العنوان المجتمع التربوي (1261)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997
مشاهدات 64
نشر في العدد 1261
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 05-أغسطس-1997
وقفة تربوية
من هنا يبدأ التطرف
قد يكون سبب التطرف عند بعض الإسلاميين أو العلمانيين تصنيفًا سياسيًا يولد الانفجار، أو جهلًا يولد العداء لما يجهل، أو ضعفًا من الناحية الأخلاقية، تجعله يتعامل مع الآخرين بغلظة واستعلاء، إلا أن السبب الرئيس في التطرف يبدأ من ضيق الصدر وعدم تحمل الرأي الآخر، وبالرغم من وجود كم هائل في أدبيات كل فريق تدل على احترام الرأي الآخر وتحمله، إلا أن الواقع يقول غير ذلك، فنرى بعض الإسلاميين يصل فيهم الضجر بالرأي الآخر إلى حد رفع السلاح في وجوه المخالفين وتصفيتهم، حتى وإن كانوا من الإسلاميين، ولكن ممن يخالفونهم بالرأي، وكذلك نرى بعض العلمانيين ما إن يروا معارضًا لرأيهم، وبخاصة إذا كان من الإسلاميين نعتوه بكل ما يعرفون في قاموس السب والشتم، وقليل من هؤلاء وهؤلاء من يتحمل الرأي الآخر ويحترمه.
إنها قضية أخلاقية لا علاقة لها باليسار أو اليمين، ولا بالإسلاميين أو العلمانيين، كما أن قبول الرأي الآخر سمة للمجتمعات المتقدمة، والضيق بالرأي الآخر سمة للتخلف والتأخر من أي جهة جاء.. ولهذا فقد قعد علماء الإسلام قواعد الإنكار، والتي من أبرزها «لا إنكار على مختلف فيه»، حيث يقول ابن قدامة في «الحلية» ويشترط في إنكار المنكر أن يكون معلومًا كونه منكرًا بغير اجتهاد، فكل ماهو في محل الاجتهاد، فلا حسبة فيه، ويقول الإمام سفيان الثوري: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه، وأنت ترى غيره، فلا تنهه»، ويقول الإمام النووي في الروضة: «إن العلماء إنما ينكرون ما أجمع على إنكاره، أما المختلف فيه فلا إنكار في، لأن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد لا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع، ولا ينكر أحد على غيره، وإنما ينكرون ما خالف نصًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا»، هكذا فهم أسلافنا الإسلام، فهل نتعلم منهم فن الاختلاف؟؟
أبو خلاد
النظرة السوداء
في خضم العمل الإسلامي والصراع بين الحق والباطل، قد يعيش الداعية إلى الله في حالة نفسية، يشعر بها بالإحباط لما يدور حوله من فساد، أو انتصار لباطل، أو ضمور في العمل الإسلامي، أو غيره من الأمور التي يظن بعدها أنه لا أمل بالعمل فيتحبط، وهنا يكمن الخطر، وتبدأ الهزيمة الفعلية، والانتصار لأعداء الإسلام بهذه النظرة السوداء، وكأن ليس في هذه الدنيا صلاح.
تفاءل بالخير: بالرجوع إلى قائدنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم نراه كيف كان يحث أصحابه على التفاؤل، والنظر بمنظار أن المستقبل لهذا الدين، فكان يقول: «تفاءلوا بالخير تجدوه»، وفي قمة الشعور بتخلي الجميع عنه، وهو في الطائف حين أتاه ملك الأخشبين، وسأله إن كان يريد أن يطبق على أهل مكة الجبلين؛ فينزل عليهم عذاب الله، قال عليه أفضل الصلاة والتسليم بنظرة تفاؤلية: «لا.. لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله» لم يتذمر، ولكن اجتهد للدعوة إلى الله، فاستطاع من بعد الفئة القليلة التي كانت تنصر هذا الدين أن تكون السيادة للإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ويبث الإسلام في قلوب الكثير.
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
الأمل المشرق: انظر إلى الدعوة وإلى الحياة بنظرة تفاؤلية، فمهما زاد ظلام الليل حلكة، فلا بد أن تشرق الشمس سواء طال هذا الليل أو قصر، وحتى في ظلمة الليل ترى بصيص نور من القمر، وكما يقول الشاعر:
فـــــلا بد للـيـل أن ينــجـلـي
ولابد للقـــيـــد أن ينكســـر
واستبشر، فرسولك الكريم يقول: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء»... نعم طوبي لك إذا صبرت لطاعة الله تعالى مع تلك الطائفة التي أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم في حديثه حين قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».
لا إفراط ولا تفريط: لا تجنح إلى التشاؤم فتقنط، ولا تتفاءل بكثرة حيث ينسيك الواقع فتركن، لكن كن معتدلًا في ذلك، وأعط الأمور حقها، فلا تهويل ولا تصغير، واعلم أن الدرب صعب شائك، لكنك بعزيمتك وهمتك وتفاؤلك تمهد ذلك الطريق لنصرة دين الله، فلا إفراط ولا تفريط، وكما قيل: «ما لا يدرك كله لا يترك جله»، فنحن دعاة إلى الله تعالى إلى قيام الساعة، لن يقف أمامنا شيء إلا الموت، ونسأل الله الثبات على ذلك، فرسولنا- صلى الله عليه وسلم- علمنا معنى الحياة، وماهي بالنسبة لنا، فقال: «الدنيا حلوة خضرة، والله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون».... نعم هذه هي الدنيا حلوة لمن استغلها كقنطرة للعبور إلى الآخرة، ولكنها تصبح مرة عاجلًا أو آجلًا لمن لم يراقب الله بها، فـ «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، فيا أيها الداعية:
أخي امض ولا تلتفت للوراء
فدربك قد خضـبـتـه الدماء
ولا تلتفـت ها هنا أو هنـــاك
ولا تتطـلع لغير السمـاء
خالد علي الملا
ظواهر في حقل الدعوة
ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
التحليل: نتيجة لكثرة المنكرات وتفشيها، وتنوعها في الآونة الأخيرة، مع ما صاحب ذلك من تخويف من الملتزمين، والتحذير منهم وأساليبهم، ونظرا لانتشار وسائل اللهو والترف، مالت نفوس كثير من الصالحين والدعاة إلى الدعة والاسترخاء، وبعضها إلى ترك الالتزام بالكلية، واللجوء إلى صوارف أخرى عن الدعوة والأمر بالمعروف كالاشتغال بالتجارة وغيرها من الأمور، وليس ذلك بحجة عدم التوفيق بين الدعوة والعمل التجاري الحر كما يدعي هؤلاء، ولكنه بحجة الخوف من الالتزام، وأن الدعوة أصبحت غير مجدية في وقتنا الحاضر، ويكفي المسلم أن يهتم بنفسه وأهله ويغلق عليه بيته، فمن استقرت حالته بهذا الوضع فهذا أمر قد يهون، ولكن الطامة الكبرى أن ينزلق كثير من دعاة الصلاح والإصلاح في الأمة إلى مهاوي الردى والمنكر؛ فيسقط من قطار الدعوة، فيضيع نفسه ومن يعول.
النتيجة: ضعف شأن الأمر بالمعروف بين المسلمين، وتلاشى النهي عن المنكر بينهم، وسيطرة الشيطان بوسوسته وتوهيمه عليهم، وبقيت الدعوة حكرًا على فئة بعينها، تمارسه بصورة هزيلة، وعلى تخوف ووجل... وهذا مما سيتسبب في زيادة المنكرات والجرائم في المجتمع من قتل وزنى وسرقةو ... إلخ.
العلاج: يمكن علاج هذه الظاهرة من خلال التركيز على الموضوعات التالية:
- أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع.
- صفات أصحاب الهمة العالية وكيفية الوصول إليها.
- دور الأب المسلم ومسؤولياته.
- الحقوق المتعلقة بالمسلم «حق الأخوة، حق الجوار، حق الطريق... إلخ».
- نماذج من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من السلف والخلف وسيرهم.
- خطر الجريمة على المجتمع المسلم.
محمد عبد الله الشيخ
الداعية والمربي الأستاذ عباس السيسي يتحدث عن: أيام مع الإمام الشهيد حسن البنا
لا شك أن مرحلة الإمام حسن البنا كانت أصعب المراحل وأكثرها جهدًا ومعاناة لأنها تمثل مرحلة نبت البذور قبل الصحوة.
الداعية والمربي الأستاذ عباس السيسي «أبو معاذ» هو أحد رجالات حركة الإخوان المسلمين المعروفين، الذين رباهم مؤسس الدعوة ومرشدها الأول الإمام الشهيد حسن البنا- رحمه الله-، و«أبو معاذ» له اسلوب خاص في التعامل مع القلوب بالحب والعاطفة والبساطة والتلقائية، ولا تملك- وأنت تتعرف عليه- إلا أن تحبه، وتتحين الفرصة للجلوس إليه، والاستماع والاستمتاع بنوادره وحكاياته و«قفشاته» وهي كلها توجيهات تربوية، لها تأثير السحر في النفوس والقلوب والعقول.. المجتمع سألت «أبو معاذ» عن أيام حسن البنا المرشد الأول للجماعة فقال:
يمكن القول بأن مراحل دعوة الإخوان المسلمين من واقع حركة الدعوة الإسلامية ثابتة منذ جاء بها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلما أن حركة أطوار تكوين الطفل في بطن أمه ثابتة، فأولها البلاغ، أي التعريف بالدعوة، ثم من يؤمن بها يدخل في مرحلة التربية والتكوين والإعداد، وهي مرحلة شاقة، حيث لا بد أن تشمل في الفرد والجماعة كل متطلبات ومقومات الدولة الإسلامية.
أما مرحلة التنفيذ فهي مرهونة بعد ذلك بتوفيق الله، وحين تستكمل الدعوة في أبنائها كل عناصر التمكين الشاملة من روحية وعلمية ومادية، وبعد هذا وقبل هذا الشعور باليقين الثابت ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (آل عمران:126)، ولما كانت الغاية المنشودة ضخمة وهائلة، وكان العداء لدعوتنا قد انكشف في هذا العصر عن خصومة حادة وعنيفة، من قوم لا يرقبون فينا إلًّا ولا ذمة، وفي كل يوم تتجدد ضدنا أساليب من المكر والخداع والتضليل والإرهاب، فكان لا بد أن نستفيد بعوامل الزمن وحركة التاريخ، وأن نضيف كل جديد مفيد لتدعيم حركة الدعوة أمام أعدائها، وقد يسبق إلى ذهن الأخ المسلم الشوق بحرارة إلى تحقيق الغاية المنشودة دون أن يدقق النظر فيما يدور حوله من مؤامرات ومخططات، وما يجب عليه من العمل المتواصل الدؤوب في تحصين هذه الدعوة بالرجال المجاهدين الأوفياء، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(آل عمران:173).
ولا شك في أن مرحلة الإمام حسن البنا كانت أصعب المراحل وأكثرها جهدًا ومعاناة، حيث كانت مرحلة نبت البذور، ومعايشة الأفراد على اختلاف مشاربهم في هذا العصر قبل الصحوة الإسلامية، مرحلة حسن البنا كانت مرحلة التأسيس وتشييد البناء، ولقد سمعته- رحمه الله- يصور لنا الأمر كعمارة ضخمة هائلة مضى عليها حوالي ١٣٥٠ عامًا هجرية، لم يباشر عليها أحد نوعًا من الإصلاح والتعمير، حتى بدت عليها عوامل الزمن من ضعف وتآكل فهاله الأمر، وأخذ يدعو الورثة من أهلها أن يتداركوها بالإصلاح والتجديد، فما استجاب له إلا قليل منهم، فلم ييأس بل توكل على الله، وأقام حول هذه العمارة سورًا يحجبها عن الأعداء، وأخذ في صبر وحكمة في ترميم وتجديد هذا البناء العظيم، بدعوة وتربية وتكوين اللبنات الإسلامية، واستغرق ذلك منه بضع سنين حتى إذا استكمل هذا البناء هيئته وهيبته، رفع عنه هذا السور، فإذا الناس جميعًا في دهشة يقولون: كيف ومتى ومن أين؟ ولكنها عبقرية الإيمان، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل:128).
ومن أحلى وأغلى ما من به الله على حسن البنا قدرته على توثيق صلته الحركية والروحية بكل أخ على حدة، رغم ضخامة هذه الأعداد من الإخوان، فكل أخ فيمن عاصروه نجد له به صلة ما، وأحاديث ومواقف لا ينساها أحدهم، ذات مرة سأله أحد الإخوان في جمع حاشد: هل تتذكرني يا فضيلة المرشد؟ وكنت أشفق عليه من الرد، ولكنه- وبسرعة- قال له: ألست أنت فلان الذي ألقيت قصيدة من الشعر في حفل الإخوان في طنطا، مطلعها كذا؟! وتلك في شخصية حسن البنا كانت ذروة الحب، وعبقرية الروح، ورسالة القيادة في الحركة الإسلامية.
وكانت الحرية والتعددية الحزبية في عهد حسن البنا مما ساعده على الغوص في أعماق مصر، والحركة والاتصال بالأفراد والجماهير، والنهوض بهذا الجهد الكبير، وتشكيل مؤسسات الجماعة، مثل قسم الطلاب في المدارس والجامعات، وقسم العمال في الشركات والمصانع، وقسم الأخوات المسلمات، وقسم الأسر والكتائب، وقسم الأشبال ومدارس الجمعة، وقسم الجوالة والكشافة التي شملت أنحاء مصر، وقسم الرياضة، وقسم التربية، وقسم الصحافة والإعلام وشركة الإعلانات العربية، وجريدة «الإخوان المسلمون» اليومية، ومجلة «الإخوان المسلمون» الأسبوعية، ومجلة «الشهاب» الشهرية، ومجلة «الكشكول» الفكاهية، وقسم التمثيل، وشركة المدارس الإسلامية، وقسم مدارس مكافحة الأمية، والمستوصفات الطبية، والمشروعات الاقتصادية مثل شركة المعاملات الإسلامية، وشركة المناجم والمحاجر لتصنيع الرخام، وشركة التوكيلات التجارية، والنقل البري، ومشروع المدينة الفاضلة بإمبابة، ومزرعة مغاغة النموذجية... هذا خلاف المشروعات التي قامت في المحافظات، ولا أنسى قسم الاتصال بالعالم الإسلامي الذي كان يشرف عليه مجموعة من طلاب الوطن الإسلامي الكبير، ويختص كل واحد منهم بتحرير رسالة عن بلده، تنشر في مجلة «الإخوان المسلمون».
هذا فضلًا عن الرحلات المتوالية للشُّعب المبثوثة في المدن والقرى التي كان يتعايش فيها الإمام الشهيد مع الإخوان أيامًا وليالي في العبادة والذكر والتعارف والتآلف الذي جمع به هذه الآلاف على الأخوة والحب، كما كان يحضر المؤتمرات الجامعة التي كان يسعى إليها آلاف الإخوة من أنحاء البلاد، والتي كان يعقبها لقاءات أخوية عميقة التأثير في النفوس، تستمر حتى صلاة الفجر، هذه بعض ملامح فترة مؤسس الجماعة الإمام الشهيد حسن البنا، وإذا أمدني الله بالصحة فسوف أحدثك عن أيام الأستاذ المرشد الثاني الإمام حسن الهضيبي رحمه الله.
نحو عمل مؤسسي فعال «٣ من ٦» الابتكار والإبداع في المؤسسات التربوية
أصبح العمل المؤسسي منهجًا أساسيًا في إدارة العمل الإسلامي اليوم، ويكاد الدعاة يجمعون على أهمية تحقيق أهداف الحركة الإسلامية بفاعلية وكفاءة أفضل.
من هنا فقد برزت الحاجة إلى إعداد منهج تثقيفي بين يدي الدعاة، يحدد المفاهيم العلمية والمعاني التربوية، والمتطلبات الإدارية، والأساليب العلمية لإيجاد عمل مؤسسي فعال، ذلك أن فاعلية البناء المؤسسي لا تتحقق برسم الهياكل الإدارية فقط، ولا بوضع الخطط العملية فقط، ولا بأن يكون العمل المؤسسي اهتمامًا قياديًا فقط، ولا بالتدريب الفني فقط.
بل إن نجاح العمل المؤسسي يتطلب استيعابًا لمفاهيمه، وتربية على معانيه ومتطلباته الشخصية، ومعايشة لعناصره، وتفاعلًا من القيادة والقواعد مع مستلزماته وقدرة على تحقيقها.
لذلك فقد وضع هذا البحث الذي حاول الجمع بين المضامين الفنية والعلمية والتربوية بصياغة توجيهية مبسطة؛ ليتم تدارسه والتحاور حوله في لقاءات تربوية متعددة؛ ليتحقق الهدف المرجو من إعداده، وهو ترسيخ العمل المؤسسي لدى الدعاة، والارتقاء بمستوى مؤسسات العمل الإسلامي.
الصفات الإدارية
أ- المواظبة: من الأسس التي ذكرناها في قواعد البناء المؤسسي هي الثبات والاستمرارية، وهذا يتطلب من أفراد المؤسسة المواظبة على التواجد فيها، والمواظبة على أداء أعمالها، وحضور اجتماعاتها، واستقبال زائريها، والرد على استفسارات الناس حول أعمالها، لذلك فالتواجد اليومي والمواظبة صفة مهمة في من يعمل بالمؤسسة الدعوية، كما أنهما عنصران مهمان في تواصل المؤسسة مع أفراد المجتمع.
ب - إنجاز الأعمال حسب الأهداف والاختصاصات المحددة: ومن بواعث ذلك أن لا يضيع جهد، ولا تتعثر طاقة، ولا تحدث ازدواجية بين المؤسسات، وإن كان لقيادة المؤسسة دور هام في ذلك- كما سيأتي بيانه- إلا أنه من المطلوب أن يتوافر في الداعية العامل الفهم والوعي لأهداف واختصاصات المؤسسة، والقدرة على أداء الأعمال، وتنفيذ الواجبات بما يحقق تلك الأهداف، ويتماشى مع تلك الاختصاصات.
ج - تنظيم الوقت: فالوقت هو الحياة، وكل دقيقة بالإمكان أن تكون دقيقة دعوة وخير، أو أن تفوت ولا تعود إلى يوم القيامة، وهذه من الصفات الحميدة المطلوبة في الأخ الداعية، لا سيما إذا كانت المؤسسة ذات أعمال كثيرة ومتعددة؛ فإن اكتساب مهارة تنظيم الوقت يزداد إلحاحًا، وهذه المهارة تتطلب ما يلي:
- معرفة الواجبات المطلوبة ومواعيد إنجاز كل منها.
- ترتيب تلك الواجبات حسب الأولوية والأهمية ووقت التنفيذ.
- معرفة متطلبات تنفيذ كل من هذه الواجبات.
- عمل الجدولة الزمنية لكل الأعمال المطلوبة لإنجاز كل واجب من هذه الواجبات لضمان إنجاز ذلك الواجب في الوقت المحدد.
- العمل بشعار «إنجاز أفضل الأعمال بأسرع الأوقات».
تكثر شكوى بعض الدعاة من تزاحم الأعمال وقلة الطاقات، ولو تأمل المتأمل حقيقة الوضع لوجد أن السبب الحقيقي يكمن في ضعف استثمار الأوقات والطاقات.
د - الفاعلية في الاجتماعات: المؤسسة تقوم على العمل الجماعي، والجماعية في الأعمال تستلزم وجود اجتماعات عمل تخطط الأعمال، وتنظم الطاقات، وتتابع الواجبات، وعلى قدر تلك الفاعلية تتحقق أهداف المؤسسة، ويرتفع مستوى إنتاجيتها بعد عون الله تعالى، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن نجاح المؤسسة من نجاح اجتماعاتها، ودور الداعية في إنجاح الاجتماع يتمثل بالآتي:
- الاقتناع بأهمية الاجتماع وضرورته للعمل، وإدراك أهدافه ومعرفة جدول أعماله.
- الحضور في الموعد دائما، والاعتذار عند التأخر أو الغياب والاستئذان السابق، فجدية العاملين من جدية العمل ذاته.
- الاستعداد والتحضير للاجتماع بتجهيز ما هو مطلوب من الفرد من إعداد ورقة عمل، أو خطة عمل، أو تقرير متابعة أو غيره.
- حسن الحديث والاستماع للآخرين.
- التجاوب والفاعلية في المناقشات وطرح الآراء.
- الالتزام بجدول أعمال الاجتماع ونظام المناقشة.
- التفهم والاستيعاب لنتائج الاجتماع وقراراته، لا سيما إذا كان معنيًّا بمهام للاجتماع القادم.
إن غالبية العاملين يطمحون لأن تكون الاجتماعات مفيدة ومركزة وقليلة وقصيرة، وواقع الأمر يؤكد على أن ذلك ممكنًا ومقدورًا إذا قام كل فرد بدوره الفاعل في الاجتماعات.
هـ- المتابعة لأعماله: فالمتابعة سلوك إداري ذو أصول تربوية وإيمانية، قائمة على مبدأ المراقبة لله- تعالى- ومحاسبة النفس، قال تعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة:2)، قال الحسن: «هي نفس المؤن لا تراه إلا ويحاسب نفسه»، وقيل: «إن المؤمن لا يزال بخير ما كان له واعظًا من نفسه، وكانت المحاسبة من همته»، لذا فالأصل أن يكون الداعية ذاتي المتابعة لأعماله، لا تطمئن نفسه إلا بعد أن ينجز ما كلف به من عمل، وشتان ما بين عامل لا يتحرك إلا بالأوامر المتتابعة وإذا كلف بشيء أرهق مديره بمتابعته على كل صغيرة، وهو في رده على متابعته له ما بين أن يقول.. آسف، لقد نسيت، معذرة لم أعرف أنك تقصد كذا.. والله لقد انشغلت بكذا.. وغيرها من العبارات، وبين ذلك الداعية الذي يكفيه الأمر مرة واحدة، فإذا ما حضر لاجتماعه القادم إلا وقد أنجز جميع مهامه على أفضل وجه.
و - الإحاطة والإتمام: فالأعمال المؤسسية عادة ما تتجزأ إلى وظائف محددة، تقوم في مجموعها بتحقيق خطة العمل، وأي تقصير في وظيفة ما سيسبب إرباكًا للعمل، ومن هنا لزم أن يحظى الداعية بصفتي الإحاطة والإتمام، أي الإحاطة بكل ما يتعلق بوظيفته المحددة، وإتمامًا لجميع واجباتها ومتطلباتها، فلا يصح أن يشغل الداعية قيادة العمل بتوفير لوازم جزئية وتنفيذية لوظيفته، وأن يعتذر دومًا عن عدم الإتمام بالنواقص والمشاكل وعدم ورود طلباته إليه دونما سعي منه لذلك.
المواصفات الفنية
1- التخصص والتأهيل: قال عمر بن الخطاب في خطبة له في الشام: «من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل في الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل من المال فليأتني، فإن الله قد جعلني خازنًا وقاسمًا».
أشرنا إلى أن العمل المؤسسي يقتضي تحديدًا واضحًا لدور المؤسسة واختصاصها، وذلك يعني أن المؤسسة تؤدي وظائف محددة الاتجاه في دائرة اختصاصها، ومن ثم فإن طبيعة الممارسات اليومية للعاملين في المؤسسة تصطبغ بذلك التخصص، بل وتتطلب ليكون أداؤها ناجحًا أن يقوم العاملون بأداء واجباتهم من منطلق تخصصهم في هذا المجال، ولا شك أن ذلك يترك آثارًا واضحة في مسار العمل المؤسسي حيث:
- يرتفع مستوى أداء المؤسسة كفاءة وإتقانًا.
- تفتح آفاقًا أوسع للابتكار والإبداع ضمن ذلك التخصص.
- يساعد ذلك على النماء الذاتي للعاملين، فمن المعلوم أن أي تخصص إذا لم ينمه صاحبه بالممارسة العملية والمداومة؛ فإن مآله إلى الاضمحلال.
ولا يعني التخصص أن يكون الداعية صاحب مؤهل علمي في هذا المجال، بل إن التخصص قد يأتي ثمرة جوانب أخرى:
- فقد يكون الداعية صاحب رغبة وهواية في هذا المجال.
- وقد يكون صاحب خبرة عملية وممارسة ذاتية.
- وقد يكون العمل الوظيفي الرسمي للداعية في هذا المجال.
- وقد يكون التخصص ثمرة جهود تدريبية ذاتية من قبل الداعية نال من خلالها دورات تدريبية عديدة، رسخت رغبته وخبرته في هذا المجال.
كما أن الاطلاع والتتبع ومخالطة ذوي التخصص من شأنها أن توجد مستوى مقبولًا لدى الداعية في هذا المجال.
أما الصورة الأمثل لتحقيق التخصص فهي لا شك في البداية العلمية الأكاديمية التي ترسخ ذلك التخصص كجزء من شخصية الداعية، وهنا يأتي دور المؤسسة الأم في حسن التخطيط لمراحل عملها المستقبلية، حيث يتم توجيه أعضائها عند استقبالهم للحياة الجامعية أو الدراسات العليا.
كما تجدر الإشارة هنا إلى مشكلة الدعاة الذين أنهوا دراساتهم الجامعية، وربما العليا، وحصلوا على مؤهلات عالية في تخصصات معينة ثم رغبوا عن العمل في المؤسسات ذات التخصص نفسه، إما لميول ذاتية في مجالات أخرى، أو اقتضت مصلحة العمل ذلك، نقول إنه لا بد لهم بصورة أو بأخرى من دعم تلك المؤسسات ذات التخصص بأوقاتهم الإضافية؛ فإنه من الحرمان أن لا ينصرف جهدهم أو بعضه لذلك الأمر.
وختامًا نشير إلى أن الرغبة الصادقة، والاستعداد النفسي، والنية الخالصة، والهمة العالية لدى الداعية كفيلة- بعد عون الله تعالى- بتنمية الجانب التخصصي لديه، لا سيما إذا كان معطاء وجادًا في عمله.
2- الابتكار والإبداع: فرق بين ذاك الذي يكفيه الموجود، ويؤدي أعماله إبراء للذمة، وذاك الذي يطمح دومًا للأفضل، ويسعى لأداء المهمة، وهذا من معاني الإحسان في العمل الذي يحبه الله تعالى كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».
إن الرتابة والحمود في أداء الأعمال والأنشطة هو مما تقتل به الهمم، وتضمحل به العطاءات، وتضمر بسببه القوى الذهنية والنفسية لدى العاملين، ومن ثمة تجمد المؤسسة، أما الإبداع والابتكار والتجديد فهي أسباب للحيوية والفاعلية.
إن المؤسسات التي ألغى أعضاؤها حاسة التفكير وملكة الإبداع لديهم، وجعلوها على عاتق المسؤول، واكتفوا بالمشاركة الجسدية لهم، وتلقي الأوامر، وتنفيذ الواجبات بصورة آلية، وأصبحت اجتماعاتهم رتيبة ومكرورة، فلا فكرة جديدة تطرح، ولا برنامج مبدع يقترح، بل الجميع ينتظر ما في جعبة المسؤول، ونرى باب ما يستجد من أعمال دومًا أبيض..!! إن مآل تلك المؤسسة والعاملين بها إلى جملة من المشاكل، فمن ضعف الإنتاجية، إلى برود الأعضاء، إلى تأخر الأعمال، إلى كثرة الأخطاء وعدم تحقيق الأهداف بشكل مرض، وغيرها من مظاهر مرض ضعف الإبداع والابتكار.
ولو تأمل أحدنا في سير العظماء وأعمالهم الكبرى، لوجد أنها في معظمها فكرة انقدحت في الذهن نتيجة شعور عدم الرضى بواقع معين، والأمثلة على ذلك عديدة.
حفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب فكرة بديعة من سلمان الفارسي- رضي الله عنه- لم يألفها العرب، واقتبسها من الفرس.
فتح القسطنطينية بقيادة محمد الفاتح- رحمه الله- والقصة معلومة بالإبداعات العجيبة في المجال العسكري، وهو شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة ومن ذلك:
أ- الاستعانة بالمدفع القاذف الذي كان فكرة أحد المهندسين النصارى ولم يلق قبولًا، فأحضره محمد الفاتح إليه وكلفه بإنجازه.
ب- فكرة نقل السفن عن طريق البر من ضفة إلى أخرى حين أغلق النصارى المضيق البحري بسلاسل عظيمة، فانقدحت لديه فكرة لا تخطر على بال، وهي جر السفن عبر السهول الخضراء من ضفة إلى أخرى كما تذكر الرواية، فقد لاحت للسلطان فكرة بارعة، وهي نقل السفن من مرساها في بشكطاش إلى القرن الذهبي، وذلك بجرها على الطريق البري الواقع بين المينائين نحو ثلاثة أميال، ولم تكن أرضًا مبسوطة سهلة، ولكنها كانت وهاداً وتلالًا غير ممهدة.
- الإمام حسن البنا- رحمه الله- وانقداح فكرة تأسيس جماعة الإخوان المسلمين بعد معاناة من التفكير والهموم، حيث يقول- رحمه الله- في مذكراته: «يعلم الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حالة الأمة، وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ويفضي بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء».
العوامل المساعدة على الإبداع والابتكار:
- الإخلاص ونقاء السريرة وصدق التوجه.
- تقوى الله في السر والعلن، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:282).
3- الاستعانة بالله دومًا واستشعار العجز والذل بين يديه، فقد كان ذلك دأب شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يخرج للبراري، ويضع جبهته على التراب ساجدًا ومتضرعًا بالدعاء «اللهم يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني».
4- إجهاد الذهن وإعمال التفكير، فالقدرة العقلية كالقدرة الجسدية تقوى بالمران والتدريب، ولا يتأتى ذلك إلا بحمل الهم واستشعار المسؤولية واستدامة التفكير.
5- التفكير الجماعي، وذلك بعقد جلسات معينة عند الرغبة في إعداد مشروع معين، وتسمى تلك الجلسات بالعصف الذهني، ويقصد بها أن يعمل الحاضرون تفكيرهم وعقولهم لطرح أفكار عديدة فور ورودها للذهن بقصد انتزاع أكبر قدر ممكن من الأفكار، وتدون في لوحة أمام الحضور، وبعدها تبدأ المناقشة في صلاحية وجدوى كل فكرة.
6- التعود على المنهجية العلمية في التفكير بتحليل النتائج، وتحديد جوانب التأثير، وتحديد الأسباب، ووضع العلاجات والبدائل.
7- مصاحبة المفكرة والقلم دومًا، فالإبداع أحيانًا يتولد من فكرة طارئة، قد ترد للذهن بمقدمات معينة كمشاهدة أمر ما، أو قراءته، أو سماعه، أو بدون أي مقدمات، وقد تضيع إذا لم تدون.
8- القراءة وسعة الاطلاع على الكتب أو الإصدارات الدورية المتخصصة في مجال المؤسسة أو غير المتخصصة.
9- الاستماع لتجارب الغير في هذا المجال؛ فإنه من الإبداع أن تبدأ حيث انتهى الآخرون.
10- النظر في ملكوت الله- سبحانه وتعالى- والتأمل في سنن الله الكونية يفتح آفاقًا للتعامل معها، وتسخيرها لخدمة هذا الدين.
11- الاطلاع على سير القادة والمصلحين الزاخرة بالأمثلة الرائعة في هذا المجال.
12- اتباع أسلوب التشجيع على الإبداع، وإثارة روح التنافس لتحفيز الأذهان لحسن التفكير.
3- التنمية الذاتية: وهو أن يتعاهد الداعية نفسه بتنمية الجوانب العلمية والعملية لأداء دوره التخصصي، وهذا لا يتأتى إلا بوجود حافز ذاتي مستمر لديه، والحافز الذاتي هو القوة الداخلية في الإنسان المحركة لعواطفه والموجهه لإرادته، والدافعة له حتى يمارس سلوكًا معينًا داخليًّا أو خارجيًّا.
فلا يتوقف الداعية عند مستوى معين من المعرفة والقدرة، بل ينبغي أن يكون في نماء مطرد، بخاصة وأن جوانب المعرفة الإنسانية متجددة ومتطورة، وما كان جديدًا وفريدًا بالأمس أصبح تقليديًّا وقديمًا اليوم.
ومما ينمي هذا الجانب لدى الأخ:
1- شعوره الدائم بأنه طالب العلم الذي لا يقضي نهمه من العلم والمعرفة.
2- تنمية شعوره بالمسؤولية والمشاركة تجاه مؤسسته مما يجعله يدرك أن نماءه نماؤها، وتقدمه تقدمها.
3- توفير مكتبة تخصصية في المؤسسة تسهل على الأخ تنمية ذاته.
4- اتباع أسلوب التفويض الإداري الذي ينمي الشعور بالمسؤولية لدى الداعية، مما يثري خبرته وكفاءته وحماسه لتنمية ذاته.