; المجتمع الثقافي (1170) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1170)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1995

مشاهدات 78

نشر في العدد 1170

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 10-أكتوبر-1995

  • ومضة 

كلمة «مؤتمر» في الأصل تدل على وجود أطراف عديدة تأتمر فيما بينها وتتبادل الآراء، وتتكافأ فرصهم جميعًا في العرض وفي أحقية الحوار بعيدًا عن أي مقررات سابقة يراد تسويقها وفرضها على الآخرين أو على أساس مقررات متفق عليها من قبل جميع المشاركين، ثم يأتي دور اللقاءات والمناقشات لبلورة الأفكار وتوضيح الرؤى وصولًا إلى إنضاج المشروع والاتفاق على الخطوط العريضة والأطر العامة.

هذا إذا كان المؤتمرون يحترمون بعضهم بعضًا، ويعترفون بالآخرين، ويحفلون بآرائهم وطروحاتهم، وإذا كانوا يؤمنون بالحوار وقنواته المختلفة سبيلًا لإيجاد أرضية مشتركة يتفق عليها الجميع على قدم المساواة. أما إذا كان المؤتمر وسيلة لطرح أفكار أحد الأطراف من الذين يمتلكون وسائل الإغراء، إلى جانب الإرهاب الفكري والترويج الإعلامي المفتعل مع محافظتهم على عنجهيتهم، وادعاء أن لهم حق الوصاية على الآخرين، وانطلاقا من النظرة الاستعمارية التي ورثت انغلاق الكنيسة في ادعائها احتكار الحقيقة وإيهام الناس بأن سدنتها يمتلكون وحدهم زمام المعارف والعلوم ومنعها العامة من الاقتراب من حوزتها شديدة الخصوصية، وعدم الاعتراف بما عندهم من ثقافة وأفكار قد تكون أقوى وأعمق وأكثر جدوى ومعقولية من كل ما انطوت عليه سراديبها المعتمة من فكر محمد، ومقولات ضالة حمقاء.

إذا كان هذا حال المؤتمر، فإنني أزعم أنه سيفشل، مهما أثار من زوابع إعلامية، ذلك أن الأفكار لا يمكن قسر الناس على قبولها، هذه واحدة، وأما الثانية فهي أن الاعتداء على الحرية كالاعتداء على المعتقدات يأتي بنتائج عكسية ويستفز العقل الباطن، ويصطدم بالمناعة الحضارية خاصة إذا مورس بطريقة فجة متغطرسة، شأن كثير من المؤتمرات الدولية الموجهة.


  • حضارتنا وحضارتهم

إنما تشرف الأمور بغاياتها، وما تدل عليه من آثار، وما تدعو إليه من مبادئ، وما توصل إليه من أهداف، وما تنتهي إليه من نتائج تعدل من حياة الناس، وتدلهم على الطريق الأقوم.

وباستعراض هذه الأصول والآداب والحضارات التي عرفت عند الأمم -قديمًا وحديثًا- سوف نجد الأمة الإسلامية رائدة في هذا المجال غنية في هذا الميدان، فقد ساهمت مساهمة فعالة في ترقية الحياة وسموها، ونشر مبادئ العدالة والمساواة والحرية والعلم، ولم يقف ذلك الأمر عند حدودها، ولا كان وقفًا على أبنائها وبلدانها، بل تخطى هذه الحدود، واخترق هذه البلدان إلى غيرها من طوائف الأرض وشعوبها، وظلت موجودة قرابة ألف عام أو تزيد -وما زالت- تعطي وتقدم المزيد ولو أنها تجد طريقها إلى الدول في هذا الوقت، كما كان له من قبل لكان الحال غير الحال لو أن العالم الآن يعرف خصائص هذه الحضارة فطلبها وعاش في ظلها لسعد بعد شقاء، وأمن بعد خوف، لأنها ارتكزت على مجموعة من الأصول كفيلة بأن تمد الإنسانية بما هي محتاجة إليه: ارتكزت حضارة الإسلام على المودة والتسامح مع الطوائف الأخرى، فلا إكراه في الدين، والحرية مكفولة للجميع على الرغم من أنها قامت على الدين وشادت نظمها على مبادئه، فصارت بذلك مضرب الأمثال في الإنسانية والتسامح والعدالة والمساواة والرحمة بالإنسان والحيوان، وكانت الرحمة بالحيوان أمرًا واضحًا، ومعلمًا بارزا، وشفقة لا نظيرلها في حضارة سابقة، فلم يعرف للحيوان حقوق على صاحبه عند قدماء اليونان، وشريعة اليهود، وكذلك كان الحال عند الرومان والفرس والأمم الأوروبية في العصور الوسطى.

 وارتكزت حضارة الإسلام على الجانب الخلقي العظيم في كل نظمها في الحكم والعلم، في الحرب والسلم في الاقتصاد والمال في السياسة والتشريع في البيت والأسرة، وكان ذلك كله سلوكا وتطبيقا وعملا وأدباء ولميكن ذلك من أجل منفعة أو هوى جامع الخليفة أو سلطان أوأمير.

 وارتكزت حضارة الإسلام على هذا الأصل القوي المتين، وهو العلم، وبذلك خاطبت العقل والقلب معا، وأثارت فيهما عوامل الفكر في كل ناحية من نواحي الحياة.

 وأخيرا ارتكزت على هذا الأساس الذي لا نظير له في حضارة سابقة وهو التوحيد الخالص عقيدة الوحدانية، فالله واحد لا شريك له رب العالمين خالق الناس ورازقهم، وبهذا الأساس وحدت الغاية والهدف والنتيجة أمام المسلم، وأقامت حاجزا سميكا أمام طغيان الملوك والسلاطين، والأشراف، ورجال الدين وصححت العلاقة بين الحاكمين والمحكومين فلا وثنية في الحكم، ولا ثنائية في الحقوق والواجبات، ولا امتياز لطبقة من الطبقات، وغير ذلك من الانحرافات التي كانت موجودة من قبل، والتي كانت سببا في قتل المواهب والأفكار، وحربا على العلم والتفكير.

 وأما بالنسبة لحضارة الغرب، فقد اهتمت بما يدمر حياة الإنسان وعقله وفكره حتى صاريتصرف في الأمور بعقل الصبيان الصغار، وذلك لأنها حضارة غير مؤمنة عرفت ميدان الجسم، فوفرت له كل أنواع الملذات والشهوات والمأثم ولم تعرف الطريق إلى آفاق الروح وسموها، فهبط الإنسان من سموه، وانحدر من علوه، فكان ما كان من حروب وويلات وتخريب ونكبات، وكان ما كان من اختراع الشيء وضده، فبينما تعد المعامل للدواء والشفاء، إذ بها تخترع أنواع السلاح للقتل والإفناء، وصارت أدوات الدمار الشامل تخرج من معامل الطب، كما تخرج أنواع الدواء سواء بسواء، وهذا ما جعل الإنسان الغربي في ظل حضارته يتأرجح لا يعرف الطريق إلى الطمأنينة والاستقرار والعدالة والرحمة قد اختلطت أمامه السبل.

وإليك -عزيزي القارئ- هذا الخبر دليلًا على التخبط نشرت جريدة الجمهورية القاهرية في يوم الخميس 8/8/ ۱۹۸٥م، على الصفحة الأولى تحت هذا العنوان هذه هي مساوئ الحضارة الحديثة مهندس إليكترونيات يعمل في شركة مصرية خبيرًا تضيع منه قطة أنثى سيامي لونها بني في بيج، عيونها زرقاء، فرصد مبلغ ۱۰۰۰ جنيه لمن يأتي بها، وطبع صورة القطة ووزعها حتى يتعرفوا عليها، وقد تكلف النشر مبلغ ۹۸ جنيهًا في الصحف، وسوف يظل يعيش على ذكراها، ويحتفظ بالأشياء التي كانت تلعب بها، ومنها طوق معدني للزينة، وطوق مصنوع من مواد كيماوية تقتل الحشرات التي تقترب منها، وإن ما يؤلمه أنها خرجت وهي لا تدري أنه متألم، وأخشى ما يخشاه أن تعتقد أنه تركها تمشي ولم يبحث عنها هذا ما يقلقه دائمًا، ونشر الخبر مرة أخرى في جريدة «الأهرام» بتاريخ 2/8/1985م.

نقول لصاحب القطة ليت عندكم -أنت وقومك- عشر معشار هذا الوجد والحزن، والوله على ما ينزل بالناس في البوسنة والهرسك وغيرها، هلا نصحتم قومكم حتى يعدلوا عن هذه السياسة التي يعاملون بها الشعوب الأخرى، فحظيت بما تحظى به القطط والكلاب من عطف ورحمة.

فأين هذا مما هو عندنا في حضارتنا؟!


الشاعر الناقد الكبير الدكتور جابر قميحة في حواره مع «المجتمع»: إسلامية «المبدع» شرط وسمة لإسلامية «الأدب»

    الأدب الإسلامي هو أدب الفطرة السوية التي تحمل الخلاص للنفوس المعذبة

    النقاد العلمانيون يحاولون دائمًا أن يحطموا مرجعية المنظور النقدي الإسلامي

    لابد من قراءة واعية لأدبنا الإسلامي من ناحية الكيف وقراءة شاملة من ناحية «الكم»


    الشاعر الناقد الكبير الدكتور جابر قميحة، واحد من أهم الأصوات المتفردة إبداعًا، المتوازنة نقدًا، على طريق الأدب الإسلامي، له قرابة العشرين كتابًا، ما بين دراسة نقدية ودعوية وإبداع شعري، يأتي على رأسها «الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف»، و«منهج العقاد في التراجم الأدبية».

    والدكتور «قميحة» من مواليد مدينة المنزلة بمحافظة الدقهلية بمصر عام ١٩٣٤م، وهو حاصل على الدكتوراه في الأدب الحديث من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، والماجستير في الشريعة والقانون من كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وقد عمل أستاذًا للأدب بجامعات عين شمس، و «يل Yale» بأمريكا، والجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد بباكستان، ويعمل حاليًا أستاذًا بجامعة الملك فهد بالظهران بالسعودية يمتاز محاورنا بأنه يحتفظ لنفسه دائمًا بحيوية خاصة تسهم إلى حد كبير في عملية «الحراك» الأدبي على الساحة الإسلامية. 

    وهو بين الأدب والقانون، يرى أن علم الهندسة العقلية في القانون ينساح على الأدب فيما يتعلق بالتقنين، والتنظير، والأصالة، والخصوصية.

    يرى البعض أن الأدب الإسلامي في جانبه الإبداعي غير مواكب -بصورة إجمالية- للمد الإسلامي المعاصر، وذلك باستثناء الشعر، وإلا فأين هي الفنون الأدبية الأخرى من وجهة نظر الناقد والمبدع المعايش؟

    للأسف هذا الرأي منتشر على نطاق واسع، وأغلب الذين ينشرون هذا الرأي ويروجون له، لم يقرؤوا الأدب الإسلامي قراءة واعية من ناحية الكيف، وقراءة شاملة من ناحية الكم، حتى إنني سألت أحدهم مرة كم كتابًا قرأت لنجيب الكيلاني فقال: قرأت له ثلاثة كتب ومجموعة قصصية، فقلت: هل قرأت شعره؟ فأجاب بالنفي، وعلت علامات الاستفهام وجهه حين أخبرته أن للكيلاني ستة دواوين وطرحت عليه أسئلة مشابهة بالنسبة لعمر بهاء الدين الأميري، ولم يصدقني عندما أخبرته أن للأميري ما يزيد على الأربعين ديوانًا، وأن كتب نجيب الكيلاني تقترب من المئة.

    وأعود إلى تكملة الإجابة فأقول: إن النهوض الإسلامي ذو خطوط ثلاثة، وخصوصًا في الربع الأخير من هذا القرن الخط الفكري، والخط الجهادي، والخط الأدبي، أما الخط الفكري: فنراه في حركة فقهية علمية ناهضة مثمرة جعلت من الكتاب الإسلامي أكثر الكتب توزيعا واستيعابا واعتزازا، وهذا بإقرار أصحاب دور النشر وهذه النوعية من الكتب قد ضربت الكتب الأيديولوجية المستوردة من شيوعية وعلمانية وإلحادية وإفسادية، فهي صحوة فكرية حقيقية أنتجت وتنتج ثمارها اليانعة لا في الجانب العلمي الثقافي فقط، ولكن في الجانب السلوكي بصورة ظاهرة خاصة في الشباب، وهذا مما يطمئننا ويسعدنا، فالشباب هم القوة الحقيقية الناضرة في شجرة الأمة.

     أما الخط الجهادي، فإنه يتمثل في الانتفاضة الطفولية والشبابية في فلسطين التي تمثلت في الحجر القدسي وفي بيع النفس لله في حركات وعمليات استشهادية يسميها الآخرون خطأ عمليات انتحارية، والإسلام كما نعرف لا يعرف الانتحار، وكذلك ما نراه من حركات جهادية في الفلبين، وكشمير، والبوسنة، وأريتريا، والسودان والشيشان، وغيرها.

     أما الخط الأدبي، فيتمثل في الإنتاج الغزير جاء المتواصل بلا انقطاع من أعضاء رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وإسلاميين من غير أعضاء الرابطة من شعر وقصص وروايات ودراسات نقدية تنظيرية.

     وقد يعجب القارئ أن واحدا من رواد الأدب الإسلامي هو د. نجيب الكيلاني- -كما سبق- وأشرنا- تقترب كتبه الإبداعية والتنظيرية من المئة، ومثل ذلك الأميري وهناك من شعراء الشباب من يفوقون كثيرا من المشاهير سرقوا الأضواء ووسائل الإعلام، ولو أن الإسلاميين من الشعراء والأدباء- وأنت منهم- حظوا بواحد من مائة من هذه الأضواء، لأصيب الآخرين بالذهول من كثرة الإنتاج، وعلو شأنه وفنيته.

    والخلاصة أن هذه الخطوط الثلاثة لهذا النهوض الإسلامي تمشي متسقة متقاربة، ولكن العيب ليس عيبنا إنما هو عيب الذين يقرءون، ويحكمون وهم مغمضو الأعين عمى أو تعاميًا.

    الغياب وشبه الغياب

    • من هذا المنطلق، لماذا إذن نلاحظ الغياب الكامل، وشبه الغياب لبعض الفنون الأدبية عن ساحة الأدب الإسلامي، كالملحمة على سبيل المثال؟ 
    • ليس من الضروري أن يضرب الأدب الإسلامي في كل الأجناس الأدبية، ولا يطلب هذا من أي أدب في العالم المهم أن يكون المبدع من هذا الأدب ناضجًا مكتملًا، وإلا يكون فجًا طريًا، ولكن أنا معك فعلًا في أن أدبنا تنقصه الملحمة بصورتها القديرة السوية، ولكم حزنت حين قرأت أن أكبر أمنيات المرحوم نجيب الكيلاني كانت في أن يرى هذا الفن الكبير في أدبنا، وأنه كان يعد في أخريات أيامه الكتابة رواية ملحمية طويلة عن الإمام الشهيد حسن البناء وللعلم فهذه من أسمى أمنياتي أنا أيضًا، أن أعد ملحمة شعرية عن حياة الإمام الشهيد المعلم، ولكن الأمل لم ولن ينقطع من أجيال الأدباء الإسلاميين على الطريق والبركة فيكم.
    • وبماذا يعلل الناقد الكبير د. جابر قميحة اعتمادية المذاهب الأدبية الوافدة وركائزها، كأدوات نقدية، ومرتكزات إبداعية للأدب الإسلامي، ومتى ستخلص للناقد المسلم أدواته النقدية الإسلامية؟
    • أستطيع أن أركز الإجابة في نقاط محددة:

     أنه فيما يتعلق بالأدب الإسلامي تنظيريًا وإبداعيًا، فإن نخاعه يجب أن ينطلق من التصور الإسلامي الصحيح، وأن يرتبط بالنظم الأخلاقية الإسلامية، بمعنى أن النقد مثلًا يجب أن يتصف بالإنصاف والاعتدال وصدق الاستقراء وصدق الأحكام بعيدًا عن التحيز والكراهية أو العداوة والمجاملة، فالحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بهاء، لكن عندما تنطلق كناقد، هذا الانطلاق في التعامل مع النصوص الإبداعية، يأتي شخص ليقول لك: إن «لينين» يقول: إن الأدب يجب أن يكون انعكاساً للأيديولوجية الاشتراكية خادمًا أهداف الحزب، ومع الاختلاف الواضح جدًا بين «الإطلاق»، و «الحرية المسئولة» في الأدب الإسلامي، وبين «سلاسل» و«أغلال» لينين، إلا أن محترفي الشبهات يقولون لك: إن هذه منطلقات نقدية اشتراكية مثلًا! يستخدمها الناقد والأديب المسلم، هذه كمثال نخلص من ذلك أن الإنسان المتعسف سيحاول دائمًا بما يكنه في صدره من إحن، أن يرجع «عطاءات» الإسلام إلى مقولات غير إسلامية، قد تتلاقى جزئيًا مع كمال التصور الإسلامي في القليل أو بعض القليل. 

    وإذا قلت إن الأدب الإسلامي يجب أن يعتز بالنفس الإنسانية وقيمها وأبعادها ...إلخ، يأتي لك شخص ويقول: هذا هو جوهر المذهب الوجودي هؤلاء يا سيدي يحاولون دائمًا أن يحطموا مرجعية المنظور النقدي الإسلامي وللأسف فإن كثيرًا من القراء يصدق قول هؤلاء «الكذبة» وذلك لأنهم لا يقرءون.

    مذهبية الأدب أم الأديب؟

    ومن هذا السياق مذهبية الأدب الإسلامي هل هي مذهبية الأديب المبدع؟ أم مذهبية الأدب والإبداع بمعنى هل هي إسلامية الموضوع أم إسلامية صاحبه؟

    • أشكرك على هذا السؤال لأنك ستتيح لي الفرصة التصحيح خطأ أشيع عن أستاذنا الكبير محمد قطب، ويجب أن نفصل هنا بعض الشيء.

     إذا كنت أمام نص، ورأيت أن هذا النص فيه مضامين إسلامية، وقيم إسلامية، وإنني أقول: إن هذا النص ينضوي تحت مفهوم الأدب الإسلامي، ولكني أشترط لكي أصفه بأنه أدب إسلامي أن يكون مبدعة مسلما، لأن إسلامية المبدع إنما هي شرط وسمة الإسلامية الأدب، وليس هناك مشكلة فيما يتعلق بالأديب المسلم، لكن تأتي الإشكالية عندما يكون المبدع غير مسلم، أقول هذا أدبا موافقا، أو أدب «مساير»، أو أي شيء من هذا القبيل، حتى فيما يتعلق بالمبدع، أنا أرى أنه لا يجب أن نطلق لفظ أديب إسلامي على مبدع ما من أجل قصيدة أو بعض القصائد، أو رواية أو مسرحية أو غير ذلك من نثار إبداعي، بل يجب أن نحفظ لهذا المصطلح عظمته وشموخه وجلاله فلا نطلقه إلا على من غلبت الإسلامية على إبداعه، فنونيات أبي نواس وزهرياته، وروحانيات أبي العتاهية إلى بعض إيمانيات هذا أو ذاك لا تجعل منه أديبا إسلاميا، في حين أن الأميري وباكثير والكيلاني، أدباء إسلاميون، واعتقد أن هذا لا يتوفر بالصورة المنشودة إلا في أعضاء رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

    ومن شدة حرصي على جلال هذا المصطلح الأديب الإسلامي، اقترحت منذ ثلاثة أعوام في مؤتمر الرابطة في إسطنبول ألا نطلق هذا المصطلح على الشخص إلا بعد وفاته، لأن المعاصرة حجاب، فقد يغير الأديب مصطلحاته وأدواته الفنية والإبداعية بما يتعارض والإسلام.

