العنوان المجتمع التربوي (1366)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
مشاهدات 57
نشر في العدد 1366
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 07-سبتمبر-1999
وقفة تربوية..
- فوائد البلاء
ذكر صاحب المستطرف أن الحوادث المحضة مكسبة الحظوظ جليلة، فهي:
1- إنما ثواب مدخر
2- أو تطهير من ذنب
3- أو تنبيه من غفلة.
4- أو تعريف لقدر النعمة «المستطرف :٦٧».
لا شك في أن فوائد البلاء كثيرة، وقد تحدث الكثير من العلماء في ذلك خاصة الإمامين ابن القيم، وابن الجوزي، وإن كان أبرز ما في هذه الفوائد ما ذكره الأبشيهي في مستطرفه، ذلك أن أولى الفوائد التي تساق للمبتلى في الثواب العظيم الذي يعينه في عمله القليل خاصة إذا صبر على هذا البلاء، ولم يتأفف أو يشك لأحد من المخلوقين بل حمد الله وفوض أمره إليه دون احتجاج على قدره.
كما أن من أبرز هذه الفوائد ما يحتاجه كل مسلم، بل أشد حاجة إليه يوم القيامة، وهو التكفير عن السيئات فما أكثر ما تكتب في هذه الحياة، فيأتي البلاء رحمة من الله تعالى لمحو هذهالذنوب.
والبلاء إيقاظ للمسلم من غفلته وانغماسه في هذه الدنيا وزينتها، ولهوه وابتعاده عن آخرته، وهو تنبيه من الرحمن الرحيم من يحبه من عبيده الرجوع إلى الصراط المستقيم، والعمل لما خلقه الله من أجله، مع عدم تضييع الأوقات فيما لا يجلب له الخير والنجاة يوم القيامة.
والبلاء تنبيه القدر نعمة المولى لأن الإنسان ما سمي إنسانًا إلا لكثرة النسيان، وقد تطغيه النعمة، وتنسيه المنعم، فيأتي البلاء ليذكره جليل فضل الله عليه بعد أن فقد نعمته.
أبو خلاد
آفات على الطريق«الحلقة الثانية»
اليأس والقنوط ..الأسباب والعواقب
بقلم: د. السيد محمد نوح
تحدثنا في الحلقة السابقة عن تعريف هذه الآفة لغة وشرعًا. واستعرضنا بعض مظاهرها، وتطرقنا إلى تحليل بعض أسبابها.. واليوم نواصل عرض بقية الأسباب، ثم تتناول تأثير وعواقب اليأس والقنوط على الأفراد العاملين.
فمن حيث الأسباب نجد أن السبب التالي هو:
4- الغفلة عن جوانب الفشل في حياة الأعداء:
ذلك أن حياة الأعداء برغم ما فيها من نجاحات تتمثل في هذا التقدم العلمي الهائل في كل شؤون الحياة، والذي به كانت سيادة وسيطرة هؤلاء على غيرهم من الأمم الضعيفة أو المستضعفة، إلا أنها لا تخلو من جوانب فشل وإخفاق في جانب القيم والأخلاق، فمنها ما ينكر وجود الله بالمرة، ويقول الكون مادة، ولا إله والدين أفيون الشعوب، ولا آخرة، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر وتبعًا لذلك يطلق العنان لنفسه أن تنال حظها من الشهوات بكل ما تيسر لها من سبل وأساليب.
ومنها ما يشرك بالله ويتصور الجزاء في الآخرة قائمًا على مبدأ المحاباة، والمحسوبية وتبعًا لذلك يقبل على الشهوات واتباع الهوى غير ملتزم بأي ضابط خلقي أو إنساني، ولقد انتهت الأمور بهؤلاء وأولئك إلى القلق والاضطراب النفسي والفرقة والقطيعة والعلل والأمراض البدنية المستعصية على العلاج، وشيوع الجريمة وتمرد الظواهر الكونية ونحوها، وأخيرًا اليأس والقنوط إلى حد كراهية الحياة، ومحاولة التخلص منها بطريق أو بأخرى.
وهكذا لا تخلو حياة الأعداء من جوانب فشل، نهايتها اليأس والقنوط وغفلة المسلم عن هذه الجوانب يوقعه فيهما لا محالة.
5- عدم معرفة الله حق المعرفة:
وقد يؤدي عدم معرفة أنه سبحانه موصوف بكل كمال منزه عن كل نقص، ومن كماله سبحانه نصر المؤمنين وإعزاز الدين – شريطة أن يكون المؤمنون أتقياء أقوياء، فإن اختل هذان الشرطان أو أحدهما كانت السيادة والغلبة لغيرهم ليفيق المؤمنون، ويعودوا للأخذ بأسباب القوة والغلبة -قد يؤدي عدم معرفة الله على النحو المذكور إلى الوقوع في اليأس والقنوط.
6- سوء الظن بالله -عز وجل:-
من أنه لا ينصر دينه ولا يؤيد أهله، وأولياءه وأن دينه سيضمحل، وأن أهله وأولياءه سيقضي عليهم، وينتهون، كما قال سبحانه: ﴿وَطَآئِفَة قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡء قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡء مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ﴾(ال عمران:154)
وكما قال عز من قائل: ﴿وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرا﴾ (الفتح:6)
يقول ابن القيم – رحمه الله - ، فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم، ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه، وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا، لا يقوم بعده أبدًا، فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله، وصفاته، ونعوته([2])
وهكذا: قد يؤدي سوء الظن بالله إلى الوقوع في اليأس والقنوط.
7- ضرب أو إجهاض كل محاولة نجاح أو فوز:
مرور النجاح أو الفوز بسلام واستقراره على أرض الواقع مما يبعث الأمل في النفوس، ويبث الثقة في القلوب، أما القضاء على كل نجاح أو فوز
بالضرب أو بالإجهاض فإنه يسمح بتسرب اليأس والقنوط إلى النفوس.
وأمثلة ذلك من الواقع المعيش اليوم كثيرة لا تخفى على كل ذي لب وبصيرة على المستوى الفردي والجماعي، والحكومي والشعبي فالدولي، والعالمي.
8- عرض تاريخ الأمة: أفرادًا وجماعات، حكامًا ومحكومين عرضًا مشوهًا مبتورا:
ذلك أن قيمة كل أمة في صفاء تاريخها. ونقاء سيرتها أفرادًا وجماعات، حكامًا محكومين، فإذا ما شوه هذا التاريخ، وعرض برضًا مبتورًا ناقصًا فقد قضى على ما تفاخر به لأمة وتباهي به بين الأمم والشعوب، وفتح الباب لتسرب اليأس والقنوط إلى النفوس على النحو لذي صنعه الأعداء والمغرضون بتاريخنا حسبنا من ذلك ما عرضه جورجي زيدان في كتابه «تاريخ التمدن الإسلامي»، وما عرضته اسرائيل وهي تحتفي بمرور خمسين عامًا على إنشائها من تزييف النجاح الذي حققته الأمة في عرب رمضان عام ۱۹۷۳م، وتشويه المستشرقين المستغربين الجهاد المجاهدين من أبناء هذه الأمة، بدءًا بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، وانتهاء الشيخ حسن البنا عليهما من الله الرحمة الرضوان.
9- القطيعة والفرقة:
فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه والدين لا ممكن له التمكين الصحيح إلا بجماعة تتمتع بكل واصفات الجماعة، كما قال عمر - t «ولا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا إمارة، ولا إمارة إلا ببيعة، ولا بيعة إلا طاعة»([3])
وإذا بدت القطيعة بين أبناء الأمة الواحدة علتها الفرقة والتمزق زال وانمحى مبعث الأمل والرجاء من نفس المسلم، وحل محله اليأس القنوط.
10 – الغفلة عن سنن الله في مواجهة الإخفاق والفشل:
إن لله سننًا في مواجهة الإخفاق والفشل. تتمثل هذه السنن في العمل بحكمة، واستمرار مع الاستعانة بالله – U.. وحسن توكل عليه حتى يقضي على هذا الإخفاق، ويزول الفشل الغفلة عن هذه السنن والأخذ بها يوقع لا محالة في اليأس والقنوط.
11 – العيش في وسط يسيطر عليه اليأس والقنوط:
سواء أكان هذا الوسط قريبًا كالبيت أم بعيدًا كالمجتمع، مما يبعث على اليأس والقنوط لاسيما إذا لم يكتمل نضج المرء، ولم يكن يتمتع بالحصانة اللازمة للحماية من الوقوع في براثن هذه الآفة.
12 – ضعف الهمم، وفتور العزائم ونزول الإرادات:
ذلك أن الهمة القوية، والعزيمة الصادقة الإرادة العالية مما يبعث على الأمل. ويزرع الثقة الرجاء في النفوس أن تتخطى العوائق الحواجز مهما يكن شأنها وقوتها، بخلاف سعف الهمة، وفتور العزيمة، ونزول الإرادة فإنها تفتح الباب أمام اليأس والقنوط أن يشقا طريقهما إلى القلوب، وأن يسيطرا على النفوس.
من الأسباب:
- سوء الظن بالله
-عدم معرفته حق المعرفة
– الغفلة عن سننه
- ضعف الهمم وفتور العزائم
-العيش في وسط سلبي
13 – الغفلة عن عواقب وآثار اليأس والقنوط:
قد تكون هذه الغفلة على كل المستويات – الفردية والجماعية الحكومية والشعبية على النحو الذي سيظهر من خلال العرض بعد قليل - من بين البواعث الحاملة على اليأس والقنوط من باب أن الجهل بالعواقب الضارة، والآثار المهلكة لأمر ما قد توقع المرء في هذا الأمر، ثم يكون الندم حين لا ينفع الندم.
إلى غير ذلك من الأسباب.
رابعًا- آثار وعواقب اليأس والقنوط:
إنها آثار ضارة، وعواقب مهلكة سواء على العاملين أو من هذه الآثار وتلك العواقب على العمل الإسلامي، ودونك طرفًا من هذة الاثار وتلك العواقب.
أ-على العاملين:
1- القعود عن أداء الواجبات:
بأن يتخلى المرء عن الالتزام بمنهج الله بل عن الدعوة إلى دينه سبحانه وتعالى متذرعًا بأن ذلك ألب الكارهين للإسلام الحاقدين عليه ضده وجر عليه ويلات وويلات في : نفسه وأهله وذويه ،وأمواله، ومركزه، وما كان أغناه عن ذلك خصوصًا أن قضية الالتزام بدين الله، والعمل لهذا الدين ما جنت شيئًا يذكر في مواجهةتحديات الأعداء.
2 – دعوة الآخرين إلى القعود عن أداء واجبهم:
فاليأس القانط الذي قعد عن أداء دوره وواجبه يريد أن يجد لنفسه سلوة أو أسوة، ولا يرى ذلك إلا في دعوة الآخرين إلى القعود عن أداء دورهم وواجبهم مثله، وفي عصرنا الحاضر قعد واحد من أبناء الحركة الإسلامية عن أداء دوره وواجبه ضعفًا من ناحية، ويأسًا وقنوطًا من ناحية أخرى، فإذا هو يضع كتابًا بعنوان خمسة وعشرون عامًا في جماعة، يدعو فيه الناشئة إلى الابتعاد عن الحركة الإسلامية لأنه لاقي الأمرين من وراء الالتحاق بها، وما جنى شيئًا يذكر، وهو يضن بهؤلاء الناشئة أن يصيبهم مثل الذي أصابه، أو يحل بهم مثل الذي حل به.
.. العواقب:
- قعود عن أداء الواجبات.
- دعوة الآخرين لهذا القعود.
- خضوع واستسلام لأعداء الله.
- شكوك تصل إلى حد الطعن.
- حمل أوزار النفس والمقتدين بها.
3-الخضوع والاستسلام لمن يحادون الله ورسوله:
إذا سيطر اليأس والقنوط على المرء لم يجد بدًا من الخضوع والاستسلام لمن يحادون الله ورسوله ظانًا أنه يجد عندهم النجاة والخلاص، وأولئك يعرفون نقطة الضعف هذه، فيستغلونها في تحقيق مآربهم ومصالحهم بأن يجعلوا من هذا الصنف من الناس عينًا لهم بعد أن يلقوا به في حماة الإثم والرذيلة، وحينئذ يكون ممن خسر الدنيا والآخرة جميعًا، وذلك هو الخسران المبين.
وفي تاريخ الحركة الإسلامية نماذج عدة هذا النفر منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وقد حاد عن الطريق المستقيم، فارتمي في أحضان من يحادون الله ورسوله مستسلمًا منقادًا لهم بسبب اليأس والقنوط.
5- الشك في كل ما ينتمي إلى الإسلام والمسلمين إلى حد الطعن والتشويه:
ذلك أن اليأس والقنوط إذا سيطرا على المرء دخله الشك والارتياب في كل ما ينتمي إلى الإسلام والمسلمين سياسيًا واجتماعيًا. واقتصاديًا وفكريًا، وعلميًا، وأدبيًا، وإعلاميًا إلى حد السخرية والاستهزاء والاحتقار والازدراء بل الطعن والتشويه، وفي الواقع المعاصر نماذج عدة ناطقة بصحة هذا الأثر يمكن اكتشافها بقليل من البحث والتنقيب.
5- حمله وزر نفسه وأوزار المقتدين به:
فالمرء بيأسه وقنوطه قد حمل وزرًا عظيمًا عن نفسه، وعن من اقتدى به لا سيما من الناشئة والشباب وضعاف الهمم والعزائم، لأنه حينئذ من دعاة الضلالة، وقد قال النبي r: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا »([4]). (من أفراد مسلم على البخاري)
([2]) بدائع التفسير لابن قيم الجوزية 1\519
([3]) أخرجه الدارمي في السان المقدمة باب في ذهاب العلم ١ / ٧٩ من حديث تميم الداري بلفظ تطاول الناس في البناء في زمن عمر، فقال عمر: يا معشر العرب الأرض الأرض، إنه لا إسلام إلا بجماعة والحديث.
([4]) سبق تخريجه
- نعمة الحرية
د.تيسير مصطفى أحمد
لا ينكر إلا جاحد أو مغالط أن نعم الله على خلقه- بشرًا وغير بشر- أكثر من أن تحصى وأعظم من أن تقدر حق قدرها وأن تشكر.
وحظ البشر خاصة من هذه النعم أعظم وأوفر وهم يفضل نفخة الروح ونعمة العقل التي ميزهم الله تعالى بها الأقدر من معظم المخلوقات على إدراك أنعم الخالق، وعلى القيام بشيء رفيع من شكرها، وإن لم يكن ذلك أبدًا مكافئًا لقدرها.
ولنقف هنا لحظات أمام إحدى هذه النعم الربانية الكبرى بحيث نعيد النظر في مفهومها وقيمتها، ومجالات التنعم بها، ودورها العظيم في حياة الأفراد والأمم، ومدى الخطر الكبير والمدمر في كفراتها، وكيف يكون هذا الكفران؟ وكيف نبرأ منه إلى الشكران الواجب؟
إنها نعمة الحرية التي تغنى بها الناس كل الناس، ولا يزالون في كل مكان، ومن أجلها تحمل الملايين في كل عصر من ألوان العذاب ما لا يعلمه إلا الله بل في سبيلها استرخصت الدماء وسالت أنهارًا، وفي الجانب الآخر ارتكبت باسمها أبشع الحماقات والمنكرات التي أذاقت البشرية أخطر الويلات والظن أن كل نعم الله تعالى هكذا إن قوبلت بالشكران أتت أكلها كل حين بإذن ربها، وإن قوبلت بالكفران انقلبت وبالًا على أهلها: ﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلا قَرۡيَة كَانَتۡ ءَامِنَة مُّطۡمَئِنَّة يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدا مِّن كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ (النحل: 112)
بداية.. لقد خلق الرحمن الرحيم البر الودود كل خلقه، علوًا وسفلًا ، أحرارًا، ولم يشأ ، وهو صاحب الملكوت والجبروت، أن يخلقهم عبيدًا، وهم جميعًا عبيده الأقنان بحكم الخلق من العدم، لقد عرض بنفسه الأمانة عليهم ليختاروا موقفهم من حملها فرفض البعض وقبل البعض ﴿ إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُوما جَهُولا﴾ (الأحزاب: 72)، فكان الإنسان هو البطل الذي لم يرض لنفسه الحرمان من الحرية ولو تحمل في سبيلها ولوج الجحيم في الدنيا أو الآخرة أليس قد خلقه الله وأهله ونفع فيه من روحه ليجعله أهلًا لهذا الشرف؟
وعلى ذلك فالله سبحانه: حتى في أمر الهداية إلى الخير والحماية من البشر- لم يشأ أن يسلب الإنسان هذه الحرية فأعلن بكل وضوح وتأكيد أنه لم يشأ ذلك وأن يسمح به الأحد غيره ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ﴾ (يونس: 99)، «ولو: حرف امتناع الامتناع» وحين أحس من محمد انه- ولو من منطق الحرص الشديد على خير الناس يحاول الضغط عليهم ليؤمنوا بالله قال سبحانه ﴿أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ (يونس: 99).
وتأكيدًا لهذا التكريم حرم سبحانه الإكراه بكل صوره، وجعل وجوده ملغيًا للمسؤولية، فمن أكره على فعل خير ففعله فلا ثواب له، ومن أكره على فعل شر ففعله فلا إثم ولا عقاب عليه.
كيف العمل إذن؟ تمسك بقوة بحريتك المسؤولة كن سيد نفسك لا تسمح المخلوق كائنًا من كان أن يستعبدك بأي صورة لا تتنازل عن حريتك في اتخاذ القرار ثق بنفسك مهما يكن مستواك الثقافي- وبقدراتك العقلية على اتخاذ القرار.
وماذا يحدث إن تنازلت عن حريتي البشرية؟ وكيف وخالقك لم يرض لك ذلك حتى معه سبحانه؟ لقد خلقك حرًا لتبقى دائمًا كذلك حتى وأنت في قمة العبودية مع الله عز وجل أليس قد فرض عليك أن تبدأ كل عبادة بنية أليس معنى النية أن تستحضر قبل البدء في العمل وعيك الكامل بأنك قد اخترت هذا العمل لغاية محددة عندك وقررت الشروع في أدائه على وجه تعرفه وتؤمن بأنه الحق.
إن تنازل أي فرد عن حديثه هو تنازل عن كرامته وإنسانيته، إنه إلغاء لشخصيته ليس هذا فحسب وإنما هو فوق ذلك إسهام غير منظور في خلق المستبدين على أي مستوى من الذي صنع فرعون إنهم أولئك المتنازلون عن حرياتهم ممن همشوا أنفسهم، وفرغوها من محتواها، وأذلوها لمخلوق مثلهم بل ربما أدنى منهم ،قيمة انظر إلى السحرة- وكانوا من الطبقات العليا وقتئذ - حين دعاهم فرعون ليتحدوا موسى عليه السلام كيف كانت ضعتهم وهوانهم على أنفسهم أمام فرعون ﴿ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ﴾ (الشعراء:41) ﴿فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ (الشعراء:44)
لا ريب أن فرعون ازداد فرعنة ساعتئذ، وكانت النتيجة الحتمية أن أذلهم الله هم وفرعون، لولا أنهم استردوا حريتهم وعزتهم حين عرفوا الحق وءامنوا به فتغير موقفهم من أنفسهم ومن فرعون كذلك حتى كاد ينفجر غيظاً ﴿فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰف وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابا وَأَبۡقَىٰ قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡر وَأَبۡقَىٰٓ﴾ (طه: 70-73) لا شك في أنهم لم يكونوا صادقين في زعمهم أنه أكرههم على السحر، لقد جاءوا راغبين في التقرب إليه لنيل عطاياه، وإلا فكيف نجحوا في التخلص من إكراهة المزعوم، وفلقوا کبده بهذا التحدي الرائع؟
«كفل الله تعالى حرية الاختيار للإنسان حتى في أمر الهداية لكي يتحمل مسؤوليته الكاملة عن ذلك»
لم يكن السحرة وحدهم المفرطين في حريتهم في صناعة الفرعون لقد كان وباء مستشريًا أنتج العشرات من الفراعين : ﴿فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡما فَٰسِقِينَ﴾ (الزخرف:54)، لقد طلب منهم أن يتنازلوا عن قيمتهم فرضوا، فخف وزنهم في أنفسهم قبل أن يخف عنده، فصاروا طوع بنانه لا يصدونه عن غي، ﴿وإنهم كانوا قومًا فاسقين﴾ إن خرجوا على أصل الفطرة ونهج الحرية، ولو أنهم فعلوا كالسحرة الذين رجعوا إلى أنفسهم وحقيقتهم فوقفوا في وجهه لما تفرعن.
وقس على ذلك كل الطواغيت الزوج المستبد، والزوجة المستبدة، والمدير أو رب العمل المستبد، والحكام المستبدون برعاياهم، والدول الكبرى المستبدة بعشرات الحكومات والشعوب المستقلة في النظام «أو الطغيان» العالمي الجديد «القديم» إنك ترى ملايين العبيد ينحنون -باختيارهم- في ذلة أمام هاتيك الطواغيت وعلى وجوههم بسمة وتعبيرات كاذبة، وقلوبهم لاشك تتمزق خزيًا وكمدًا خاصة حين يخونون أنفسهم، ويتعللون بأن ذلك من أجل لقمة العيش أو أنه استغلال وخداع لأولئك المستبدين وهو وهم لا يغير الحقيقة المرة .
بل تدبر بعمق في الطواغيت غير المنظورة التي تستبد بالملايين أو البلايين من البشر العقلاء الغرائز والرغبات والأفكار والمبادئ والعادات والتقاليد التي تحشو بها وسائل غسيل الأدمغة عقول الناس، كيف يتحول الناس أمامها إلى عصف مأكول يتسابقون في تلبية مطالبها منومين مخدرينلا يستيقظ معظمهم إلا بعد فوات الأوان، وخراب البنيان!
الحرية الحقيقية التي رهبها الخالق الحكيم للإنسان هي التي تحميه من هذا السقوط حين يعض عليها بالنواجذ، ويأخذها بحقها، أما أن يرفع الإنسان شعار الحرية ليفرق نفسه في العبودية لكل شيء متملصًا من تبعات الحرية ومسؤولياتها كما يفعل أصحاب الليبرالية، والنفعية والميكيافيلية في كل مكان، فإن النتيجة هي ما نراه من تفسخ وتحلل وتمزق وهبوط إلى دركات أدنى من كل المخلوقات الدنيا التي لم ترضي أن تتحمل الأمانة ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوى لَّهُمۡ﴾ (محمد:12)، نار في الدنيا قبل نار الآخرة. أما الأحرار حقًا، الأوفياء صدقًا فلهم عالم أخبر الشرف وأكرم :﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِن فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰة طَيِّبَة وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (النحل:97) .
- أبوة التربية والدين
بقلم د.فتحي يكن
دعيت منذ فترة قريبة للمشاركة في حفل خصص لتكريم كوكبة من مؤسسي العمل الإسلامي في بلد من البلدان العربية.
كان قد مر على تأسيس العمل في ذلك البلد ما يقرب من نصف قرن وعلى امتداد هذه الفترة الطويلة وقعت أحداث عانية، ومرت ظروف قاسية سقط خلالها من سقط وثبت من ثبت ثبتنا الله جميعًا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
كان مطلوبًا مني أن ألقي الكلمة الرئيسة في هذه المناسبة فكان مما قلته:
إن هذا اللقاء التكريمي مبادرة وفاء في زمن قل فيه الوفاء وندر فيه الأوفياء لله ورسوله، ثم لمن سبقونا بإحسان، وتأكيد المعاني الخطاب الرباني الخالد الذي ورد في قوله تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوف رَّحِيمٌ﴾ (الحشر:10).
إنه ترجمة عملية للأمر النبوي الذي يتجلى في قوله r «أنزلوا الناس منازلهم» (رواه مسلم في مقدمته). إذ إن الناس يتفاوتون في مقاماتهم. يسبقهم، وعطائهم فالمهاجرون ليسوا كالأنصار وأهل بدر ليسوا كغيرهم﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (الواقعة: 10-12)
لا شك في أن الإسلام ساوى بين الناس في أصل الخلقة كلكم لآدم وأدم من تراب، إلا أنه ترك الباب مفتوحًا للتنافس والارتقاء بدون حدود، وهو ما يتجلى في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ (الحجرات:۱۳) وصدق رسول الله r إذ ورد عنه أنه قال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه» (ابن ماجة) وقوله: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه » (للنسائي).
حتى في العطاء المادي وتوزيع الغنائم فضل الله المجاهدين على القاعدين وذلك في قوله تعالى: ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَة وَكُلّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيما﴾ (النساء :95)
قد يختلط على الكثيرين الأمر، أو قد يدخل عليهم الشيطان من باب الغيرة والحسد، فينكرون مثال هذه المبادرات متذرعين بالمقولة البدعة «نحن رجال وهم رجال» متوهمين أن كل الرجال ككل الرجال، ناسين قول الله تعالى ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ﴾ (البقرة (۲۳۷)، وقوله r: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه به أخذ بحظ وافر» (للترمذي) وفي رواية «فضل العالم علي العابد كفضلي على أدناكم، ثم قال رسول الله r: «إن لله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» (للترمذي).
إن عشرات المؤلفات والمصنفات والتراجم الإسلامية قد اعتنت عناية بالغة بتصنيف الرجال بحسب علمهم وبلاتهم، وعطائهم فجعلتهم طبقات طبقات ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدا وَقَآئِما يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (الزمر: 9)
إن عقوق السابقين بإيمان وإحسان، قد يكون أعظم من عقوق الأبوين، فهذا عقوق أبوة الجسد والطين، وذلك عقوق أبوة التربية والدين، ويالها من لفتة نبوية زاجرة تبدت في قوله كله «رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف قيل من يا رسول الله؟ قال من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة» (رواه مسلم)
وفي أبيات منسوبة إلى أحد أبناء الملوك «قد يكون الإسكندر» يقول:
أفضل أستاذي على نفس والدي |
| وإن نالني من والدي العز والشرف |
فهذا مربي الروح والروح جوهر |
| وذاك مربي الجسم والجسم من صدف |
أین نحن من الأدب الرفيع الذي كان عليه السلف مع أهل السابقة فمن أقوالهم الرفيعة «أبوبكر سيدنا وأعتق سيدنا».
وإذا كان الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب المعروف بشدته قد مر بيهودي عجوز، يتكفف الناس، فعرفه فسأله ألست فلانًا قال نعم والله ما أنصفناك إذ أخذنا منك الجزية وأنت شاب وتركناك وأنت شيخ وأمر له بنصيب دائم من بيتمال المسلمين.
يجب ألا يكون هناك أدنى شك في أن الإسلام وضع مبادئ ثابتة وواضحة لاحترام الغير، وإنزال كل إنسان منزلته لتتكون من هذه المبادئ اللحمة للأمة الواحدة وليكون المسلمون كالجسد الواحد بأعضائه المختلفة ووظائفه المتعددة، يقول الرسول r: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (مسلم)
ثم إن اللفتة النبوية الجامعة في قوله r: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا» (الترمذي) لتبين أدب العلاقة بين الأجيال المختلفة.
ويوم كان المسلمون على هذا المستوى من الأدب الجم والاحترام المتبادل لم تتفش فيها ظاهرة «الصراع بين الأجيال» وبدعة نحن رجال وهم رجال قال الشاعر:
أولئك أباني فجئني بمثلهم |
| إذا جمعتنا يا جرير الجامع |
وجاء في روضة العقلاء:
ومن يشكر المخلوق يشكر لربه |
| ومن يكفر المخلوق فهو كفور |
- كلمة إلى الدعاة
روح التأليف في الإسلاميات
سمتًا أراه میزه تكليف السلف - رضوان الله عليهم- في الإسلاميات، إذ جمعوا بين المادة العلمية بموضوعية ما سبقهم إليها أحد، والإشراقة الروحانية التي تضفي على بحوثهم روحًا فضفاضة تنعش النفوس، وتروي القلوب.
فأنت إذا قرأت لابن القيم أو شيخه ابن تيمية- مثلًا -لامست ذلك، بل شممت رائحة الإخلاص والصفاء الروحي تحلق في مؤلفاتهم تحقيق الأرواح المطمئنة على الأجساد الظاهرة، وكم وقعت بين أيدينا مؤلفات في زماننا كلما لمسناها أحسسنا بانقطاع التيار على رغم أناقتها.
إن التأليف في الإسلام أمانة وتيار إيماني يعمل عمله في القلوب الحية والعقول النيرة، فإذا وجد التأليف الجاد القلب الحي كان كخيط كهربائي موصول بالمشعل النوراني كتاب الله وسنة رسوله r
ولا شك في أن المكتبة الإسلامية تزخر بمؤلفات وضيئة تلبي الحاجة، وتعين المبتدئ في الانتهال من كنوزها- والمطلوب -في اعتقادي أن يسعى التأليف إلى تيسير العسير، وتقريب البعيد، والتنقيب عن المغمور من التراث لما تدعو الحاجة إليه.
وبناءً عليه أرى أن التكليف الجاد هو الذي يركز على الضروري وما تدعو الحاجة إليه، وقد لا يأتي بثماره إلا إذا وعاه المتلقي، وسعى لتجسيده على أرض الواقع.
قد يقول قائل: ما حاجتنا إلى التأليف في الإسلاميات، وقد بانت كتبنا يزاحم بعضها بعضًا، في الموضوعات جميعها، حتى صارت لا تجد لنفسها مكانًا إلا بشق الأنفس؟
والجواب أن ذلك يصدق لو كان للحياة مسرى فريد لا يعدوه الناس أو كان للأجيال سمت موحد يكفيهم مؤونة التجديد، إلا أن الواقع يسير بخلاف ذلك ويهتف بنا هل من جديد فالحياة معطاءة ومتجددة وظروف الناس متغيرة دومًا.
كما أن الجمود قاتل ألا ترى الماء العذب الفرات إذا حاصرته جدران صماء تعفن وصار نتنًا خلافًا له لو تدفق فأحيا الموات؟
إن السلف بذلوا جهودًا في التأليف رزقتهم استغفار الحيتان، وما كان ذلك لولا محاكاتهم لواقعهم، فأثروا مكتبة الإسلام بالنافع العام، وإنه لشرف أن يسير المرء على دربهم ويقتفي أثرهم، ويسعى للتوسيع ما ضاق عندهم، أو إكمال ما حال قصر العمر عن تحقيقه.
فتح الله نوار
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل