العنوان وقفة مع فصل من كتاب اليوم الآخر في ظلال القرآن- الأمل القاتل
الكاتب عبد الرحمن المخبت
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1976
مشاهدات 57
نشر في العدد 324
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 09-نوفمبر-1976
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر:3)
إن الإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات.
ويضمن القصد والاعتدال في الحياة ولذلك فإن المؤمن بذلك اليوم يعتقد اعتقادا جازما أن حياته على هذا الكوكب باتت وشيكة على الانتهاء مهما امتدت وطالت بحياته الأيام والسنون. وإن جاءته الحياة الدنيا مهرولة بزينتها وزخارفها وبهرجها ابتعد عنها جاريا إلى الله محتسبا ما سيلقاه في ذلك اليوم، أما من كفر بذلك اليوم وأطلق لنفسه العنان ليتقلب في شهوات الدنيا ولم يملك أن يحرم نفسه شهوة أو يكبح فيها نزوة، وهو يظن أن الفرص الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب، فمثل أولئك قال الله فيهم ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (الحجر:3) نعم!! ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع ذرهم في تلك الدوامة، الأمل يلهي والمطامع تغر، والعمر يمضي والفرصة تضيع، إن الذين ضلوا في متاهة الأمل والغرور. يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع، ويملي لهم فيحسون أن أجلهم ممدود وأنهم محصلون ما يطمعون لا يردهم عنه راد، ولا يمنعهم منه مانع.
وينشغلون في حياتهم ويركضون وراء آمالهم الزائفة حتى يتجاوزوا المنطقة المأمونة ويغفلون عن الله وعن الموت وهذا هو الأمل القاتل.
إن مجرد الإيمان بالآخرة يغير نظرة الإنسان لهذه الحياة بما فيها، ويغير تصوراته وأحكامه ومقاييسه فيها، فهو يراها رحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون، ونصيبه منها إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود، والأحداث والأحوال التي تتم في هذه الأرض إن هي إلا فصل صغير من الرواية الكبيرة، ولأجل هذا فإنه لا ينبغي أن تتفق نظرته مع من لا يدركون حكمة النشأة وناموس الوجود ويغفلون عن الآخرة ولا يقدرونها قدرها، ولا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصورا صحيحا.
لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمــر واحد من أمور الحياة ولا يتفقان في حكم واحد في شئونها، فلكل منهما ميزان، ولكل منهما زاوية للنظر، هذا يرى ظاهرا من الحياة الدنيا، وذلك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن ونواميس شاملة للظاهر، والباطن، والغيب والشهادة. حقا إنه لا يجتمع في قلب واحد جدية الاعتقاد بلقاء الله مع التميع والتهاون في تصور جزائه وعدله، حقا إنه لا يجتمع في قلب واحد الخوف من الآخرة والحياء من الله مع اللا مبالاة في عقاب الله والإعراض عن أحكامه.
إن التكذيب بيوم الدين هو رأس البلايا ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (المدثر: ٤٣-٤٥)
الشقاء، إن الذي يكذب بيوم الدين تختل في يده جميع الموازين، وتضطرب في تقديره القيم والتصورات والأحكام في جميع شئون الحياة، فهو ينظر إليها نظرته القاصرة الضعيفة، ينظر إليها بمنظار الإنسان الضعيف المليء بالأخطاء والأهواء والشهوات فكيف لا تكون موازينه مختلة، ونظراته قاصرة، وأحكامه مشوهة.
ثم بعد ذلك البعث والنشور حيث تتضح الصورة ويظهر اليقين وينقطع الشك ويقول الكافر ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ (النبأ:40) ذلك الجمع الذي لا ريب فيه هو نهاية المطاف الذي يفيئون إليه كما يفيء الراحل إلى وجهته، فيعطيهم الله جزاء كدحهم، لا يضيع عليهم كدح ولا أجر. إنما يوفون أجورهم بغير ظلم ولا نقصان، إن المكذبين بهذا اليوم هم الآخرون، لقد خسروا أنفسهم كلها فلم يعودوا يملكون أن يكسبوا شيئا وذلك هو الخسران المبين ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام:20) نعم!! لقد خسروا أنفسهم برفضهم ذلك المنهج الرباني الرفيع الذي جاء لينادي الفطرة الإنسانية ويحقق لها رغباتها، إنهم برفضهم ذلك المنهج فقد رفضوا فطرتهم وبالتالي فقد رفضوا أنفسهم وضيعوها في عذاب لا نهاية له.
إن طول الأمل يكمن في سببين أولهما بدافع من حب الدنيا والآخر هو الجهل. ومتى دخل حب الدنيا في قلب الإنسان امتنع قلبه من التفكير في الموت والاستعداد له، ومتى أنس الإنسان بحب الدنيا أصبحت شهواتها ولذاتها وجمع أموالها هي شغله الشاغل وإذا ما خطر في نفسه الموت والحساب أصبح يمني نفسه ويسوفها بالأماني الباطلة، وفي غمرة انغماسه في جمع حطام الدنيا إذ يأتيه الموت على حين غفلة فينقله من نعيم الدنيا الزائف إلى عذاب اليقين. أما الجهل فهو أن الإنسان قد يعود على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب ويظن أن شبابه سيحميه من شبح الموت، ولكن هيهات، إن الموت حين يأتي لا يفرق بين شاب وكهل وشيخ، ولكن ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف:34)، ولو تفكر هذا الغافل لعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيب وكهولة، ولكن الجهل بهذه الأمور دعاه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب.
ولا علاج لهذين المرضيين، الجهل وحب الدنيا، إلا بدفع سببيهما، أما الجهل فعلاجه بالفكر الصافي من القلب الحاضر وبسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة، وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب يكون بالإيمان باليوم الآخر بما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب ومتى دخل الإيمان في القلب كان حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير. فمن كان مستعدا لذلك اليوم العظيم فقد فاز فوزا عظيما، وأما من كان مغرورا بطول الأمل فقد خسر خسرانا مبينا
وحسبنا قول الإمام علي «كرم الله وجهه»: «ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون. فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل».
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.