العنوان وما زالت منظمة التحرير تسير في النفق المظلم
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1985
مشاهدات 62
نشر في العدد 741
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 12-نوفمبر-1985
قبل البدء في كتابة هذا المقال تناقلت وكالات الأنباء خبرًا من القاهرة مفاده أن منظمة التحرير الفلسطينية تعتزم إصدار بيان ينبذ الإرهاب بكافة أشكاله سواء داخل الأرض المحتلة أو خارجها مع تمسكها بحقها في استخدام كافة الوسائل المؤدية إلى حصولها على حقوقها الوطنية.
وبغض النظر من الصيغة التي سيكون عليها هذا البيان المزمع إصداره فمما لا شك فيه أنه يعتبر حلقة جديدة في مسلسل التنازلات المطلوبة حتى يسمح لمنظمة التحرير بالمشاركة فيما يسمى بعملية السلام الجاري الإعداد لها منذ مدة طويلة.
وسيصدر بالطبع عن قادة منظمة التحرير تصريحات تستثني العمل المسلح في الأرض المحتلة من هذا الإرهاب، وستصدر كما هي العادة تصريحات من قادة الصهاينة تعتبر المقاومة المشروعة للاحتلال الإسرائيلي عملًا إرهابيًا.
ثم يحصل ضغط جديد على قيادة المنظمة لنبذ العمل المسلح من أجل السماح لها بالولوج في «عملية السلام» فإذا قررت المنظمة إيقاف العمل المسلح من جانبها فسيصدر عن القادة الصهاينة تصريحات أن المنظمة مسئولة عن كل عمل تقوم به الجماهير الفلسطينية ضد المستوطنين الصهاينة سواء كان قنبلة تقذف أو رصاصة تطلق أو خنجرًا يفرز في جسم مستوطن أو حتى حجرًا يقذف على سيارة إسرائيلية.
وسيحصل ضغط على منظمة التحرير لاستنكار مثل هذه الأعمال، فإذا استذكرت ذلك -وهو أمر بعيد الاحتمال- فسيطلب منها استنكار نظرات الغضب والكراهية التي يلاقيها جنود الاحتلال في فلسطين من أصحاب الديار، وذلك تعبيرًا من المنظمة عن حسن النية وسلامة الطوية، وحتى يمكن بعد ذلك لمندوب أمريكي أن يلتقي بوفد أردني يضم فلسطينيين ينتمون إلى منظمة التحرير، وحتى يمكن بعد ذلك المندوب بريطاني أو فرنسي أو... أن يحذو حذو المندوب الأمريكي.
فإذا تم ذلك -وسيكون مهزلة أن يتم ذلك- فسيطلب من المنظمة الاعتراف صراحة بالقرارين ۲٤٢ و۳۲۸ أسوة باعتراف مصر والأردن وسوريا وكثير من البلاد العربية بهما. وليس يكفي الاعتراف الضمني بهما ضمن الاعتراف بكافة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والمتعلقة بالقضية الفلسطينية.
فإذا تم ذلك، فسيطلب من المنظمة الاعتراف الصريح بإسرائيل وحقها في الوجود في فلسطين وضمن حدود آمنة ومعترف بها واعتبار القضية الفلسطينية قضية لاجئين بحسب القرارين سالفي الذكر.
وعندئذ سيفسر اليهود مشكلة اللاجئين -كما أعلنوا للأمريكيين- أنها ذات شقين: شق فلسطيني رحل عن فلسطين ويمكن استيعابه في البلاد العربية وخاصة الأردن وشق يهودي ما زال في ديار الشتات في بلاد العرب وغيرها من بلاد العالم، وعليهم أن يعودوا إلى أرض الميعاد إلى إسرائيل بمعونة عربية ودولية. أما عن أملاك اليهود في بلاد العرب فهي تعويض عن أملاك العرب في إسرائيل. وإذا كان نصف اليهود في فلسطين قد طردوا من البلاد العربية فإن إسرائيل ستزعم أنها لم تطرد إلا عددًا محدودًا من المبعدين لأسباب تتعلق بطبيعة هؤلاء المبعدين الإرهابية.
فإذا وافقت المنظمة على ذلك أملًا في الجلوس على طاولة المفاوضات ضمن مؤتمر دولي قال اليهود: بل هي مفاوضات مباشرة في ظل منبر دولي بمعنى أن الدول الكبرى التي ستحضر المفاوضات لن تحضرها بصفة شريك في المفاوضات بل بصفة مراقب ليس له رأي ملزم ولا صوت مرجح بل هو وسيط ورأيه استشاري، وحتى يسمح له بالحضور لا بد أن يكون ممثلًا لدولة تقيم علاقات كاملة مع إسرائيل.
ولعل هذا يفسر دعوة كل من القاهرة وعمان لموسكو أن تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل. فإذا تم ذلك وتمكن الفلسطينيون من منظمة التحرير أن يجلسوا ضمن الوفد الأردني على طاولة المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني المحتل لفلسطين فسيصطدمون بالتمسك الإسرائيلي بنصوص اتفاقيات كامب ديفيد التي تنص على إقامة حكم إداري ذاتي «للمناطق المدارة» لمدة خمس سنوات انتقالية يجري بعدها النظر في تقرير مصير السكان إن أرادوا الالتحاق بالأردن على اعتبار أنهم يقيمون مؤقتًا على «أرض إسرائيل».
هذا هو «سيناريو» ما يسمى بعملية السلام في قابل الأيام ونحن نقيم تحليلاتنا على فهمنا لطبيعة العدو الصهيوني وطبيعة النهج الذي رسمته أطراف الصراع العربية أو رسم لها للتعامل مع هذا العدو.
ولا شك أن الأحداث الأخيرة بدءًا من الغارة الإسرائيلية على مقر قيادة منظمة التحرير في تونس وما تبع ذلك من الخطف المشبوه للسفينة الإيطالية ثم خطف الأمريكان للطائرة المصرية، وإلغاء الإنجليز للقاء الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك، وما رافق ذلك من حملة إعلامية أمريكية صهيونية رهيبة ضد منظمة التحرير ثم التقارب السوري الأردني والتلويح في الأردن بإعادة النظر في اتفاق عمان، ونصيحتها القيادات الفلسطينية حتى مستوى الصف الثالث -كما يقول صالح البرغوثي عضو المجلس الوطني الفلسطيني- بالابتعاد عن الأردن ولو مؤقتًا لأنها في وضع لا يسمح لها بالتهديد الإسرائيلي المدعوم تمامًا من أمريكا وإلى حد ما من بريطانيا وألمانيا الغربية وعلامات الاستفهام الكثيرة التي لم تجد لها جوابًا حول سلوك بعض المسئولين في تونس الذين صرحوا بأن قبول تونس توطين المنظمة في أراضيها عام ۱۹۸۲ كان بناء على طلب أمريكا حسبما ذكر «حبيب بن يحيى» سفير تونس في واشنطن، وذلك لحل مشكلة إخراج منظمة التحرير من لبنان، وقال إن قبول تونس بوجود المنظمة فيها كان مشروطًا بنزع السلاح من أعضائها وتولي قوات الأمن التونسية مهام حراسة منشآت المنظمة. هذه الحراسة التي لم نر لها أثرًا عند الغارة الإسرائيلية، ثم تهديدات شارون للأردن بضرورة إزالة القواعد الفلسطينية فيه، وموافقة سوريا على الصلح مع إسرائيل في ظل مؤتمر دولي يعقد في جنيف، مع إصرارها حتى الآن على استبعاد قيادة المنظمة ثم التمهيد لزيارة أخرى للرفاعي إلى دمشق واتصال هاتفي بين الملك حسين وبين حافظ أسد، لتحديد موعد زيارة رئيس الوزراء الأردني لدمشق والتمهيد للقاء الملك الأردني مع أسد، والكف عن الحملات الدعائية وحضور وزير دولة سوري إلى عمان لتشييع جنازة عبد المنعم الرفاعي.
كل ذلك كان من العوامل الضاغطة على عرفات للقيام بجولته العربية بدءًا من العراق ومرورًا بدول الخليج العربية طالبًا عقد مؤتمر قمة طارئ لمعالجة الأمر، وحين وجد ذلك متعذرًا في الوقت الراهن كان ذهابه إلى القاهرة مع وفد فلسطيني رسمي هذه المرة يضم كلًا من صلاح خلف وهاني الحسن وهاني عبد الحميد و«أبو مازن» وسعيد كمال. ومعنى ذلك أن الأمر لم يعد يتعلق بجناح في قيادة المنظمة دون آخر وإنما هي المنظمة برمتها يراد استبعادها تمامًا من عملية التسوية.
وفي القاهرة كان الضغط المصري لإصدار المنظمة بيانًا يستنكر الإرهاب. وفي المساء صدر هذا البيان كما توقعنا من ياسر عرفات شخصيًا مع تمسكه بحق الأهل في الأرض المحتلة في الكفاح المسلح لمقاومة الاحتلال، ومعنى ذلك أن مسلسل الضغوط لن يتوقف للحصول على مزيد من التنازلات وقديمًا قيل في الصين «أن رحلة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة» ولكن هذه الرحلة لمنظمة التحرير التي لا تزال حتى الآن تراوح في مكانها ضمن إطار ما أسماه عرفات نفسه بالنفق المظلم، إلى أين ستصل بالمنظمة؟ هل من أمل يلوح في الأفق؟ ونحن لا نقصد بالأمل قبول المنظمة على طاولة المفاوضات ولا تحقيق الصلح مع اليهود، فذلك شؤم ما بعده شؤم . ثم إننا نعتقد أن إمكانية تحقيق السلام مع العدو اليهودي الغاصب لفلسطين أمر مستحيل حتى ولو وقعت كل الأطراف المعنية بالتسوية مع إسرائيل صك الاستسلام الذي يسمونه سلامًا. الأمل المرتجى هو في فشل هذه المساعي ووصولها إلى طريق مسدود، الأمل المرتجى هو في صحوة هذه المنظمة وعودتها عن هذا الطريق إلى نقيضه وبزاوية مقدارها ١٨٠ درجة. الأمل المرتجى هو في تطوير مقاومة الأهل في الأرض ودعمهم بكل أسباب الصمود والتصدي الحقيقي. الأمل المرتجى هو في صحوة هذه الأمة التي بدأت بوادرها بعد الغارة الإسرائيلية على تونس. وإذا كانت المؤامرة عاجزة من القضاء على منظمة التحرير أو إيجاد تسوية بدونها فإننا نقول إن منظمة التحرير بدورها لن تستطيع أن توقع صلحًا مع اليهود ما دام في هذه الأمة أحفاد خالد بن الوليد وأبي عبيدة بن الجراح وصلاح الدين الأيوبي.