; وقفة مع السيرة «رصيد الفطرة» | مجلة المجتمع

العنوان وقفة مع السيرة «رصيد الفطرة»

الكاتب محمد العبدة

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يونيو-1976

مشاهدات 61

نشر في العدد 305

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 15-يونيو-1976

في محاولة البناء من جديد نرجع إلى السيرة، نتعلم منها ونأخذ العظات البليغة وخاصة أنها الجانب العملي من السنة فماذا نجد في السيرة النبوية عن نوعية الناس الذين دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم أو دعاهم أصحابه، وإننا نجد نوعًا أقرب إلى الفطرة وإذا أردنا استعمال المصطلحات العلمية اليوم قلنا إنه من النوع البسيط. وكما يسميه مالك بن نبي هو من النوع الذي يكون قبل الحضارة يعني أنه لم يدخل دورة التاريخ. وربما كان الفارسي يومها أو الرومي هو من النوع المعقد من النوع الذي يحمل كل رواسب العادات والتقاليد والفلسفات التي تشده إلى أسفل وتقيده والناس الذين خاطبهم الإسلام في أول الأمر كانت عندهم عادات وتقاليد جاهلية ترهقهم زيادة على كفرهم تجعلهم من النوع المعقد المزدوج الشخصية وشركهم، ولكن لم يكن عندهم حضارة ومدنية بل المتشعب الشخصية.

أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير داعية إلى المدينة فيأتيه سعد بن معاذ سيد الأوسي مفاضبًا له لأنه جاء إلى المدينة يفرق أهلها حسب رأيه ولكن مصعب يدعوه برفق أن يجلس فيستمع، فجلس وسمع فأسلم. ولم يسلم إلا بعد أن اقتنع أن هذا الدين حق. أليس هذا دليلًا على أن سعدًا كان قريبًا من الفطرة وأن غشاوة الشرك كانت رقيقة سرعان ما انزاحت

ويعرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل في منى قبل الهجرة ويصحبه أبو بكر الصديق فيلتقي مع أشراف بني شيبان فيجلس معهم ويعرض عليهم الإسلام ويطلب منهم أن يحموه وينصروه ويذهب معهم إلى بلادهم ليبلغ الدعوة، فماذا قالوا؟ لقد اعتذروا بلطف بأنهم في عهد مع ملك فارس لأنهم في أرض في أطراف العراق وأن هذا الأمر الإسلام الذي حدثتنا عنه يكرهه كسرى هكذا في جلسة واحدة قصيرة. هذا الدين جاء ليحرر الإنسان من الظلم ومن العبودية لغير الله.

والآن يتفرق المسلمون عشرات الفرق بسبب عدم فهمهم لهذا الدين. ويرسل سعد بن أبي وقاص قبل القادسية رسولًا إلى قائد الفرس وهو ربعي بن عامر فيسأله رستم ما الذي أخرجكم من بلادكم فيقول ربعي ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى فسحة الدنيا والآخرة وربعي رضي الله عنه هو جندي من جنود سعد. كيف لخص الإسلام بهذه العبارات الواضحة البسيطة الواعية. وشر البلية اليوم هو عبادة العباد للعباد وإتباع كل ناعق.

والمسلمون اليوم يحملون كل رواسب عصور التأخر. إنهم لم يستعيدوا ثقتهم بأنفسهم، ولا يزالوا ينظرون إلى الأمور التي تجرى من حولهم نظرة سطحية الوقت لا قيمة له عندهم يجزؤون الأحداث. ليس عندهم مقدرة على فهم الإسلام ككل بل يأخذون جزءًا منه ويضخمون. ليس عندهم قدرة على الاعتدال، بل يتطرفون في آرائهم، ولا بد أن تزاح كل هذه المعوقات. حتى ترتقي الروح ويرتفع المد الشعوري وبدون هذا لا يحصل أي تقدم للمسلمين.

وعندما تأسن الحضارات والمدنيات تصبح الأمور الشكلية مهمة جدًا وتصبح عائقًا عن التفاهم والتعاون والعمل السريع. وعندما التقى المسلمون مع الفرس والروم وجدوا قوادًا مثل الطواويس يهتمون بمظاهرهم بينما كان مندوب المسلمين ربعي بن عامر يلبس ثيابًا عادية ويمزق برمحه السجاد والحرير الذي على الأرض التي تؤدى إلى رستم.

ويوم كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيطًا في كل شيء فتح المسلمون الدنيا ويوم أنفقت الملايين على زخرفة المساجد لم نر للمسلمين أثرًا في أحداث العالم بل هم على هامش التاريخ أن الشلال الذي خرج بعد أن أدار الآلات لا بد أن يرفع مرة ثانية ليصبح لديه القدرة على إدارة الآلات مرة ثانية.

وهكذا حالة المسلم اليوم لا بد أن تصاغ شخصيته من جديد. تصاغ بفهم الكتاب والسنة والعمل بهما تصاغ بأن يفكر بعقله لا بغريزته يفهم قول الأعرابي الذي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنائم إحدى الغزوات قال له الأعرابي لم أبايعك على هذا وإنما على أن يصيبني سهم في معركة مع العدو فأقتل في سبيل الله وقد حصل له هذا.

إن لم نرتفع إلى هذا المستوى. مستوى أصحاب بيعة الرضوان الذين لم يأخذوا شيئًا من غنائم حنين. مستوى المجدع في الله عبد الله بن جحش في غزوة أحد، فلن نصل إلى الغاية، فإن من وسائل تقارب الأفهام ترك الهوى والتعصب وحب الذات وتضخيم الـ «أنا» وهذه أمراض خبيثة. قد لا يشعر بها الإنسان إلا إذا حاسب نفسه محاسبة دقيقة.

الرابط المختصر :