; وقفه في.. ظلال شجرة في الطائف | مجلة المجتمع

العنوان وقفه في.. ظلال شجرة في الطائف

الكاتب علي سعود عطية

تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

مشاهدات 56

نشر في العدد 35

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

وقفه في.. ظلال شجرة في الطائف

ما أجمل هذه الصورة وأروعها وأصفاها.. ما أكثر خشوعها.. رسول الله يسند ظهره الشريف إلى جذع الشجرة في مشهد قدسي خالد.. ما أبدع ما في هذه الصورة الشاعرة المتأملة من حنان وإنسانية.. صورة رائعة الحسن.. رائعة الغموض في الأزل البعيد

بقلم: علي سعود عطية

في العام العاشر للنبوة تموت خديجة زوجة الرسول الحبيبة، ويتعمق أكثر جدول الحزن في نفس محمد، ثم لا يلبث أن يفجع رسول الله بموت عزيز على قلبه آخر، هو عمه أبو طالب، وتفتح صفحة جديدة من الحزن في حياة الرسول الحزينة الطويلة الحزن.

كانت خديجة -مثل النساء الأعلى -خير مؤانس في حياة عظيم، صداقة صادقة، وحنان دافق، معدن طهر ونبع كرم، وقفت معه مواقف خالدات، منذ أن قدم من جبل الرحمة من الغار المقدس يحمل النبأ العظيم.

نبأ مخاطبة السماء للأرض، فهدهدت مشاعره وسكبت من هدوئها ورصانتها ومودتها على نفسه الواجفة الخائفة، فسكتت تلك النفس واطمأنت، وبحب كبير قادته من يده إلى ابن عمها ورقة بن نوفل حدثه بخبر محمد! فيطمئنه ورقة الحكيم بأنه قد وقع عليه اختيار العناية الإلهية! وأن الناموس الذي نزل عليه هو الناموس الذي نزل على موسى وكانت معه في كل اللحظات الأولى لمسيرة الدعوة الجديدة العظيمة وهو يبلغ السر للمخلصين الأصفياء ويحمل الأمانة بقلوب جديدة، وتحمل هذه القلوب كنزها الثمين، سرها الإلهي ويبدأ كل منها فصلًا جديدًا من القداسة.

ماتت خديجة، وودع الرسول قلبًا رحيمًا سافر إلى العالم الآخر ليأخذ مكانه في جنة علوية في قصر من قصب، اختصت به خديجة الزوجة الصالحة المعطاء وأم أبنائه وبناته الرؤوم.

أما موت أبي طالب فقد حرم الرسول حصنًا منيعًا يلجأ إليه وسندًا أمينًا يأوى إلى ظلاله وعنده يأمن من أذى قريش ووحشية رجالها ومكرهم الذي تكاد لتزول منه الجبال! وبوفاة أبي طالب انفتحت على رسول الله من قريش كوة من العذاب والألم النفسي الرهيب، عن ابن مسعود قال بينما رسول الله يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحابه جلوس وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض! وأنا قائم أنظر ولو كان لي منعة طرحته عن ظهره، والنبي ساجد ما يرفع رأسه! فلما انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم.

 في الطائف

عن هذا الجو القاسي، الذي تفسده لوثة الشرك وتعقده وحشية الوثنية كان لا بد من متحول، ولا مندوحة عن منطلق جديد فتوجه رسول الله إلى الطائف، وهي تبعد عن مكة نحو الخمسين ميلًا، سارها محمد على قدميه جيئة وذهوبًا، وهنا في الطائف عرض دعوته على رجالها وكبار القوم فيها عشرة أيام، فردوه جميعًا ردًا جاهلًا لا يقل في جاهليته عن مواقف أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف من الكفر والنكران المبين.

ولم يكتفوا بتلك الصدمة يصدمونها للرسول الكريم، بل حرشوا عليه صبيانهم وأوباشهم فراحوا يرشقونه بالحجارة، حتى سالت الدماء من عقبيه، ويلجأ الرسول الأمين متعبًا جوعان عطشا، ترتسم على وجهه إشراقات النور الإلهي وإشعاعاته وتعلو صفرة وجهه سكينة الإيمان الخالد.

يلجأ رسول الله إلى بستان في الطائف لعتبة وشيبة ابني ربيعة حيث يجلس في ظل كرمة يلتمس بعضًا من راحة وشيئًا من أمان، وكان أصحاب البستان فيه فصرفوا عنه الأوباش، ومن وسط ذلك الألم المقدس، تحت ظلال الشجرة ترتفع كلمات في مناجاة إلى الرب تبارك وتعالى.

اللهَّم إليك أشكو ضعف قوتي! وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، أنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي.

أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح أمر الدنيا والآخرة، أن يحل عليّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى! ولا قوة إلا بك.

حرك منظر الرسول ومناجاته المقدسة النابعة من قلب حزين مفعم بالألم المقدس القوم من أهل البستان، وفعلت فعلتها تلك الكلمات النورانية المهفهفة المجنحة النابضة بالنشوى، بالروح الساحر، المرتفعة من ذلك الفم الطاهر، من تلك الملامح المتعبة المقدسة، في ظل تلك الشجرة قصة الروح والريحان تتكرر، قصة الطور وموسى تعاد من جديد، قصة الرحمة تنزل على القلب المؤمن الخاشع العابد الموصول، فتهز في رجفة هائلة ذلك الكيان المقدس فيتفجر بنفحة سمو وليس اسمى.

 عداس

إنه الحسن الرسولي الألم يذيب بعض ما في تلك القلوب من الكراهية الصلدة، فدعا ابنا ربيعة غلامًا لهما نصرانيًا يدعى عداسًا وقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب وأذهب به إلى هذا الرجل، فلما وضعه بين يديه الكريمتين الناعمتين -يدي الرسول -تناوله، وبعد أن قال بسم الله، أخذ يأكل وجبته ببطء وتؤدة وصبر عظيم! ليت شعري! إنها صورة فريدة تجل عن الإحاطة بأبعادها المشرقة ريشة الفنان أي فنان! ما أجمل هذه الصورة وأروعها وأصفاها، ما أكثر خشوعها، رسول الله يسند ظهره الشريف إلى جذع شجرة في مشهد قدسي خالد، ما أبدع ما في هذه الصورة الشاعرة المتأملة الساهمة من حنان وإنسانية! صورة المسافر قادم من أرض مجهولة رائعة الحسن، رائعة الغموض، من الأزل البعيد، صادف بطاح مكة فأقام فيها فترة من زمن يدعو الناس إلى الحقائق الخالدة عن الله والكون والحياة، وينبه الناس -وكأنهم وحدوا وجودًا بكرًا لأول مرة -إلى القانون الرباني العظيم، ويذكرهم أنهم كما وجدوا وهم لا يشعرون سيغادرون هذه الحياة وهم لا يعلمون، وأن الرحلة على سطح هذه البسيطة -أرض الآلام -رحلة قصيرة، وأنها ابتعاد مؤقت عن عالم أخاذ الحسن، عالم خال من الهم والسقم والفقر، والجوع، والنصب والبؤس، وأنهم ينبغي ألا يفقدوا روعة الحنين إلى ذلك العالم الباهر، وأنهم يجب أن يستشفوا بكل كيانهم ما وراء الأستار، وأن يضعوا أيديهم على الجوهر المقدس في كل مظهر من مظاهر الوجود، وأن يقفوا وجهًا لوجه أمام المطلق، أمام اللانهاية، إن اللانهاية تناديهم وتفتح لهم ذراعيها، وإن صوت الأبدية يهمس في آذانهم من المجهول، هذا الإشراق الذي يسكب في قرارة النفس.

...الحياة.

 كان نبيًا وأنا نبي

وتمضي الرواية فتقول إن عداس الذي اقترب أكثر من رسول الله، ملأته رهبة خاصة من هذا المخلوق المدهش!! فقال له وقد سمعه يتمتم بكلماته الخافقة، قال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فالتفت إليه النبي وقد رأى ما اعتراه من إشفاق وقلق خصب حبيب من أي البلاد أنت؟ فقال: أنا نصراني من «نينوي» فقال رسول الله: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال: ما يدريك ما يونس؟ قال رسول الله: ذلك أخي كان نبيًا وأنا نبي، عند ذلك انكب ذلك الغلام الواجف -وسط الانبهار الشديد على يدي رسول الله ورجليه يقبلهما.

فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر وقد عاودهما مكر الجاهلية ومكابرة الكفر العنيد أما غلامك فقد أفسده عليك! فلما جاء عداس قالا له ويحك ما هذا؟ قال: ما في الأرض خير من هذا الرجل!! بلى یا عداس! بلى! لقد عرفت! لقد وجدتها يا عداس: بلى ما في الأرض خير من هذا الرجل.

ويكون يوم! ويعود رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة معقل الكفر وقاعدة الشرك، وفي هذه الأثناء تكون رحلة التقريب للحبيب محمد، وتكون حادثة الإسراء والمعراج.

 في صفحة باهرة أخرى من السيرة المحمدية العطرة.

علي سعود عطية

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل