العنوان ومضات من حياة الشيخ عبد الوارث سعيد (يرحمه الله)
الكاتب د.أبو بكر أحمد السيد
تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2008
مشاهدات 52
نشر في العدد 1822
نشر في الصفحة 36
السبت 11-أكتوبر-2008
رحل عَنَّا في شهر رمضان الماضي أخ حبيب -نحسبه كذلك ولا نزكي علي الله أحدًا. من خير الناس وأنفعهم للناس، وممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وممن بارك الله في أهله وولده وعلمه وعمله، وجعله. بإذنه تعالى من الذين سعدوا.... ذلكم هو الأخ الكريم عبد الوارث مبروك سعيد.
كان يرحمه الله تعالى. من حفظة كتاب الله تعالى، وطالما سمعناه منه وهو يرتل آياته الكريمة بصوته الندي، وتجويده المتقن في جنبات مسجد جامعة الكويت بالشويخ، وهو يؤم المصلين في الصلوات المفروضة من الفجر إلى العشاء، وفي صلوات التراويح والقيام.
أعطى العديد من دروس تفسير القرآن الكريم وتجويده، وألف كتابه المشهور: «تيسير التجويد.. مع شريط تدريب»، والذي طبع منه تسع طبعات واشتهر بين دارسي التجويد لسهولته ويسره، وطريقته العملية في تعليم التجويد، وقد قام -يرحمه الله - بتدريسه في دورات عديدة.
كان بيته في سكن أساتذة جامعة الكويت في الشويخ منارة للعلم، يؤمها الأساتذة والطلاب والرجال والنساء والشباب في مجالس علم، وحلقات نقاش وديوانيات ولقاءات اجتماعية. كما كان كبار زوار الكويت من الشيوخ والعلماء الأجلاء يضيئون تلك المجالس والحلقات ويثرونها بعلمهم.
أطلق عليه بعض زملائه «دينامو العمل الإسلامي في الحرم الجامعي»؛ حيث كان المفكر والمدير والمسؤول -فترة إقامته الخصيبة بالسكن الجامعي- عن مختلف الأنشطة الإسلامية والثقافية والاجتماعية في المسجد وفي الحرم الجامعي من دروس دينية ومسابقات ولقاءات اجتماعية في الأعياد، وتنظيم حفلات الإفطار في الصيام وتجمعات التهجد والقيام.
أسهم في تأسيس لجنة التعريف بالإسلام بدولة الكويت، وعمل عضوًا بمجلس إدارتها نحو عشر سنوات من نشأتها وإلى أن غادر الكويت إلى الولايات المتحدة للتدريس بالجامعة الإسلامية الأمريكية.
عمل إمامًا وخطيبًا متطوعًا بمسجد جامعة الكويت بالشويخ، وخطيبًا متطوعًا باللغة الإنجليزية بمسجد العثمان بجوار مجلس الأمة بالكويت، ثم خطيبًا للجمعة في مساجد بالولايات المتحدة.
كانت الدعوة إلى الله تعالى شغله الشاغل.. بالعربية وبالإنجليزية.. بين العرب وكذلك أبناء الجاليات الأجنبية في الكويت وذلك في خطب الجمع والأعياد، وفي لقاءاتهم وديوانياتهم، لتعريفهم بالإسلام وشرح ممارسته عمليًا، خلقًا وسلوكًا..
وقد ترجم إلى اللغة الإنجليزية -لهذه الغاية- كتاب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية «كيف تدخل إلى الإسلام».
ولم يمنعه كبر سنه ومرضه بالقلب في سنواته الأخيرة -وهو في الولايات المتحدة- من السفر وحضور المؤتمرات وزيارة المراكز الإسلامية بالولايات المتحدة، وكندا، والدعوة إلى الله تعالى.
كان لا يتردد في إجابة من يطلب منه إلقاء خطبة أو كلمة أو درس أو موعظة باللغة العربية، أو بالإنجليزية في مسجد، أو ديوانية، أو مخيم أو جامعة أو معهد أو مركز إسلامي، ولو بعد فترة قصيرة أو في حينها، وكان متحدثًا مؤثرًا في سامعيه، يعينه على ذلك حفظه لكتاب الله تعالى، وأحاديث المصطفى ﷺ.. وطالما شهدته وتشهد له -بإذن الله- جامعة الكويت، ومخيمات اتحاد طلبة الجامعة والرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين، ومساجد الكويت وديوانيات لجنة زكاة العثمان ولجنة التعريف بالإسلام، ثم المراكز الإسلامية بالولايات المتحدة وكندا.
كان من أشد أنصار حماية اللغة العربية الفصحى وتعميمها، وأسلمة المعرفة وتعريب العلوم وأسلمتها، وألقى في ذلك محاضرات عدة، وكتب مقالات عديدة وألف كتاب «اللسان العربي: الهوية- الأزمة المخرج»، كما ترجم من الإنجليزية إلى العربية كتاب «أسلمة المعرفة» للدكتور إسماعيل الفاروقي.. وكان -رحمه الله- حريصًا على التحدث بالعربية الفصحى وتشجيع الآخرين على التحدث بها .
وقد طبع ما كان يدعو إليه من أسلمة المعرفة في منهجه التدريس في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها؛ حيث كان يعمل أستاذًا بمركز اللغات بجامعة الكويت لتدريس اللغة العربية ومشرفًا لوحدة اللغة العربية وطبق هذا المنهج في المادة التعليمية التي يقدمها للطلاب، وفي محاضراته، وفي كتابه «العربية للمسلمين الناطقين بالإنجليزية».
كان شديد الحرص على صلاة الجماعة بالمسجد، ويحث الآخرين وخاصة الشباب على ذلك، وكان عمومًا من أوائل الذاهبين إلى المسجد للصلاة، ومن أواخر من يغادرونه، فغالبًا تجد من يستوقفه يستفتيه في مسألة في الدين، أو يطلب منه عون لقضاء حاجة من حاجات الدنيا- وكان يرحمه الله- ممن يمشون مع الناس لقضاء حوائجهم وتلبية طلباتهم بأسرع ما يستطيع لو كان به خصاصة، أو يشفع لهم شفاعة حسنة.
لا تجده إلا مبتسمًا في وجهك، هاشًا باشًا، يبتدرك بالسؤال عن أخبارك وأسرتك لا يسمع بمرض أحد من إخوانه، أو معارفه، إلا بادر بزيارته والسؤال عنه.
كان وأهل بيته من أكرم الناس في ضيافة من يزورهم، وتقديم النُزُل لمن دخل دارهم من الصغار والكبار، فرادى أو جماعات، بموعد أو بغير موعد، حتى كأنك تحسب نفسك في دار للضيافة.
أحسن بفضل الله تعالى تربية أبنائه رغم مشاغله العديدة، حتى أنك تحسبهم لألئ منثورة بين أقرانهم في المجتمع.
رحم الله أبا محمد، وتقبله في الصالحين، وجمعنا وإياه مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقًا..
أقواله عن التعريب وأسلمة المعرفة.
إن التعريب في أي مجال أو مستوى يجب أن ينظر إليه على أنه توبة واجبة من الأمة بعد ردة طال مداها وتفاقمت آثارها على كل صعيد.
التعريب ليس قضية لغوية فحسب، بل هو عملية حضارية وثيقة الصلة بمقومات الفرد والأمة، وكأن التعريب والأسلمة وجهان لكيان الأمة الحضاري، يصدق ذلك على القائمين بالتعريب وعلى المادة المعرّبة أيضًا.
إن التخطيط اللغوي، وتعريب العلوم والتعليم وخاصة التعليم العالي ونصرة اللغة العربية، وإعادتها إلى مكانتها السامقة واجب شرعي وضرورة قومية لحماية هوية الأمة من هذا الانتهاك الأجنبي المستمر وإزالة التعديات اللغوية الواقعة على لغتنا.
كل من يقف في وجه التعريب يمارس لونًا من الخيانة لأمته؛ إذ يضحي بمستقبلها لعلة في نفسه، ومن يفصل التعريب عن الأسلمة يخولها أيضاً؛ إذ يضعها على طريق الغثائية والتبعية لعدوها.
المسلم الحق يغار على حرمات الله إذا انتهكت، ويغار على عرضه وكرامته وسمعته وقبيلته وعائلته ووطنه وأمته، ولكننا للأسف الشديد لا نكاد نحس بغيرة أبناء الإسلام حتى العرب منهم على لغتهم، قد يغار الواحد منهم على ديناره او در همه ولا يغار على لغته، فرفع أسعار السلع، أو تجميد العلاوات، أو فرض رسوم أو ضرائب يثير ثائرة الكثيرين، أما أن تنتهك قواعد اللغة صباح مساء، ويُستخف بها في وسائل الإعلام وتطرد بلا رحمة من مملكتها الخاصة. ساحات العلم والتعليم، فلا يحرك ذلك حمية أحد أو غيرته، بل نجد- واخجلاه- من أبناء العرب والمسلمين من يسهم في هذا بجهود «غير مشكورة» ويتباهى به.
إن الجهاد ضد هذه الغارة الشاملة بات. فرض عين على كل مسلم وعربي فالغزو قد وصل إلى عقر الدار، ولكل جهاد رجاله وخططه وأسلحته، وكل من يقعد عن هذا الجهاد ويخلد إلى الأرض فهو آثم. أما أولئك الذين يقفون مع العدو في خندق واحد يؤازرون مخططاته، ويحرسون تنفيذها. فهم لا يقلون خيانة عمن يعمل لحساب العدو أيام الحرب العسكرية، بل إن القتل الحضاري ذلًا ومسحًا وتذويبًا لأشد وأنكى من القصف بالراجمات، ودك البيوت على الرؤوس.