    خطأ شائع!

    لكن المفكر الكبير الأستاذ محمد قطب يرى غير ذلك، حيث ينظر إلى إسلامية الموضوع كأساس لاعتمادية هذا الأدب ضمن واحة الأدب الإسلامي، بصرف النظر عن مبدعه؟

     في الواقع هذه «أغلوطة» وقع فيها الكثيرون، ومحمد قطب لم يقل إن الأدب يكون إسلاميا حتى لو كان مبدعه غير مسلم، بل قال بالحرف الواحد: إن المسلم وحده هو الذي تتسع نفسه للتصور الإسلامي الكامل، لأن هذا التصور هو المقتضى الطبيعي المباشر لحقيقة إسلامية، ثم قال: ومع ذلك فإن التصور الفني الإسلامي للكون والحياة والإنسان هو تصور كوني إنساني مفتوح للبشرية كلها لأنه يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان، ومن ثم يستطيع أي إنسان أن يتجاوب مع هذا التصور، ويتلقى الحياة من خلاله بمقدار ما تطيق نفسه هذا التلقي وهذا التجاوب فيلتقي مع الفن الإسلامي بذلك المقدار، ومع ذلك لم نقصر النماذج التي أخذناها من «بواكير» الأدب الإسلامي على المسلمين من الفنانين، بل أخذنا إلى جانبها نماذج من فنانين غير مسلمين، لأنها تلتقي جزئيا -على الأقل- مع التصور الإسلامي، وتصلح بذلك أن تسير مع المنهج الإسلامي في هذه الحدود.

     وهل يحتاج هذا البيان إلى توضيح فالنماذج التي ساقها محمد قطب «لطاغور»، و «سينج»، في روحها العامة تلتقي مع الأدب الإسلامي، ولكنها ليست هو، فهذا أدب موافق، أو «أدب مساير» أو أي شيء من هذا القبيل.

    ولكن من أين جاء هذا الالتباس؟ 

    جاء هذا الالتباس على ما أعتقد من تنظيم الكتاب -منهج الفن الإسلامي- فهناك عنوان في هذا الكتاب يقول: نماذج من الأدب «الإسلامي»، هذا الإيجاز في العنوان هو الذي أوقع في اللبس، لذلك أمل أن ينبه أستاذنا الكبير العظيم محمد قطب لهذا، وأن يكون في هذا الكتاب عنوانان هما: «نماذج من الأدب الإسلامي»، و«نماذج من الأدب الموافق» أو الموائم، خصوصًا أنه شرح ذلك بصورة واضحة قبل إيراده للنماذج التي ساقها، ومع ذلك نرى أن بعض النقاد مثل عبد الله الحامد ومرزوق بن تمباك يعترضون على أستاذنا محمد قطب لأنه أورد هذه النماذج ونسوا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان معجبًا بشاعر غير إسلامي هو أمية بن أبي الصلت، وكان يستنشد من يحفظون شعره، وهناك معلومة يجهلها الكثيرون، وهي أن «أمية ابن أبي الصلت» قد هجا النبي -صلى اللّه عليه وسلم- بعد غزوة بدر، بقصيدة طويلة، ومع ذلك لم ينقطع النبي -صلى الله عليه وسلم- عن إعجابه بشعره واستماعه إليه، وبذلك ضرب الرسول الله المثل لنا لكي تتسع صدورنا لإبداعات الآخرين الطيبة، ولو كانوا غير مسلمين، «فالحكمة ضالة المؤمن» ونذكر هنا إن «من البيان لسحرًا» وإن من الشعر لحكمة ولي اجتهاد متواضع في هذا الحديث:

    رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحديث قد وضع لنا أساسي الأدب الإسلامي وهما؟

    البيان: ويدلنا على صدق العاطفة أو قوة الجذب.

    والحكمة: وتدلنا على سمو الفكرة أو قوة الإقناع. 

    ولذلك فالأدب الإسلامي هو أدب الفطرة التي تحمل الخلاص للنفوس المعذبة.

    کن حرًا ولا تكن مخربًا

    وهل لديكم تحفظات -كناقد متخصص- فيما يخص الأشكال أو القوالب الإبداعية؟

    فيما يتعلق بالأشكال أو القوالب، نقول لكل أديب كن حرًا، ولا تكن مخربًا، بمعنى أنت حر في اختيار أي شكل أو قالب أو معمار فني ما، ولكن بشرط ألا تنهج نهجًا مخربًا مثلًا كقصيدة النثر التي يقول بها البعض، أو ما يصيغه بعض أدباء الحداثة من هدم، لا أقول للشعر العربي والإسلامي، ولكن للغة العربية والمفاهيم الإسلامية من أساسها.

    أشرتم منذ قليل إلى أن هناك فارقًا بين أديب رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وبين الأديب الإسلامي من غير أعضاء الرابطة، ما معنى ذلك؟ الفرق في الدرجة، وليس في النوع، فهو في الرابطة وفي غيرها أديب إسلامي، لكنه في الرابطة يوقع على عقد فعلي، أن يكون ملتزمًا بالإسلام في إبداعه وسلوكه مع المجتمع والأفراد، بحيث يكون صورة مكثفة مجسدة للأدب الإسلامي أما الأديب المسلم من خارج الرابطة، فقد يلتزم وقد لا يلتزم لنا الظاهر وعلى الله السرائر، لنفرض أن هناك ناديًا رياضيًا، ونحن أمام عضو مشترك في النادي وشخص من غير أبناء النادي يشجعه ويساهم في بعض ألعابه، فعضو النادي ملتزم كليًا وجزئيًا، بكل أهداف وقوانين ولوائح النادي ونظمه، أما المشجع، فليس له ذلك، وليس عليه ذلك، إلا أن يلزم نفسه ويكون مشكورًا مقدورًا على ذلك.

    لكم معركة أدبية شهيرة مع الأديب خليفة التليسي، حول فكرة قصيدة البيت الواحد التي نادى بها التليسي، على الرغم من أنكم من أشد أنصار القصيدة «التلغرافية» القصيرة، ما الفرق إذن بين قصيدة البيت الواحد، والقصيدة الخاطفة، کأشعار أحمد مطر على سبيل المثال؟

    القصيدة التلغرافية التي يكتبها أحمد مطر ومن في مستواه، تعد طابعًا جديدًا جذابًا في أدبنا، وبخصوص أحمد مطر أقول: إنه صاحب القصيدة «الصاعقة»، فكما تهوي الصاعقة على غير توقع أو انتظار، نرى قصائد أحمد مطر صاعقة ذات ضربة قاضية، تفاجئك في النهاية بحكم «جبار»، هذا الحكم يشبع القارئ، فيمتلئ به، ويوقن أن نفسه لم تعد تتقبل شيئًا بعده، غير أنني أرى أن لونًا جديدًا قد أضيف إلى الشعر العربي، نستطيع أن نسميه كما قلت بالقصيدة الصاعقة، ومن ميزاته أيضًا، البداية الهادئة ثم التصعيد بسرعة يلهث معها القارئ، ثم اللحظة «القرار» الحاسمة التي تأتي على توقع أو انتظار، ولا يعيب أحمد مطر، إلا أنه غير منتشر، وهذا ليس عيبًا «ذاتيًا»، في مستوى شعره ومنحاه، ولكنه عيب «غيري»!

    وهذا النوع من الشعر «اللاطم» يختلف تمامًا عما سماه «التليسي» بقصيدة البيت الواحد، لأن الشعر العربي ليس فيه ما يسمى بهذا الاسم أو يحمل هذا المفهوم الذي قصده التليسي، ولقد رددت عليه باستفاضة في كتاب الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن هذه التسمية ليس لها فائدة علمية، وإلا فإنني أسأل؟ لماذا لا يسمى البيت بيت حكمة «مكثفة»، أو بيت مثل «سائر»، أو بيت وصف «دقيق»، أو غزل مفعم، أو غير ذلك من المسميات، إلى جانب أن هذا يسقط الصورة الكلية، أو الوحدة الموضوعية من أدبنا العربي، والأمر ليس كذلك، كما يزعم صاحب هذا الرأي.

    نحن مع التجديد في اللفظ والوصف والاشتقاقات والإسقاطات القوية في براعة متكاملة، ونحن مع المحاورة والمناورة في التلوين والتصوير، ولكن لسنا مع التجديد من أجل التجديد، بمعني «القفز في الهواء».

    خصوصية وتهافت

    قصيدة البيت الواحد تختلف عن القصيدة الصاعقة التي يمثلها أحمد مطر

    لماذا لا يزال البعض «يتعاصر» باستخدامه المفردات النقدية المستوردة، كالحداثة والبنيوية وغيرها، في حين أن الحاجة ماسة إلى خصوصية النظرية النقدية في أدبنا الإسلامي؟

    نحن للأسف الشديد نعتنق ما يلقي به الغرب في صناديق «القمامة»، فالحداثة، والبنيوية، والتفكيكية، بدأ الغرب يتخلى عن كل ذلك إلى منظورات جديدة، ونحن نرفض أن ننفض الغبار عما ألقى به الغرب في صندوق القمامة الأدبية، وهذا مقصود لذاته لشدنا إلى معارك جانبيه، وصرفنا عن تميزنا الخاص إبداعًا ونقدًا، تصورًا واعتقادًا. 

    أخذنا الحوار معكم كناقد بعيدًا عن «دوحة الشعر»، وأنتم أحد فرسانه، فما هي آخر إبداعاتكم الشعرية؟

    كما سبق وأشرت أتمنى لو أكتب «ملحمة» شعرية عن الإمام الشهيد حسن البنا، كما أنني أكتب قصيدة انطلق فيها من الأنشودة الطفولية الشعبية المصرية و«الثعلب فات فات.. وفي ديله سبع لفات»، أكتب قصيدة بعنوان «أغنية طفولية» يقول مطلعها: الثعلب قد مر وفات

    في ذيل الثعلب «عرفات»

    أعرض فيها للواقع المرير المسألة السلام المزعوم، كما أنني قد انتهيت تقريبًا من دراسة نقدية بعنوان: «إلا القصة يا مولاي» أتناول فيها المجموعة القصصية الهابطة الخاطئة المتهافتة للعقيد «القذافي» وكذلك انتهيت من كتابة قصيدة طويلة «٩٢ بيتًا» بعنوان إلى بطرس الرخيص منها:

    يا بطرس «الغالي» رخصت وهنت في عين الوجود

    مالي أرى ميزان هيئتك الوقور به همود 

    خلل ثوى في كفتيه فصار -من خلل- قعيد 

    فالظلم عدل إن تشأ والعدل ظلم إذ تريد 

    فإذا وعدت فلا وفاء بالعهود وبالوعود 

    أو ما ترى للص أصبح مالكّا فيها يسود؟ 

    أما الديار فصحبها طرداء منها كالعبيد 

    أين المبادئ والمواثق يابن بطرسهاء العتيد؟ 

    أغدًا الضمير العالمي بعهدك الزاهي، فقيد؟ 

    فغدت دماء المسلمين البوسن، كالماء الزهيد 

    وكذاك أعراض العذارى المسلمات «سدی» بدید 

    قل يا نصير «الصرب» في العدوان والدنيا شهود 

    لكن مثلك لا يُعاتب حين يبدي أو يُعيد 

    فلكم بتاريخ الكنانة، أسطر عوراء سود

    والعرق دساس، ومن يشبه أباه فلا جحود.

    الرابط المختصر :

    موضوعات متعلقة

    مشاهدة الكل

    نشر في العدد 2

    1639

    الثلاثاء 24-مارس-1970

    حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

    نشر في العدد 1

    1417

    الثلاثاء 17-مارس-1970

    مع القراء

    نشر في العدد 2

    1441

    الثلاثاء 24-مارس-1970

    مع القراء 1