; وقفة متأنية: المفهوم الصحيح للإسلام | مجلة المجتمع

العنوان وقفة متأنية: المفهوم الصحيح للإسلام

الكاتب محمد عبدالله الخطيب

تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2005

مشاهدات 111

نشر في العدد 1671

نشر في الصفحة 58

السبت 01-أكتوبر-2005

■ أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة والذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون.

■ الإسلام قضى على معظم الأسباب التي تشعل العداوة والحروب ويقرر حقوق الإنسان ويعظم من حرمة النفس البشرية.

■ روح الإسلام ومبادئه في التربية تهدف كلها إلى إقرار السلام وتعميق حبه في قلب المسلم.

■ أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله وسُنة رسوله rاللذان إن تمسكت بهما أمة فلن تضل أبدًا.

أولًا: يجب أن يعلم المسلمون جميعًا أن الإسلام هو الدين الخاتم لكل الرسالات، وهو الذي أنزله الله على محمد r والذي مصدره الرئيس الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة وأنه شرف هذه الأمة وعزها، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.

ثانيًا: أن هذا الدين بمفهومه الصحيح هو النظام الكامل الشامل، فهو نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وأخلاقي، وإغفال أي جانب منه، تعطيل له، قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة: ٨٥).

ثالثًا: الإسلام منهج وسط في كل شيء في التصور والاعتقاد، والتعبد والتنسك والأخلاق والسلوك والمعاملة والتشريع، وهذا المنهج هو الذي سماه الله الصراط المستقيم وهو منهج يتميز عن طريق أصحاب الديانات والفلسفات الأخرى من ﴿المغضوب عليهم، ومن ﴿الضالين الذين لا تخلو مناهجهم من غلو أو تفريط، والوسطية إحدى الخصائص العامة للإسلام، وهي إحدى المعالم الأساسية التي ميز الله بها أمته عن غيرها: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (البقرة: ١٤٣)، فهي أمة العدل والاعتدال.

رابعًا: والإسلام يدعو إلى الاعتدال ويحذر من التطرف، ويكره الغلو والتشدد بل ينفر من هذه الأمراض أشد النفور، يقول r: «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين».

 خامسًا: والإسلام يأمر بأخذ الزينة، والتمتع بالطيبات، وينكر على من يبالغ في التعبد والتقشف الذي يخرجه عن حد الاعتدال، ويوازن بين مطالب الروح ومطالب الجسد، ويوفق بين الدنيا والدين، وبين حظ النفس من الحياة وحق الرب في العبادة التي خلق لها الإنسان، كل ذلك في توازن واعتدال معطيًا كل ذي حق حقه.. ففي الصلاة يغضب r على من يطول فيها حتى يشق على من خلفه، فيقول مرة لمعاذ: «أفتان أنت يا معاذ!! وكررها ثلاثًا» (البخاري)، وفي حالة ثانية يقول: «إن منكم منفرين من أمَّ بالناس فليتجوز، فإن خلفه الكبير والضعيف وذا الحاجة» (رواه البخاري). 

وندع الإمام الشهيد حسن البنَّا يتحدث عن هذه الجوانب في فهم الإسلام، ثم يوضح لنا الفهم الصحيح للإسلام، كما فهمه الإخوان وعملوا به فيقول رضي الله عنه وأرضاه: 

  1. من الناس من لا يرى الإسلام شيئًا غير حدود العبادة الظاهرة، فإن أداها، أو رأى من يؤديها اطمأن إلى ذلك ورضي به وحسبه قد وصل إلى لبِّ الإسلام، وذلك هو المعنى الشائع عند عامة المسلمين. 

  2. ومنهم من لا يرى الإسلام إلا الخُلُق قد الفاضل والروحانية الفياضة، والغذاء الفلسفي الشهي للعقل والروح، والبعد بهما عن أهواء المادية الظالمة.

  3. ومنهم من يقف إسلامه عند حدود الإعجاب بهذه المعاني الحيوية العملية في الإسلام، فلا يتطلب النظر إلى غيرها، ولا يعجبه التفكير في سواها. 

  4. ومنهم من يرى الإسلام نوعًا من العقائد الموروثة، والأعمال التقليدية التي لا غناء فيها، ولا تقدم معها، فهو متبرم بالإسلام، وبكل ما يتصل بالإسلام، ونجد هذا المعنى واضحًا في نفوس كثير من الذين تلقفوا ثقافة أجنبية، ولم تتح لهم فرص حسن الاتصال بالحقائق الإسلامية... 

ثم يقول: هذه الصور المتعددة للإسلام الواحد في نفوس الناس، جعلتهم يختلفون اختلافًا بيِّنًا في فهم الإخوان وتصرفهم...

ثم يقول عن المفهوم الصحيح للإسلام:

  1. نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة. وإن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن.

  2. فالإسلام -في فهم الإخوان المسلمين -عقيدة وعبادة، وطن وجنسية دين ودولة روحانية وعمل مصحف وسيف والقرآن الكريم ينطق بذلك كله، ويعتبره من لُبِّ الإسلام ومن صميمه، يوصي بالإحسان فيه جميعه، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ (القصص: ٧٧).

  3. إلى جانب هذا يعتقد الإخوان أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله وسنة رسوله اللذان إن تمسكت بهما أمة فلن تضل ابدًا.. إلى أن يقول ولهذا يجب أن تستقى النظم الإسلامية التي تعمل بها الأمة من هذا المعين الصافي، وأن تفهم الإسلام كما فهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم جميعًا.

  4. وإلى جانب هذا يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام كدين عام انتظم كل شؤون الحياة في كل الشعوب والأمم لكل العصور والأزمان جاء أكمل وأسمى من أن يعرض جزئيات هذه الحياة، وخصوصًا في الأمور الدنيوية البحتة، فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشؤون، ويرشد الناس إلى الطريقة العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها.

سادسًا: ومن مفاهيم الإسلام الأساسية أيضًا أن السلام أصل من أصوله وركن من أركانه، ومع عناية الإسلام الفائقة بقوة المسلمين، وطلبه منهم أن يبذلوا أقصى ما في وسعهم وطاقاتهم الأخذ بأسباب القوة والصبر، فإنه لا يعتبر أبدًا أن الحروب هي الأصل، إنما يراها ضرورة لدفع العدوان والظلم ورد البغي عن عباد الله، ويعتبر السلام والأمن هما الأصل والهدف الذي يسعى لتحقيقه.

ولذلك يأمرنا بقوة الإيمان بالحق، وقوة النفوس بالعقيدة، وقوة الإعداد، فالسلام الذي يريده الإسلام إذن ليس سلام الضعف والذلة والاستكانة، ولا السلام على حساب المثل والأخلاق. 

والسلام في الإسلام أعمق من أن يكون مجرد رغبة طارئة، إنما أصل في عقيدته وهدف من أهدافه.

إن الإسلام كما قلنا يتصور الحياة وحدة إنسانية غايتها التعارف والتعاون بين جميع بني البشر، ولا يتصورها أبدًا صراعًا بين طبقات، ولا حروبًا بين الشعوب، ولا عداوة بين الأجناس، كما يتصور الإسلام الأديان كلها دينًا واحدًا، بعث الله به رسله للبشرية الواحدة، والمؤمنين به أمة واحدة في كل زمان ومكان.

ويوضح لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الوحدة بالبناء الواحد، فيقول: «مَثلي ومَثَلٌ الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بُنيانًا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (رواه مسلم).

وبهذا قضى الإسلام على معظم الأسباب التي تؤدي إلى العداوة والحروب، ويقرر حقوق الإنسان، فالإنسان في الإسلام مخلوق كريم كرمه ربه بنفخة علوية من روحه وزوده بالمواهب والطاقات وأسجد له ملائكته وجعله خليفة في أرضه، وهذا التكريم للإنسان في واقع الحياة، بوصفه إنسانًا بصرف النظر عن دينه وجنسه ولونه ووطنه، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ (الإسراء : ۷۰).

كما أكد حرمة الدم البشري، فحرم سفكه إلا بالحق، ولا فرق في هذا بين إنسان وإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ (الأنعام: ١٥١).

وعظم حرمة النفس البشرية، ووزر الاعتداء عليها، فاعتبر النفوس كلها واحدة من اعتدى على إحداها فكأنما اعتدى عليها جميعًا، لأنه اعتدى على حق الحياة، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا (المائدة : ٢٢)

وروى البخاري عن جابر قال: «مرَّت بنا جنازة فقام النبي وقمنا، فقلنا: يا رسول الله: إنها جنازة يهودي، فقال: أوليست نفسًا؟ إذا رأيتم جنازة فقوموا».

يقول الناس:  ما أنتم أيها الإخوان المسلمون؟ إننا لم نفهمكم بعد.. فأفهمونا أنفسكم وضعوا لأنفسكم عنوانًا نعرفكم به كما نعرف الهيئات بالعناوين.. 

هل أنتم طريقة صوفية؟ أم جمعية خيرية؟ أم مؤسسة اجتماعية؟ أم حزب سياسي؟ كونوا واحدًا من هذه الأسماء والمسميات لنعرفكم بأسمائكم وصفتكم فقولوا لهؤلاء المتسائلين:

نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة.. طريقة صوفية نقية لإصلاح النفوس وتطهير الأرواح وجمع القلوب على الله العلي الكبير وجمعية خيرية نافعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتواسِي المكروب وتبر بالسائل والمحروم، وتصلح بين المتخاصمين ومؤسسة اجتماعية قائمة تحارب الجهل والفقر والمرض والرذيلة في آية صورة من الصور، وحزب سياسي نظيف يجمع الكلمة ويبرأ من الغرض، ويحدد الغاية ويحسن القيادة والتوجيه.

وقد يقولون بعد هذا كله مازلتم غامضين...! 

فأجيبوهم لأنه ليس في يدكم مفتاح النور الذي تبصروننا على ضوئه، نحن الإسلام أيها الناس، فمن فهمه على وجهه الصحيح فقد عرفنا كما يعرف نفسه، فافهموا الإسلام.. أو قولوا عنا بعد ذلك ما تريدون..! 

أمة جديدة

أنتم أيها الإخوان المسلمون أمة جديدة... جديدة في قلوبها النقية البيضاء التي يغمرها الإيمان واليقين جديدة في عقولها المشرقة المستنيرة بتعاليم القرآن الكريم وهداية رب العالمين جديدة في آمالها وأمانيها التي لا تمت إلى الأنانية بسبب، ولكنها تبغي الخير والسعادة للناس أجمعين جديدة في وسائلها الواضحة الصريحة العادلة الرحيمة التي تبدأ بالحكمة والموعظة الحسنة، وتنتهي بالإنصاف والمعدلة والرحمة، وتنتظر مثوبة ذلك في قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (القصص: ٨٣).

فاذكروا أيها الإخوان نعمة الله عليكم واقدروا أنفسكم ودعوتكم، وأبشروا فالمستقبل لكم

 والله معكم ولن يتِركم أعمالكم، ولو خلي بين هؤلاء وبين حريتهم لصافحت أيديهم أيديكم في حرارة وشوق، وضمت صدورهم صدوركم في حب ولهف ودوى هتافهم عاليًا قويًّا مع هتافكم الله أكبر ولله الحمد.. فهي الأخوَّة التي لا تنفصم، والتي جمع عليها القرآن قلوب المؤمنين به في كل مكان، وسجلها لهم إذ يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: ١٠).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل