العنوان وقفات من السيرة ... الطاعة في الدعوة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يوليو-1988
مشاهدات 77
نشر في العدد 876
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 26-يوليو-1988
بيعة الأنصار:
عن أبي الوليد عبادة بن الصامت رضي اللهعنه قال:
«بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وولي أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» «١».
فأول بند في بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث عن السمع والطاعة ويصف هذه الطاعة بصفات محددة لا تتجلى الطاعة إلا فيها، فالدعوة تحتاج من جنودها طاعة لا تمتزج فيها الأهواء ولا تؤثر فيها الأمزجة، ولا تغيرها حالات العسر واليسر التي يمر بها الداعية كأي إنسان يعيش على هذه الأرض، طاعة مطلقة ما دامت في طاعة الله حتى وإن كانت تلك الأوامر مما تكره نفوسنا أو هي معاكسة لآرائنا وأهوائنا «في المنشط والمكره» فالمنشط واليسر لا يدلان أبدًا على درجة طاعة الدعاة لأن الطاعة آنذاك سهلةعلى النفوس إنما تبرز الطاعة الحقة لمتطلبات الدعوة، حينما تكون في العسر والمكره على مثل هذا اللون من الطاعة بايع الرعيل الأول من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- سعد يتذكر البيعة:
وفي اللحظات الحرجة التي مر بها الرسول صلىالله عليه وسلم قبيل معركة بدر وهو يعلم أن قريشًا يعدون له العدة لملاقاته في أول معركة بين الحق والباطل، وهو لا يملك إلا نفسه والمهاجرين، فكان يردد «أشيروا عليَّ أيها الناس» وكان الذي يرد عليه أصحابه من المهاجرين، فكلما انتهى أحدهم من بيان الاستعداد لخوض المعركة، كرر نفس السؤال: «أشيروا عليَّ أيها الناس» هنا تنبه أحد قادة الأنصار، الصحابي الجليل الذي اهتز له العرش عند موته «سعد بن معاذ» وقال له: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد «2».
وقول سعد رضي الله عنه «والله لكأنك تريدنا یا رسول الله؟ ينبئ بأن سعدًا لم يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد جواب الأنصار على سؤاله المتكرر، لأن نصوص البيعة لا تلزم الأنصار بالحرب مع الرسول صلى الله عليه وسلم وحمايته خارج المدينة، بل إنه اعتقد بأن أجوبة المهاجرين المتكررة كانت تمثل الجميع بما فيهم الأنصار فلا داعي لسماع أجوبة الطرفين ماداموا جميعًا يمثلون «كتلة المؤمنين».
وفهم منذ البيعة الأولى التي تحدث عنها عبادة بن الصامت بأنها تقتضي بأن يبيعوا بذلك الأموال والأنفس في سبيل الله لا يخافون بالله لومة لائم، وأنهم يخوضون غمرات الموت في سبيل ذلك، ولا أدل على ذلك من قوله «فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد» ومن المعروف أن الصحابة كان معظمهم لا يعرف السباحة، ولكنها الطاعة التي فهموها منذ اللحظات الأولى من البيعة.
- دقة الجندية الإسلامية:
«قال جندب بن مكيث الجهني: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلابي إلى بني الملوح لكديد، وأمره أن يغير عليهم، وكنت في سريته، فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر، فانبطحت عليه، وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحًا على التل، فقال لامرأته: إني لأرى سوادًا على هذا التل ما رأيته في أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك؟ فنظرت فقالت: والله ما أفقد منها شيئًا، قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي، فناولته فرماني بسهم في جنبي أو قال في جبيني فنزعته فوضعته، ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبه، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته أما والله لقد خالطه سهماي ولو كان ريبة لتحرك، فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما لا تمضغهما على الكلاب، قال: فأمهلنا حتى إذا راحت روايحهم، وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا، وذهبت عتمة من الليل شننا عليهم الغارة، فقتلنا واستقنا النعم» «3»
إنها مثال الدقة بالطاعة والتحمل من أجل تنفيذ أوامر القيادة فلو تحرك ربما فسد كل شيء.
وفي غزوة الخندق بعث الرسول صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان ليأتي بخبر القوم، وقال له «ائتني بخير القوم ولا تذعرهم علي» «4» يقول حذيفة: «فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد قوسي، وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تذعرهم علي، ولو رميته لأصبته، فرجعت كأنما أمشي في حمام فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابني البرد حين رجعت وقررت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أبرح نائمًا حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا نومان!» «5». إنها كانت ليلة من أشد ليالي الشتاء بردًا وظلمة، مما جعل الصحابة رضي الله عنهم لا يقومون عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول «ألا رجل يأتيني بخبر القوم» «6» ولكنه عندما وجه الأمر لأحدهم وهو حذيفة امتثل حالًا، ودونما تردد، وهو يعلم مشقة المهمة المرسل إليها، ويعلم أن نفسه تأبى الخروج في مثل هذه الليلة الشديدة البرد، ثم ترد دقة حذيفة رضي الله عنه في التنفيذ، أنه يرى أبا سفيان قائد جيوش الأحزاب بارزًا أمامه دون حائل، ويكاد يقتله، ولكنه يتذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتوقف عن الاجتهاد بما لم يؤمر به لئلا يؤدي اجتهاده إلى ردود فعل غير متوقعة، أو إلى نتائج سلبية، غير ما كان يرجو أن كثيرًا من الخطط يصيبها الارتباك بسبب اجتهاد القائمين على التنفيذ بغير ما أمروا به، واتفقوا عليه ولقد أوقع بعض الدعاة جماعاتهم في حرج شديد، وجروا عليهم من البلاء الذي لم يخططوا لمواجهته الكثير الكثير، بسبب اجتهاداتهم وخروجهم عما أمروا به زيادة أو نقصًا أو تجديدًا كاملًا، يختلف تمامًا عن الأوامر الأصلية.
- لماذا يطيعون:
إنهم يطيعون قيادة الدعوة، لأنهم يعلمون أن طاعة أمير الدعوة من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، كما ذكر ذلك في الحديث الشريف «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصيني فقد عصى الله، ومن يطيع أميري فقد أطاعني، ومن يعصي أميري فقد عصاني» «7» وليس مهمًا عندهم أن يكون الأمير فلان بن فلان أو فلان بن علان ما دام يأمر بالحق وينقاد إليه، ذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسمع وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة» «8» ذلك لأهمية الطاعة في حياة المجموعة ليسهل سيرها، وتحقيق أهدافها، فالسمع والطاعة كما يقول الدكتور محمد السيد الوكيل «هما من أهم حقوق القيادة في كل زمان ومكان، إذ بغير السمع والطاعة لا يمكن الضبط والربط، كما لا يمكن تكوين جيش رادع لعدوه يدافع عن وطنه، وبغير السمع والطاعة تكون الفوضى التي لا نظام فيها والاضطراب الذي لا استقرار معه»«9».
«١» البخاري ١٣/ ٥ ومسلم ۱۷۰۹
«2» البداية والنهاية ٣/ ٢٦٢
«3» البداية والنهاية ٤/ ٢٢٣
«4» «5» «6» رواه مسلم (۱۷۸۸) كتاب الجهاد والسير.
«7» مسلم (۱۸۳5).
«8» رواه البخاري ١٣/ ١٠٨
«9» القيادة والجندية ص ۲۱۰
رسائل الإخاء
الصلاة على أهل القبلة
بقلم الأستاذ نادر النوري
عن جابر بن عبد الله أن الطفيل بن عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لك في حصن ومنعة حصن دوس؟ قال: فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذخر الله للأنصار فهاجر الطفيل وهاجر معه رجل من قومه، فمرض الرجل فضجر فحبا «زحفًا على يديه من شدة المرض» إلى قرن «جعبة السهام» فأخذ مشقصًا «سهمًا» فقطع ودجيه «رواية مسلم فشخبت يداه حتى مات» فمات «أي انتحر» فرآه الطفيل في المنام «زاد مسلم: وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه».
قال ما فعل الله بك «عند مسلم: ما صنع بك ربك، ما لي أراك مغطيًا يديك؟» قال: غفر لي بهجرتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: ما شأن يديك؟ قال فقيل: إنا لا نصلح منك ما أفسدت يديك. قال: فقصها الطفيل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم وليديه فأغفر» ورفع يديه. انتهى (ورواه مسلم وأحمد وغيرهما).
قال النووي في شرح مسلم:
وفي هذا الحديث حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو في حكم المشيئة. انتهى
وذهب جمهور العلماء إلى أنه يصلى على الغال «الذي سرق من الغنيمة» وقاتل نفسه وسائر العصاة قال النووي: قال القاضي «مذهب العلماء كافة: الصلاة على كل مسلم ومحدود «أقيم عليه الحد» ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا» وما روى أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل على الغال وقاتل نفسه، فلعله للزجر عن هذا الفعل كما امتنع عن الصلاة على المدين وأمرهم بالصلاة عليه.
قال ابن حزم: ويصلى على كل مسلم برٍّ، أو فاجر، مقتول في حد أو حرابة أو في بغي، ويصلي عليهم الإمام وغيره، وكذلك على المبتدع ما لم يبلغ الكفر وعلى من قتل نفسه وعلى من قتل غيره». ولو أنه شر من على ظهر الأرض، إذا مات مسلمًا، لعموم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «صلوا على صاحبكم» والمسلم صاحب لنا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (الحجرات: ١٠).
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١).
فمن منع الصلاة على مسلم، فقد قال قولًا عظيمًا وأن الفاسق لأحوج إلى دعاء إخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم!!
وصح عن عطاء أنه يصلى على ولد الزنا، وعلى أمه وعلى المتلاعنين وعلى الذي يقاد منه، وعلى المرجوم، وعلى الذي يقر من الزحف فيقتل.
قال عطاء: لا أدع الصلاة على من قال: «لا إله إلا الله»
وصح عن قتادة أنه قال: ما أعلم أحدًا من أهل العلم اجتنب الصلاة عمن قال: «لا إله إلا الله».
وصح عن ابن سيرين، ما أدركت أحدًا يتأثم من الصلاة على أحد من أهل القبلة.
وعن أبي غالب: قلت لأبي إمامة الباهلي: الرجل يشرب الخمر، أيصلى عليه؟ قال: نعم. لعله اضطجع مرة على فراش فقال: «لا إله إلا الله» فغفر له.
ولا يجوز لمسلم أن يصلى على كافر، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (التوبة: ٨٤).
وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١١٣، ١١٤).
وكذلك لا يصلى على أطفالهم لأن لهم حكم آبائهم إلا من حكمنا بإسلامه بأن يسلم أحد أبويه أو يموت أو يسبى منفردًا من أبويه أو من أحدهما فإنه يصلى عليه. انتهى فقه السنة، الأدب المفرد للبخاري، المحلي، شرح مسلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل