; ولادة قريبة وراء التبدلات في الموقف الإعلامي الغربي | مجلة المجتمع

العنوان ولادة قريبة وراء التبدلات في الموقف الإعلامي الغربي

الكاتب بهيج ملا حويش

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 899

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 10-يناير-1989

·       الحكومات العربية لها عدو واحد اليوم هو الأصولية الإسلامية.

·       اليسار العربي كان عميلًا أرعن قضى على نفسه وأخفق في تمهيد الساحة للفكر الشيوعي.

كنا نتساءل «نحن الذين نعيش في الغرب» طيلة العام الماضي عن أسباب تبدل مواقف الإعلام الغربي من القضية الفلسطينية قبل وبعد الانتفاضة وكنا نلخص هذا التبدل المتدرج من تعليقات الصحف اليومية والتحليلات السياسية والاستطلاعات التليفزيونية، فالخبر في الغرب كما هو معلوم ليس خبرًا مجردًا إنما هو خبر مصنع. أي أن الحادثة المجردة قبل أن تصل إلى القارئ أو السامع الغربي تمر على دوائر مختصة ليحذف منها ويضاف إليها ثم تصاغ بطريقة تخدم سياسة وكالات الأنباء... من هذا نخلص إلى القول إن ما كان ينشر ليس بسبب غفلة الرقيب وإنما تحضير لولادة قريبة.

الظاهرة والاحتمال:

من أهم الظواهر التي سجلناها خلال العام الماضي تذكر:

- وقوف الإعلام الغربي ولأول مرة موقفًا معاديًا من النظام التونسي السابق في قضية محاكمة الإسلاميين على عكس من كثير من أجهزة إعلامنا العربي... وكانت الصحف تكتب باستهزاء من العدالة التونسية ومن حكم الرئيس بورقيبة ونظامه الفاسد... وهذا ما لم نعهده على «ابن فرنسا في الشاطئ» المقابل فقد كان دومًا محط رعاية وراء.

- كثرة المقالات لكبار الكتاب والمحللين السياسيين عن «الأصولية الإسلامية»، وخطرها على أنظمة الحكم العربية بل وعلى التوازن الدولي بقصد تخويف الحكام من شعوبهم والإيقاع بينهم.

- تضخيم قوة الصحف الإسلامية وإمكاناتها بأكثر مما نعرف بكثير بقصد دفع الذين يخافون هذه الصحوة إلى حشد القوة الغاشمة والبطش بها في كل مكان كما أنه محاولة لدفع أبناء الصحوة إلى الاسترخاء والرضى بما وصلوا إليه.

- عقد مؤتمرات سرية وعلنية وعلى مستويات مختلفة الدراسة مقاومة الأصولية، وكنا نتساءل عن علاقة هؤلاء «بالأصولية الإسلامية» في بلاد ليس لهم فيها وجود بشري معرض للخطر من هؤلاء «الأصوليين».

وقد توقفنا كثيرًا عند انعقاد مؤتمر حملة جائزة نوبل بدعوة من الصهيوني أي ي فيزل لدراسة مستقبل الإنسانية في الشهر الماضي. وكان من مقررات هؤلاء ما يلي: -

1 - تشجيع ودعم مبادرة الرئيس ميتران القاضية بتدريس تاريخ الإنسانية في كل دول العالم وفق نصوص ومناهج تعتمدها اليونسكو. أي أن تاريخنا وتاريخهم نضمه إلى بعضه وندرسه في مدارسنا ومدارسهم وفق ما تراه منظمة اليونسكو... وهنا تستوقفني فقرة من خطاب الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله أحد كبار صناع الثورة الجزائرية الحقيقيين في خطابه أمام وفود الدول العربية والإسلامية في عصبة الأمم المتحدة في أوروبا، نشرته «البصائر»، في عددها 183، 18/2 سنة 1952م جاء فيها:

«يقول المستعمرون عنا إننا خياليون، وإننا حين تعتز بأسلافنا نعيش في الخيال، ونعتمد على الماضي، ونتكل على الموتى، يقولون هذا عنا في معرض الاستهزاء بنا، أو في معرض النصح لنا. وأنا لا أدري متى كان إبليس مذكرًا؟ فما يرمون إليه أنهم يريدون أن ننسى ماضينا فنعيش بلا ماض حتى إذا استيقظنا من نومنا، أو من تنويمهم لنا، لم نجد ماضيًا نبني عليه حاضرنا، فاندمجنا في حاضرهم. وهو كل ما يرمون إليه سلوهم هل نسوا ماضيهم؟ ...

2 - الفقرة الأخرى التي استوقفتنا هي دراسة ظاهرة الأصولية والعمل على إيقافها؟؟ وكلمة الأصولية يقصد بها «الإسلاميون» كما هو متعارف عليه في لغة العصر.

- قضية أفغانستان هي إحدى القضايا التي دأب الإعلام الغربي في الفترة الأخيرة على دفعها وإبرازها وتبنيها كقضية استعمارية وكإحدى الثوابت في أي مباحثات سياسية، وكنا نفسر هذا أنه من باب توازن القوى بين المعسكرين لا دفاعًا عن حقوق شعب مستعمر، إلا أننا عجبنا أيضًا من استجابة الروس وعزمهم على التخلي عن نظام مكيل.

- وأخيرًا القضية المحورية قضية فلسطين فمنذ فترة لم تنقطع الصحف عن الحديث عن حق الشعب الفلسطيني في بناء دولته فوق أرضه... والحديث هذا لم يقتصر على كتاب اشتهروا باعتدالهم أو عقلانيتهم بل اشترك به كتاب عرفوا بصهيونيتهم ودفاعهم الطويل عن حق الشعب اليهودي في سياسته الحالية، تذكر منهم على الأقل TIMMERMAN وVICTOR CYGIELMAN، ناهيك عن تصريحات كرايسكي وغيره من كبار اليهود الذين سبقوا هؤلاء بكثير.

والذي يقرأ الصحف الفرنسية يسترعيه حقًا ما كتبته «نوفيل ابزرفاتور» LE NOVELL OBSERVATURE من مساجلة بينها وبين ELIE VIESEL حول أحداث الأرض المحتلة وصلت إلى حد التراشق بالكلمات، متهمة هذا الصهيوني صاحب لقب جائزة نوبل للسلام، بالانحياز الكلي للصهيونية على عكس ما تقتضيه قواعد الحق والسلام.

ثم انضمت أجهزة التلفزة الدولية وبقوة إلى إبراز همجية الإسرائيليين مقابل ثورة الحجارة، وكلنا شاهد مناظر لم تعهدها في أجهزة الإعلام الغربي التي قارنت بعضها بين ما يفعله الإسرائيليون وما فعله النازيون باليهود.

والذي شاهد استطلاع التليفزيون الإيطالي في 12/2/1988م لمدة ساعة ونصف تقريبًا عن الأرض المحتلة وما تقوم به قوات العدو من تهديم البيوت، وقتل الآباء بحضور أبنائهم، وقطع الأشجار وحرث مزارع الفلسطينيين ومن مقابلات مع شيوخ وأطفال ونساء، ليأخذه العجب من قوة الإخراج وصراحته بل أقول إنني لم أر برنامجًا عربيًا منذ سقوط فلسطين بمثل ذلك الذي قدمه التليفزيون الإيطالي على ما فيه من مآخذ.

كذلك الأمريكان مع بقية أجهزة الإعلام مما دفع بعض الدبلوماسيين الإسرائيليين إلى القول بإن ما يجري على الساحة الأوروبية هو نازية جديدة وعنصرية ضد السامية... إلى آخر ما هنالك من المنظومة المعروفة.

التفسيرات والاحتمالات:

لم نكن نحن وحدنا الذين تعيش في الغربية تعني باستقراء تفسيرات هذا الموقف الإعلامي الغربي وما رافقه من تحركات دبلوماسية على الساحة العالمية، وكانت هناك جملة من الاجتهادات تختلف باختلاف انتهاء أصحابها.... فمنهم القائل عن:

- صحوة الضمير الغربي أمام استمرار عملية الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، وهذا ما لم تعهده بهذا الضمير المتردي الذي لم يتحرك من قبل حيال مجازر جماعية جرت في عالمنا الإسلامي، وفي إفريقيا وآسيا، وما زالت تجري إلى الآن.

- مقدمات الانهيار الاقتصادي الأوروبي... فقد استطال أمد الحرب في نقاط كثيرة من العالم مما أفاد الاقتصاد الأوروبي لفترة طويلة على تنمية الصناعات الحربية، ولكن هذا جر عليهم سلبيات أهمها:

1 - دخول دول كثيرة سوق السلاح لم يكن لها وجود فيه سابقًا أخذ يزود مختلف الدول الفقيرة والمتصارعة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة بأسعار نقل كثيرًا عن أسعار الدول الغربية. فسقط احتكار هذا النوع من السلاح مما دفع مصانع الأسلحة إلى الاتجاه إلى تصنيع الأسلحة المعقدة جدًا والتخلي عن سوق السلاح الخفيف... وهذا جر بدوره سلبيات جديدة إذ قلص انتشار هذا السلاح على دول معينة تعيش حروبًا ضروس مثل العراق وإيران وبعض الدول الأخرى بنسبة أقل بكثير. كما أن الوضع الاقتصادي لكثير من دول العالم الثالث لا يسمح لها بشراء سلاح غالي الثمن فتحولت نظرتها إلى حل القضايا المعلقة بالطرق السلمية.

2 - هبوط الإنتاج غير العسكري وصعوبة تصديره بسبب الحالة الاقتصادية في دول العالم الثالث، وقلة المعونات وكثرة الديون وانعدام الثقة بإمكانية تسديدها، وهبوط قيمة الدولار.

3 - إشباع السوق الداخلية الأوروبية بالإنتاج غير العسكري بما يفوق إمكانية الاستهلاك.

4 - تحسين نوعية الإنتاج الأوروبي أوجد فاصلًا بين جودته وإمكانية استيعابه واستخدامه في كثير من دول العالم الثالث فضلًا عن أسعاره المرتفعة، ذلك أن البنية التحتية للاقتصاد في هذه الدول وصلت إلى درجة من الضعف جعلت من المستحيل عليها تحمل واستخدام الإنتاج العلمي المتطور الذي تنتجه أوروبا حاليًا.

كل هذا ينذر بانهيار اقتصادي وشيك بدت طلائعه في عصبة أسواق الأسهم البورصة وتذبذب أسعار العملات والتنادي إلى البحث عن نظام مالي ونقدي جديد، وهذا يقتضي بالضرورة إعادة ترتيب الخارطة السياسية والاقتصادية للعالم، وبالتالي إعادة النظر في دعائم هذه السياسة التي وضعتها عقول صهيونية منذ القرن التاسع عشر.

5 - فشل تياري اليسار واليمين «الطابور الشيوعي والطابور العلماني المتغرب أو الماسوني» في تنفيذ الخطط المرسومة لكل منهما في عالمنا بشكل خاص - في القضاء على أصالة الشعوب وعقائدها وتراثها وبالتالي ضمها كليًا إلى واحد من المعسكرين كما حدث مثلًا في أستراليا أو الصين أو غيرهما.

فاليسار العربي كان عميلًا أرعنًا قضى على نفسه وأخفق في تمهيد الساحة للفكر الشيوعي، وها هو اليوم يندب حظه في السودان ومصر والعراق وإيران وإندونيسيا... إلخ. مما حول استراتيجية الروس من الاعتماد على الأحزاب الشيوعية العربية إلى التعامل مع الحكومات مهما كانت وجهتها كما حدث مع الكويت أو المغرب أو مصر والعراق... وهكذا سقطت سياسة «الولد الشقي».

- أما تيار التغريب الذي اعتمد تفشي الإباحية وتخريب عقائد الأمة وتراثها تحت غطاء الحرية والعلمانية والتقدم العلمي، كما اعتمد المال لشراء الضمائر والتحكم بمراكز الإدارة والتوجيه، قد فشل كذلك إذ اصطدم باستفاقة هذه الأصالة. الصحوة الإسلامية بل إنه كان أحد العوامل الرئيسة التي أسهمت بانتشار الصحوة وتسارعها، إضافة إلى أنه أصبح ينوء بجيش من المكتسبين والمنافقين والعبيد لم تعد به قدرة كافية لتحمله وتحمل تبعاته.

وقد كتب أحد كبار المعلقين الغربيين JAVIER‏ ‏VALENZUELA عن حادثة تلامذة ضباط الشرطة في مصر في العام القبل الماضي قال فيه:

«ما كان ذلك انقلابا، وإنما رفضًا للنمط الغربي للحياة وللترف الذي لم ينل منه الشعب شيئًا».

واقترح البعض الآخر أن الحالة في مصر لضمان تغريبها تحتاج إلى مشروع مارشال مضري يضمن تحويل البنية الاجتماعية والاقتصادية إلى النمط الغربي كما حدث في ألمانيا بعد سقوط النازية.

6 - التفسيرات السياسية كانت تميل إلى نجاح الدبلوماسية العربية التي أحرجت إسرائيل أمام الدول الغربية الأوروبية إذ وضعتها وجهًا لوجه أمام تعهداتها ومواثيقها القاضية بانسحابها عن الأراضي العربية المحتلة إذا ما ضمنت اعترافا عربيًا بها وحدودًا آمنة وثابتة، وهذا ما تعهدت به الدول العربية ومنظمة التحرير اليوم، بل إن هذه الدول وافقت حتى على التفسير الإسرائيلي القرارات الأمم المتحدة من إعادة «أراضي محتلة» وليست «الأراضي المحتلة» ولم تترك لها ما تتعذر به أمام الحكومات الأوروبية على الخصوص.

7 - وأخيرًا كان البعض منا نحن الإسلاميين يتحدث عن خوف العالم من استفاقة المارد المسلم بشيء من الاستحياء أو بشيء من حب تقييم الذات، ويربط ما بين الانتفاضة ونسبها إلى التيار الإسلامي أو إلى منظمة التحرير.

والحقيقة أن منظمة التحرير والتيار الإسلامي قد اشتركا في هذه الانتفاضة رغم ضبابية الإعلام العالمي حيال هذه القضية. فلا أصحاب الانتفاضة يروق لهم الانتساب المنظمة التحرير لأن هذا لوحده جرم معاقب عليه في القضاء العسكري الإسرائيلي وفي كل قوانين الاحتلال في العالم، كما أن إسرائيل لا يروق لها نسب هذه الأحداث المنظمة التحرير لأن ذلك يقوي من وجودها الدولي ويجعل المنظمة تحصل على اعتراف إسرائيلي ضمني بأنها الممثل الوحيد والقادر للشعب الفلسطيني، وهو ما تحاول إسرائيل طمسه بشتى الوسائل وأخيرًا فإن منظمة التحرير ذاتها لا يروق لها بالمقابل أن تنسب هذه الانتفاضة المباركة لغيرها فيما اسمته دوائرها واحتواء الانتفاضة الفلسطينية.

يا قوم ضعوها في رقبتي يا قوم اعصبوها برأسي وقولوا جبن عتبة

تلك مقولة حكيم العرب عتبة بن ربيعة قبل أن يلتقي الجمعان في بدر فأراد أن تسلم قريش بنفسها ومالها وما حققته من مكاسب حتى ذلك اليوم لأنه كان يعلم أن دينا كهذا لن يغلب، وأن حركة التاريخ في غير صالح قريش. وعتبة هذا هو الذي قال به «ص»: إن يكن في أحد من القوم خبر فعند صاحب الجمال الأحمر إن يطيعوه يرشدوا. فالعاجز يتغنى بأسلافه وشبابه والساهي لا يرى من عمره إلا يومه والحكيم يعلم أن الحياة هي اليوم الآتي، هي الغد بكل ما يحمل من أحداث جديدة هي اليوم تنمو في رحم الحاضر... لذا فهو يجهز هذه الولادة لتتم في أحسن الظروف وأقلها مشقة وأكثرها منفعة.

ومن إعادة قراءة الظواهر السابقة على ضوء التفسيرات والاحتمالات المذكورة، واضعين في اعتبارنا ما يلي: -

1 - أن أي تحرك إعلامي هو نتيجة الدراسات مكثفة يخدم غرضًا معينًا أو يهئ الأجواء لتقبل حدث معين.

2 - أن الدراسات الغربية تعتمد بصورة رئيسة على سير الآراء المعرفة ما يدور في أفكار الناس، وعلى الإحصاءات لتقييم قوة اتجاه معين، إضافة لتطور عناصر قضية ما. موضوع الدراسة لاستجلاء النتيجة الأكثر احتمالًا في المستقبل القريب أو البعيد، ومن ثم اتخاذ التدابير الكافية حتى لا تفاجئ باحتمالات غير متوقعة، وهو الأمر الذي تشرف عليه مراكز الدراسات الاستراتيجية.

3 - إن في كل شعوب الأرض عقلاء وحكماء، وهذا ينطبق على اليهود كما ينطبق على غيرهم، وعقلاء اليهود أخشى الناس على مستقبل إسرائيل بالنظر لقلة عددهم ولما أصابهم في التاريخ الطويل من تشريد متكرر بما اقترفت أيديهم.

كما أن عقلاء يهودهم أخشى الناس من الإسلام، ولهم في ذلك كتابات كثيرة كما أن أيديهم السوداء كانت دائمًا ملطخة بالدم المسلم منذ عهد رسول الله إلى الدولة العثمانية إلى فلسطين اليوم وعالمنا العربي عمومًا. ولعل ما ذكرته وكالات الأنباء حول الرسالة التي وجهها ثلاثون عضوًا من الكونغرس إلى شولتز خير مصداق لكلامنا، وكان من بين الموقعين بوشفيتر وليفن ورمان وكوهين، وألان كرانستون وبوب كاشتي من الحزب الديمقراطي والجمهوري، وهم من كبار الساسة الأمريكان. لذا فهم اليوم يضغطون على حكام إسرائيل فعلًا لقبول السلام، حتى ولو كان حلًا مؤقتًا ريثما تجد لهؤلاء الإسلاميين حلًا.

وأخيرًا...؟!

وأخيرًا رأينا ما كنا نظنه أوهامًا... فقد كتب CYGIELMAN من القدس المحتلة مقالًا صريحًا يبين فيه حقيقة الأمر فقال محذرًا:

«لم يمر الشعب الإسرائيلي يومًا بأصعب من هذه المرحلة، فقد اعتاد هذا الشعب على الحروب الميدانية ونجح بها دومًا، إلا أنه اليوم يحارب عدوًا يتحداه وينتصر عليه بل ويهين جبروته، فلا الترهيب ولا التقتيل والتعذيب أدى إلى دعوة السلام إلى المنطقة، كما أني أشك بأن الضحايا قد وصلوا إلى الألف وليس المئة كما يقال.

وكما يقول البرفسور SHLOMO AVINERY من الجامعة العبرية في القدس:

- إن الحرب مع الفلسطينيين قد خسرناها مقدمًا، فلئن اعتادت جيوش النصر على جيوش أخرى، فإننا لم تر انتصار جيش على شعب أعزل مصمم على النصر ويدفع ثمن هذا النصر من أرواح أبنائه وقد أعطى مثالًا لذلك انتصار غاندي على بريطانيا العظمي.

ولكن الأمر يختلف كذلك، فقد انتصرت حكومات المعسكر الشرقي على الانتفاضات الشعبية بقوة الحديد والنار، كذلك الأمر في تشيلي وفي سورية حيث أعدم حافظ أسد اثني عشر ألفًا من مواطنين بتهمة التعاون مع الإخوان المسلمين مع الفارق بطبيعة الحكم، فإسرائيل دولة ديمقراطية وعمل كهذا يعرض الديمقراطية فيها للخطر وتجعل العساكر، ومحاكم التفتيش تتحكم في حياتها العامة، وهي إن وصلت إلى هذا فإنها تحفر قبرها بيديها.

واليوم يبدي قادة العرب جميعًا بما فيهم منظمة التحرير ولربما لعدة سنوات قادمة كذلك استعدادهم للسلام. فللحكومات العربية عدو واحد اليوم هو الأصولية الإسلامية ولا فرق في ذلك بين سنة وشيعة. وكل الحكومات العربية الخليفة للروس أو للأمريكان تخشى موجة الإسلاميين. وللمرة الأولى في التاريخ يتفق العرب على السلام مع إسرائيل مع أن دوافع هذا السلام تختلف عما كانت عليه في السابق. فهم علاوة على خشيتهم من حرب خاسرة أخرى فإنهم يرمون إلى اجتثاث مسببات الصحوة الإسلامية التي تتهم القادة العرب بعجزهم عن تحرير الأرض وإنشاء دولة فلسطينية كما تتهمهم بالفشل في تحقيق الرخاء هويهم من خارج الإسلام، فقد فشلت اشتراكية جمال عبد الناصر كما فشلت لبرالية السادات وغيره، وصلاح الدين المسلم حرر الأرض من قبل والنظام الإسلامي هو الوحيد الذي حقق الرفاه للمسلمين، ولذلك فتغيير الحال لا بد أن يمر من هذا الطريق... وواقع الدول العربية يؤيدهم في ما يذهبون إليه.

وللعلم، فإن قادة التيار الإسلامي لا يكلون القول بأن المسلمين ليسوا في عجالة من أمرهم، وأنهم سيحاربون ولو لألف عام حتى يتمكنوا من طرد اليهود من فلسطين».

ثم يختم قوله «عندما ننظر إلى سياسة إسرائيل اليوم وخاصة شامير لا بد لنا من أن تذكر الحكمة الرومانية القديمة:

«وإذا أراد جوبر هلاك أحد، فأول ما يفعله هو أن يحرمه من نعمة العقل».

إذًا فالقضية ليست صحوة الضمير اليهودي أو الغربي وليست التوقعات الاقتصادية، ولا حتى نجاح الدبلوماسية العربية بل هي الصحوة الإسلامية... فعجبًا لحكمة ربنا كيف ينصر عباده، وكيف تنصر شعوبنا بالإسلاميين حتى وهم في غياهب السجون أو في فسيح التيه.

فما ضر قومي لو خلوا بين الإسلام وأهله...

فيا ليت قومي يعلمون...

الرابط المختصر :