العنوان ولهذا.. كان لابد من يوم الحساب
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1978
نشر في الصفحة 66
السبت 26-نوفمبر-2011
في ختام تمثيلية «الطبيب والسيدة» التي عرضها التلفزيون المصري في سبعينيات القرن الماضي، يقف الطبيب «توفيق الدقن» الذي كان يتابع حالة نفسية مستعصية لإحدى مريضاته.. ويقول: «الله.. أد إيه الدنيا دي فيها ظلم.. أد إيه فيها خوف.. أد إيه فيها ألم....»
وسأقف لحظات عند الجملة الأولى: الظلم الذي يسري كالورم الخبيث في جسد الحياة وشرايينها، والذي يتكاثر ويتوالد تلقائيًا كالكائنات ذات الخلية الواحدة.
الظلم يغمر الكرة الأرضية، ويغطي السهل والجبل.. ظلم القوي للضعيف.. والدول القوية للدول الضعيفة. والطواغيت للشعوب.. وأصحاب المال والسلطان للفقراء والمستضعفين.. بل - أحيانًا - الأخ لإخوته، والأبناء للآباء.
وبغض النظر عن دوافع الظلم وحجمه، فإنه في المنظور الديني والأخلاقي والإنساني غير مبرر على الإطلاق، إنه ممارسة لا دينية ولا أخلاقية ولا إنسانية بكل المعايير.
وجوهر المأساة البشرية يكمن في أن الظالم - أيًا كان - قد يفلت من القصاص، وأن المظلوم - أيًا كان - قد لا يسترد حقه أو شيئًا من حقه.
يموت الظالم وهو قرير العين لم ينله ما يستحقه من عقاب، ويظل المظلوم يجتر الحقد والحسرات والرغبة في الرد، ويموت حسيرًا كليلًا دون أن ينال مبتغاه.
ما هكذا أراد الله سبحانه للدنيا أن تكون، ولكنه اختيار، ورغم أن الأديان كافحت على مدار الزمن لإعادة الأمور إلى نصابها، ونجحت في مساحات الأرض، فإن المساحات الأوسع ظلت تعاني من الوجع الآدمي الذي يفترس الإنسان الظلم.
فماذا لو تصوّرنا - مجرد تصوّر - أنه ليس ثمة بعث بعد الموت، وأنه لا آخرة ولا حساب؟
ماذا لو تصوّرنا الظلمة والطواغيت والمجرمين يفلتون من العقاب إلى الأبد، ولا يقدر المظلوم والمستضعفون على استرداد حقهم المهدور؟
إنها حالة أشبه بالكابوس الذي لا يرحم والذي يطبق على خناق الإنسان فلا يستطيع منه فكاكًا.
ليس هذا فحسب، بل إن حالة عبثية كهذه لا تؤول إلى نهاياتها المحسوبة والمقدرة ستزيد الظالمين ظلمـًا وطغيانًا، وستزيد المظلومين والمستضعفين مسكن وقهرًا واستعبادًا.
فمن أجل إحقاق الحق، من أجل إقامة الميزان بالقسط، من أجل ردّ الدين إلى أصحابه، من أجل إنزال العقاب العادل بالظالم الذي لم يمسه أذى في حياته الدنيا من أجل إنصاف المظلومين وإطفاء النا التي تشتعل في أعماقهم، من أجل هذا كله - وغيره من الأسباب - كان لابد من يوم الحساب.
هنالك حيث ترد الحقوق المهضومة إلى أصحابها ويقتص من الظلمة والطواغيت، وتدس أنوفهم في نار جهنم ورمادها.
وهنالك يتنفس المظلومون الصعداء، ويعرفون حق اليقين أنهم بيوم الحساب هذا، وبرحمة الله سبحان وعدله المطلق، إزاء معادلة مقدرة ومحسوبة وأن الحياة الدنيا فرصة للابتلاء والكفاح من أجل العدل والحق، وليست مزرعة يصول فيها الظلمة والطواغيت ويجولون جلت حكمتك، وتباركت قدرتك يا الله..