبل انتصار الثورة في روسيا، فراح يردده دون أن يحدد مجالات الفوز، وهل يعني أن الاشتراكية ستفوز في أرضها أو أرضنا».
أما «مصطفى التواتي» فقد حدد في ص 167 محتوى الاشتراكية الحقيقية التي يبشر بها نجيب محفوظ فيقول: «أما محتوى الاشتراكية التي يبشر بها أبطال نجيب محفوظ والتي تمثل المادة الأساسية لروايتي «اللص والكلاب» و«الشحاذ» خاصة، فإنها مزيج من الليبرالية والنزعة الإنسانية والمذهب الفوضوي والاشتراكية البرودونية ونتفات عديدة من الوجودية. هذه هي اشتراكية نجيب محفوظ التي يرغب في التوفيق بينها وبين العقيدة الدينية.
ثالثًا- دعوة إلى طريق الوجودية والعبث.
يقول «التواتي» في ص 71 وما بعدها: «ومهما برأ النقاد نجيب محفوظ من التأثر بالوجودية، فإن رواياته التي ندرسها تؤكد أنه تأثر إلى حد بعيد بهذه المقولات الوجودية الفرنسية وبآراء «ألبير كاموس» على وجه الخصوص في إلحاحه على فكرة العبث. كما رأينا تأثره بآرائه حول البطل المتمرد ولو بصورة اتفاقية، والواقع أن التأزم والتفرد والغربة التي رأينا عليها أبطال نجيب محفوظ ترشحهم لأن يكونوا أبطالًا وجوديين».
واستعرض «التواتي» أهم المقولات الوجودية التي عبر عنها أدب نجيب محفوظ، وهي:
1 - إن الإنسان قد أُلقى به في هذا العالم وحيدًا غريبًا لا نصير له ولا معين.
2 - إن الآخرين يمثلون جحيمًا يعوقنا عن تحقيق أهدافنا.
3 - إن الإنسان مسؤول أو يتحمل عبء حريته التي هي أساس وجوده.
4 - إن هذا الوجود ضرب من العبث، وعلى الإنسان أن يجعل له معنى. أو بعبارة أخرى عليه أن يحقق وجوده بأن يحوله من الكينونة إلى الوجود.
ويضرب «التواتي» الأمثلة على انعكاس هذه المقولات على نجيب محفوظ، فيقول عن رواية «اللص والكلاب» بأن هذه الرواية ركزت على مفهوم تفرد الإنسان في الكون وحده مع الحرية بلا معين ولا نصير، وقد أعاد فيها نجيب محفوظ رأي الوجودية الفرنسية من أن الله ألقى بالإنسان في هذا الكون ثم أهمله، ولذلك لم يعد في حاجة إليه وعليه أن يحقق وجوده بمجهوده الخاص.
ويقول «التواتي» معلقًا على الراية في ص 75: «... غير أن القدر الذي أعمى رصاص سعيد مهران وألقى بصابر الرحيمي إلى السجن، وكذلك الفشل الذي منيت به تجارب عمر الحمزاوي إلى جانب العناصر المذكورة سابقًا، تجعل من الوجود ضربًا من العبث، وهي إحدى المقولات الوجودية التي أشرنا إليها أعلاه والتي عالجها وقننها «ألبير كاموس» في كتابيه «أسطورة سوزيف» و«الغريب». فاللص والكلاب على وجه الخصوص هي «الغريب» في الأدب العربي، وهي رواية من روايات العبث حتى وإن لم تبلغ من التجريد واللامعقول ما بلغته كتابات «بیكات» مثلًا. ورغم أن عبارة «عبث» لم تتكرر فيها إلا اثنتي عشرة مرة، فإنها ذكرت في الشحاذ واحدًا وعشرين مرة، وفي الطريق إحدى عشرة مرة، فإن كل شيء فيها ينطق بالعبث».
ويستطرد «التواتي» قائلًا في ص 76: «إن العبث ينشأ من اللامعقول ومن صميم الكون وصمته من حول الإنسان، ومن هذه الوحدة القاتلة والغربة التي يحس بها، وكأن نجيب محفوظ قد ترجم هذه الآراء النظرية في أحداث روائية فكانت «اللص والكلاب» و«الطريق» و«الشحاذ». وقد رأينا السمات الوجودية التي يتسم بها أبطال هذه الروايات، وهي سمات جعلت شعورهم بالعبث يطبق عليهم فيحول الحياة إلى ظلام ممتد، فهم جميعًا غرباء. وإذا كان -ألبير كاموس- قد قدم الانتحار حلًّا من الحلول وجعل الموت كما رأينا نهاية للعبث، فقد اختار صابر وسعيد مهران هذا الحل أيضًا».
رابعًا- دعوة إلى طريق اللهو والطرب والجنس واحترام المومسات:
تحت ستار تسجيل نجيب محفوظ لحقبة معينة من تاريخ مصر، يقول «الدكتور رجاء عيد» في ص 167:
«الطرب في أدب نجيب محفوظ لوحة عريضة تزخر جنباتها بألوان عديدة تتجسد فيها حياة الطرب واللهو والإقبال المانع على الحياة، حيث تفيض فيها ريشة نجيب محفوظ على «حقبة زمنية»، وإذا بها منتصبة حية أمامنا كأننا نحن الذين نعايشها بالبسمة الواعدة والضحكة المفردة، حيث ترصد الريشة الماهرة تلك الليالي الطروب التي ترقص للنغم وتغني للوتر في جرأة تخجل الجراءة منها.
وتطالعنا من الأغنيات ما قد يخدش، ولكن أهل هذه المدينة القديمة لم يروا عيبًا في أغانيهم، فمنهم يستمع إلى:
1 - خدني في جيبك بقي.. بين الحزام والمنطقة.
2 - أبيع هدومي عشان بوسة.. من خدك القشطة يا ملبن
يا حلوة زي البسبوسة.. يا مهلبية كمان وأحسن
3 - من يوم ما عضتني العضة.
4 - أمانة يا رايح يمه.. تبوس لي الحلو في فمه.. وقل له
عبدك المغرم ذليل.
ويقول «رجاء عبد» في ص 169:
«وراء عالم العوالِم عالم الجري وراءهن ومجالس اللهو بينهن، وكأن ريشة «نجيب» وهي ترسم غمست في مباهج تلك الحياة اللاهية، فانتشى خط وغرد لون حتى جنت اللوحة من «السكر» وانتشت من الضحكة الطروب وثملت من «الغنوة اللعوب».
ويجيد (نجيب) تشريح الغرائز النهمة التي راحت تثوب في مسرى دماء «أحمد عبد الجواد» الذي راح يحدث نفسه:
«وهي موفورة الحسن، وإنها لشهية لطيفة وبها من طيات اللحم والدهن ما يدفئ المقرور في زمهرير الشتاء».
وهذه الفقرة من رواية بداية ونهاية: «ما أجمل هذه الفيلا وأنام فوق هذه الفتاة ليست شهوة فحسب، ولكنها قوة وعزة.. فتاة مجد تتجرد من ثيابها وترقد بين يدي في تسليم مسبلة الجفون، وكأن كل عضو من جسدها الساخن يهتف بي قائلًا «سيدي، هذه هي الحياة».
وفي الحكاية رقم 2 في رواية «حكايات حارتنا» يقول الأديب: «... أرى تحت المنور مباشرة ست أم زكي عارية تمامًا تجلس على كنبة تتشمس، تمشط شعرها عارية تمامًا، منظر غريب وباهر، وتستلقِي على بطنها وتقول: دلك لي ظهري».
هذه الأمثلة توضح أنه لا مجال للحياء أبدًا في أدب نجيب محفوظ، وقد عبر عن ذلك هو بنفسه في السكرية على لسان أحمد وهو يخاطب نعيمة وعائشة: «الحياء كاذب، الحياء موضة قديمة، ينبغي أن تتكلمي وإلا ضاعت منك الحياة».
ويقول: «التواتي» في ص 81: «ولا بد من الإشارة في هذا الباب إلى ما يكنه نجيب محفوظ من عطف واحترام للمومسات، فالمومس لا تكاد تخلو منها رواية من رواياته.
إنها أحد أشخاصه الأليفين، وهي دومًا بعكس الفكرة السابقة عنها، رقيقة وخيرة وشريفة، بل إنه يقدمها أشرف من النساء اللاتي نظن أنهن شريفات، ففي حين تفرض علينا المومس احترامها تدعونا الشريفات إلى احتقارهن والاستخفاف بهن، فنحن لا يسعنا إلا أن نعجب بشخصية «وردة» ونقدر فيها إخلاصها ومحبتها وإنسانيتها، إذ كثيرًا ما حاولت تنبيه عشيقها إلى واجباته الزوجية والعائلية، ولكن الشخصية التي تحتل مكانة خاصة فهي ولا شك شخصية «نور»، هذه المرأة التعيسة المخلصة في حبها لسعيد مهران رغم خيانة الجميع، لقد كانت له جنة كما يقول وسط جحيم الرصاص والكلاب. إنها أقرب شخصيات الرواية إلى قلب القارئ الذي لا بد أن يشعر بما شعر به سعيد مهران من حزن وألم لما قد يكون أصابها.
خامسًا- دعوة إلى الحط من قدسية الدين وهيبته ومزج رموزه مع الخمر والجنس والنساء.
ومن أمثلة ذلك ما يلي:
(1) الله والخمر
يقول «التواتي» في ص 163: «إذا ربطنا بين الخمر والبحث عن الوالد -أي الله- فإننا نتذكر أقصوصة «زعبلاوة» التي أشرنا إليها في موضع سابق، حيث اكتسبت الخمر معنى صوفيا باعتبارها مخدرة للحواس ومحققة للروح من روابطها الجسدية الدنيوية، فتسمو وتتجلى أمامها الحجب حتى يشف الوجود وترى من خلاله الله. فالإنسان لا يتصل بحبيبه «الله» في حالة عشق إلا إذا كان في حالة تشبه حال السكر. فهو يجمع -أي محفوظ- من نشوء العشق ونشوء السكر بمفهومها الصوفي، إذ لا نشوة حقيقية إلا تلك النشوة الصادرة عن الله، وهذه الخمرة التي نجدها في «الطريق» تكتسب أهم صفات الخمر الصوفية مثل القدم والعناقة والجودة، إذ أهدى الرحيمي «أي الله» الشخص الضرير الذي كان يعرفه رغم عماه الحسي على الأصح «صندوقًا من الخمر المعتقة» تعالى الله عما يقولون:
(2) القرآن والويسكي
يقول «رجاء عيد» في ص 185: «وتستمر العبثية الكونية التي أصبح المال سيدها فيباع القرآن بجوار الويسكي، وأسماء كبار المفسرين تجاور أسماء أنواع الخمر وكلاهما في صراع من أجل الذهب، ففي مشهد ساخر آخر يخرج من وراء الستار رجلان يحمل أولهما كتبًا ويحمل الآخر قواريرَ، ثم قال حامل الكتب بصوت عريض زنان: «من ذخائر التراث تفسير القرآن طبعة أنيقة مع تعليمات بأقلام كبار الأساتذة- الثمن جنيه واحد». وقال حامل القوارير بصوت منغوم: «أفخر أنواع الويسكي وردت منها كميات محدودة بأسماء محدودة ومعقولة تتراوح بين أربعة وخمسة جنيهات».
(3) الخلافة والجنس
وردت هذه العبارات في رواية بين القصرين:
«ولكي تفسح له قامت نصف قامة فانحسر الفستان الأحمر عن ساق لحمه بيضاء مشربة بلون وردي من أثر الحف والنتف، ورأى بعضهم ذلك المنظر فصاح بصوت كالرعد:
- تحيا الخلافة
وكان السيد يغمز ثديي المرأة بعينيه مهتفًا وراءه:
- قل يحيا الصدر الأعظم.
(4) الجنة والعالم الآخر والمرقص والمعلمة.
يسخر نجيب محفوظ من الجنة ومن العالم الآخر ويرى أنها مفاهيم زائفة، وأن الجنة الحقيقية والسعادة الحقيقية هي اللذة والمتعة. ويقول في ذلك «رجاء عيد» في ص 181:
«في مجموعته القصصية المسماة «شهر العسل» نأخذ على سبيل المثال قصة العالم الآخر، حيث تطالعنا قهوة ترقص فيها فتاة تتبع «المعلمة» التي تبيع المتعة لمن يطلبها، ثم يأتي شاب يطلب المشاركة، ومن الحوار الذي يدور بين تابع المعلمة والشاب ندرك أن العالم الآخر يعني الحياة التي انفصل عنها هذا الشاب. ويقول تابع «المعلمة» للشاب: «إني أكره العالم الذي جئت منه، هجرته للأسف، وما أن اهتديت إلى هذا المكان حتى أدركت أنني ولجت أبواب الجنة. فيتساءل التابع:
- الجنة؟ أي جنة؟ فيرد الشاب:
- هنا يتقرر مصيرك بقوة رأسك، ويتحدد مركزك المالي بجرأتك، وتتقرر سعادتك بطاقة حيويتك لا زيف على الإطلاق.
(5) مناداة الله والتغزل الصارخ في أجساد النساء
الفقرة التالية وردت في رواية بين القصرين على لسان «ياسين» مخاطبًا «زنوبة»:
«ألم يئن الأوان يا بنت المركوب، ذبت يا مسلمين ذبت كالصابونة ولم يبق منها إلا رغوة، فردة ثدي من صدرك تكفي لخراب مالطة، وفردة إِلْيَة تطير مخ هند تبرج. عندك كنز ربنا يلطف بي وبكل مسكين مثلي يؤرقه الثدي الناهد والعجيزة المدقلجة والعين المكحولة. آه لو تغوص بي الأريكة في الأرض «رباه» إن وجهها أسمر، ولكن لحمها المكنون أبيض البطن يا هوه «يا لطيف.. يا لطيف»، يا لطيف.. يا منقذ، وتحت القبة شيخ وإني مجذوب لهذا الشيخ. أما الملايات اللف والأرداف الثقيلة فمنها جميعًا أستعيذ «بواهب النعم».
(6) ما شاء الله والعشيق
في الحكاية رقم (61) من رواية «حكايات حارتنا» اختار نجيب محفوظ للمرأة التي كانت تطارح الغرام مع عشيقها اسم «الست ما شاء الله».
(7) الشيخ يغني عاريًا
في الحكاية رقم (44) من رواية «حكايات حارتنا» وبعد أن قص نجيب محفوظ أن رجلًا اسمه «محمد الزمر» تبرع لبناء زاوية واختار لها الشيخ «أمل المهدي» إمامًا، ارتكب «محمد الزمر» جناية قتل لامرأة بعد أن اعتدى عليها ولم يشاهده إلا الشيخ الذي لم يعترف عليه، لكنه حبس نفسه في الزاوية يومين، رامزًا إلى ضعف الدين أمام القوة. جعل نجيب محفوظ الشيخ في آخر الحكاية يظهر في شرفة المئذنة عاريًا تمامًا ويدور في الشرفة متبخترًا ويغني بصوت متحشرج:
«أما أنت مش قد الهوى.. بس بتعشق ليه».
هذا لو ركزنا فقط على رواية واحدة من روايات نجيب محفوظ لكشفنا فيها دون جهد هذا التعدي الصريح على الدين والله والرسول والأئمة والمشايخ. وسنضرب هنا أمثلة محدودة من رواية «حكايات حارتنا» التي يستطيع القارئ أن يربط ما يقوله الكاتب بأحداث لها دلالتها وتحظى باحترام وقدسية في نفوس المسلمين، لكن نجيب محفوظ آثر التعدي عليها والنيل منها. يقول الكاتب رامزًا إلى الرسول ﷺ في الحكاية رقم 50:
«... وهو يهزأ من التقاليد الراسخة فلا يتردد على إجبار شخص على تطليق زوجته ليتزوجها «يعني واقعة السيدة زينب بنت جحش»، وهو كثير الزواج والطلاق ولا يجرؤ أحد على الزواج من إحدى مطلقاته، فيلقين الحياة وحيدات يتسولن أو ينحرفن» يعني قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ (سورة الأحزاب: 53)، فلما تبرأ من مرضه يأمر بألا يحتفل أحد بعيد الفطر المبارك حتى «زيارة المقابر حرمت علينا».
ثم يصف الأديب زمن بطل حكايته رامزًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام: «أيامه كانت أيام رعب وجبن وذل ونفاق، أيام الإشباع والأنات المكتومة، أيام الشياطين والأساطير المخزية، أيام التعاسة واليأس والطرق المسدودة».
وفي القصة رقم (57) يصف البطل بأنه «فتوة»، وأنه خاتم الفتوات الكبار، فمن بعده لم تقم للفتوَنة قائمة تُذكر «يعني أن النبي كان خاتم الرسل». ويقول الأديب، ولولا إيمانه، وهذا حقيقة بأن هيبة الفتونة لا ترسخ إلا بالنصر ما خاض معركة قط «مشيرًا إلى غزوات الرسول»، ولكن الفتونة هي الفتونة فكلمته هي الأولى والأخيرة في أي أمر من الأمور، أنه يحذر الرجال من العربدة، ويمنع النساء من الزينة المفرطة، ويقيد حرية الغلمان في لعبهم، ويغالي في التدخل فيها لا يعنيه، ويبطل الزواج الذي يراه غير متكافئ، والطلاق الذي لا يعجبه وإن رضى به الطرفان «وهذه كلها رموز لا تحتاج إلى مزيد إيضاح. أما رأي الأديب في ذلك فهو يقول في الرواية: «وفي كلمة كبلينا بالأغلال رغم حسن نواياه وطيبة خلقه».
وبعد أن يتحدث على ثورة المثقفين على الدين يقول في نفس الحكاية: «ويسود التذمر في الحارة وسريان روح التمرد، وتتابع أحداث مؤسفة ودامية، ولكنها تقضي في النهاية على تراث خطير وتفتح الأبواب لعصر جديد.
هذا المعنى الذي انتهى إليه الأديب في الرواية السابقة هو نفس المعنى الذي قاله على لسان أحد أبطاله في رواية أخرى: «العظمة الحقيقية للدين لا تتجلى إلا عندما تعتبره لا دينًا».
لم يتبق لنا إلا أن نذكّر القارئ بأن نجيب محفوظ معجب باليهوديات منذ عام 1947م أي قبل ثلاثين سنة، من أول زيارة له لإسرائيل، ففي روايته «زقاق المدق» كان يتحدث عن أن الاقتداء باليهوديات يحول عاملات المشغل في «الرواية» من حال إلى حال، من الشبع بعد الجوع، ومن الكساد بعد العرى، ومن الامتلاء بعد الهزال، بل قال على لسان أم إحدى بطلات الرواية: «إن حياة اليهوديات هي الحياة حقًّا».
وختامًا نقول إن المشكلة مع نجيب محفوظ ليست في رواية «أولاد حارتنا» التي كتب عنها الشيخ محمد أبو زهرة والشيخ أحمد الشرباصي والشيخ محمد الغزالي تقريرًا كشفوا فيه عن تعديها على عقيدة الألوهية، ورفض الوحي، والإنكار الساخر للنبوات، والنزعة العلمانية التي تجعل الدين أوهامًا ومهازل، وإنما المشكلة في كل ما كتبه هذا الأديب بدءًا من مقالته الأولى في مجلة سلامة موسى وحتى حصوله على الجائزة.
ونحمد الله أن الشيخ محمد الغزالي قد قبل التحدي لمواجهة محاولة إبطال مصادرة الرواية المذكورة وإعادة نشرها، ولعل الأديب الكبير يعود إلى رشده ويتوب إلى الله وهو في العقد الثامن من عمره وفي رحلة العودة إلى الله على حد تعبير الشيخ محمد الغزالي- أطال الله في عمره.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل