; وقفة وسط الضياع | مجلة المجتمع

العنوان وقفة وسط الضياع

الكاتب عبد اللطيف محمد برزق

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1982

مشاهدات 71

نشر في العدد 577

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 29-يونيو-1982

  • كانت نهاية الحرب العالمية الثانية إيذانًا بسقوط حقبة طويلة من الاحتلال الأجنبي الجاثم على رقعة شاسعة من العالم، وكانت في ذات الوقت إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في العلاقات بين الدول الاستعمارية والشعوب المستضعفة حل فيها ما اصطلح على تسميته بالاستعمار الجديد فكان الشكل القديم البغيض، فبدلًا من الجيوش المحتلة تفتقت العقلية الاستعمارية عن صورة أكثر تعقيدًا تتضمن التبعية الكاملة ولكن غير المباشرة للشعوب المقهورة وتقيدها بمعاهدات سياسية وعسكرية مع استخدام سلاح الاقتصاد لتجويعها وقت اللزوم.. والتمكين لطبقة من الحكام من أبناء الوطن ممن تربوا في أحضان الإرساليات والمؤسسات الصليبية التي أفرزت أنماطًا من التيارات والاتجاهات الاجتماعية تعمل في خدمة هذا المخطط، ولقد أثبت أولئك الحكام أنهم أشد حرصًا على حماية مصالح المستعمر من جيوشه الغازية.

  • وما لبثت أن اتضحت سبل متباينة للتحرر الوطني في بلدان في آسيا، وأفريقيا ممن كانت ميدانًا للصراع الاستعماري على استغلالها. 

ولا ريب في أن عددًا من الشعوب الإسلامية قد قامت بمحاولات لشق طريقها بحثًا عن كيان مستقل لها وسط هذا العالم الوحشي الذي ترفض فيه الكيانات الاستعمارية أي وجود حر مستقل للشعوب الأخرى -وبالأخص الإسلامية أو أن يكون لها بناء وطني قوي باعتبار أن ذلك يتهدد مطامعها الشرهة في نهب ثروات الشعوب الضعيفة.

ولا ريب أيضًا في أن تجارب الشعوب الإسلامية تعددت، وبرزت في أكثر من قطر في مصر والجزائر وسورية وغيرها ولكننا سنقتصر هنا على التجربة الفلسطينية لنتأمل حقيقتها من خلال الواقع المأسوي الأخير الذي حوصرت فيه الثورة الفلسطينية.

التجربة الفلسطينية

  • لا شك أن الشعب الفلسطيني تعرض وما زال لأشد وأعتى ألوان الاستعمار التي يمكن أن يتعرض لها شعب على وجه الأرض ذلك هو الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي خطط وعمل للاستيلاء على البلاد مع سحق شعبها وطرده لإحلال مستوطنين يهود جلبوا من كل مكان في العالم ليتخذوا من فلسطين نقطة انطلاق، ليحقق المؤامرة اليهودية التاريخية ضد الإنسانية والتي ذروتها أن تحكم «إسرائيل» العالم وتستذل رقاب الأمميين- غير اليهود.

إن الجريمة المروعة التي وقع ضحيتها شعب فلسطين كان من أول نتائجها تشريد هذا الشعب وتوزع أبنائه على البلدان المجاورة.. 

ولقد تحاشى معظم الحكام العرب مجابهة اليهود وسعوا لاسترضائهم وتلبية مطالبهم بدءًا بنزع سلاح الشعب المجني عليه.. كل ذلك إيثارًا للسلامة وطلبًا للراحة والدعة وبعدًا عن تحمل المسئولية الحقيقية... ولكن ذلك زاد من شراسة اليهود وفتح شهيتهم لابتلاع أراض جديدة وإقامة «إسرائيل» الكبرى...

بل إنه على عكس ما دأب معظم الحكام العرب على إعلانه من أنهم يعملون على إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية يكفل عودة شعب فلسطين إلى دياره، فإن واقع الأمر الذي ما لبثت الأيام أن كشفته كان مغايرًا لذلك تمامًا...

وإذا بالتصريحات التشنجية المتطرفة من عدائها للاحتلال الصهيوني والداعية لحرب طويلة المدى ضده تخفي وراءها مفاوضات، ولقاءات مع قادة العدو واتفاقات سرية وترتيبات تضمن وترسخ أمن وسلامة الكيان الصهيوني...

  • انطلقت الثورة الفلسطينية عام 1965م لتعلن على الملأ رفض هذا الواقع الاستسلامي المرير وحمل شباب بواسل السلاح وبدأوا في مقاومة العدو المحتل..

وكان بديهيًّا والحال على ما هو عليه أن تواجههم نيران اليهود ونيران أنظمة الحكم الخائرة أمام أعداء الأمة المتجبرة العاتية فقط على شعوبها. 

وجاء عدوان 1967م ليفضح إفك الحكام ويكشف تواطؤهم مع اليهود.. واستكمالًا لدورهم الذي يحدده لهم سادتهم جاءهم شياطينهم بعد هزيمتهم بخطة جديدة ألقوا فيها عبء وتكاليف ومسئولية القضية الفلسطينية على الشعب الفلسطيني... ولكن حتى هذا كان قولًا زورًا منهم فهم الذين يحاصرونه، ويقتلون أبناءه ممن أرادوا الجهاد لتحرير أرضهم واستعادة حقهم..

وكيف يتحمل الشعب الفلسطيني مسئولية القضية الفلسطينية؟ وفي الجانب الآخر الصهيونية العالمية والصليبية والشيوعية وكل قوى الكفر في العالم... 

كيف يتحمل الشعب الفلسطيني مسئولية هي مسئولية المسلمين جميعًا بلا استثناء؟.

إن كل مسعى لعزل وإبعاد قضية شعب فلسطين وأرض فلسطين عن الصبغة الإسلامية لها هو مسعى تآمري خبيث مشبوه يستهدف تحذير المسلمين، وتنحيهم عن أداء واجبهم المقدس ضد أخطر ما يحاك لهم ومستقبلهم.

  • وهنا تجب ملاحظة أن الثورة الفلسطينية جاءت محصلة لرواية وطنية للتحرير فحسب، ولم تنطلق من رؤية إسلامية تستهدف تجميع الشعب وتحصينه بالإسلام... 

بل إن معظم الحكام الذين زعموا أنهم يعملون لحماية تلك الثورة ودعمها، كانوا في الحقيقة يعملون على تحجيمها وسلبها من أي ملامح إسلامية يمكن أن توجهها وتقودها وقد تم ذلك بأساليب متنوعة: 

1- الملاحقة المستمرة والقمع غير المحدود للجماعات الإسلامية من جانب الحاكمين.. وتوهم قادة الثورة أنهم ببعدهم عن الالتزام بالنهج الإسلامي، وبالجهاد الإسلامي سوف يتجنبون ذلك القمع الوحشي.

2- إيمان بعض قيادات الثورة بأيديولوجيات معادية للإسلام مثل الماركسية، وغيرها وبالتالي رفض تلك القيادات للإسلام منهجًا وسبيلًا.

3- غياب الوازع الديني لدى الكثير من الناس بسبب تكريس التعليم العلماني في المدارس والجامعات العربية.

4- انتشار وتعدد أجهزة الإعلام المعادي الذي يشوه صورة الإسلام كعقيدة وشريعة ومنهج حياة وصورة الجهاد الإسلامي وأهدافه وينشر الافتراءات ضد الجماعات الإسلامية.

5- مواقف بعض الحكومات التي تدعي الإسلام ودعم الثورة الفلسطينية بينما يتضح خذلانها للشعب الفلسطيني ورفضها مد يد العون لهم على استخلاص حقوقه.

6- عدم وضوح الرؤية وضعف الوعي السياسي لدى الكثير من المجموعات الإسلامية وعجزها عن تحمل مسئولياتها في مواجهة طواغيت الحكم.. الأمر الذي لم يمكنها من قيادة الشعب نحو الجهاد لإعلاء كلمة الله، وانعكاس أثر ذلك على جماهير الشعب، وعلى مجمل الأوضاع الحاضرة.

7- استرضاء الرأي العام العالمي «استجداء» لتعاطفه وتأييده وقد ترتب على إبعاد الثورة الفلسطينية عن اتخاذ الإسلام منهاجًا ومنطلقًا وملاذًا وقوعها في شراك الروس وعبيدهم في المنطقة العربية والتحالف معهم للتصدي للزحف الصهيوني الصليبي. 

  • وهذا الأمر يضاف إلى مجموع المآسي الناتجة عن الابتعاد عن طريق الله، فإن كل بصير يرى أن روسيا هي جزء من القوى الإمبريالية التي ترفض أن تكون الشعوب الإسلامية طليقة الإرادة مستقله الاتجاه- وما أفغانستان عنا ببعيدة- ولا يمكن أن تساعد على هدم الطاغوت الصهيوني بأي حال من الأحوال.. وكيف تهدمه وهي تغنيه بالمدد البشري اللازم للاستعمار الاستيطاني لأراض فلسطين وسوريا ولبنان! 

  • وبعد..

فإن التحديات التي تواجه الشعوب الإسلامية هي تحديات حياة أو موت... فماذا نحن فاعلون؟... 

أما آن لنا الاستفادة من دروس المرحلة الماضية بل من كل مراحل تاريخ هذه الأمة... 

بعد هذا.. هل ستقابل هذه التحديات بأن نأوي إلى أمريكا لتعصمنا من الغزو والاجتياح اليهودي كما فعلت الدول العربية بعد غزو لبنان؟ أن نتيجة هذا الاستخدام لن تكون سوى مزيد من الإذلال والخسف...! 

أم هل نأوي إلى موسكو لتحمينا من بأس اليهود وهي نفسها التي تم في عهدها ارتماء حكام مصر وسوريا تحت أقدامها، تسليم الأراضي المصرية والسورية لإسرائيل؟

إذا أرادت الشعوب المسلمة الحياة حقًّا؛ فليس أمامها من طريق سوى طريق الثبات والرجولة الحقة.. طريق الله الحق..

وعندما تعتصم الأمة بحبل الله القويم.. وقتها فقط تكون قد وضعت قدمها على الطريق السديد، وتكون قد بدأت المعركة الحقيقية مع الأعداء... 

أما ما يجري الآن على الساحة فليس سوى مجزرة ضحاياها مسلمون يتساقطون ثمنًا لتآمر معظم حكامهم وضياع قياداتهم ولهو أغنيائهم واستكانة فقرائهم. 

ولا حول ولا قوة الا بالله

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل