; ويلك آمن | مجلة المجتمع

العنوان ويلك آمن

الكاتب عبدالقدوس أبو صالح

تاريخ النشر الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

مشاهدات 70

نشر في العدد 892

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 22-نوفمبر-1988

كان زميلي على مقاعد الدراسة في كلية الآداب، وكان عربيًّا تنوخيًّا صريح النسب، وكان مع ذلك نصرانيًّا على دين آبائه المقيمين في جبل العرب منذ عدة قرون. وكان يعجب الناس بشمائله التي فطر عليها دون تكلف أو تصنع. فهو أبيُّ النفس، شديد العنفوان، سريع الجموح إذا تراءى له ما يمس كرامته، وهو في عذوبة الماء ورقة الهواء إذا أنس إلى محدثه. وكان صريحًا صادق اللهجة متفتح الذهن، لا يتعصب لرأيه، ولا يصانع فيه.

وكان قد أوتي سليقة عربية وذوقًا سليمًا... وكان دائمًا مفتونًا بالشعر الرائع والبيان الرفيع... ولقد كان القرآن يسحره بإعجازه فتراه يستمع إليه مأخوذًا به وينصت إليه إنصاتًا عجيبًا.

ولقد جاءني مرة مندفعًا بحماسة بالغة لينقل إليَّ عبارة وقع عليها للناقد الفرنسي «برينتيير» إذ لقي فيها صدى لما يعتمل في نفسه دون أن يصرح به، ولا سيما أن صاحب العبارة يدين بدينه، وهو بعد ناقد غربي لم يعرف القرآن، ولم يتذوق بيانه، ولم يلمس إعجازه، وكانت كلمة الناقد الفرنسي تقول: «إن كلامًا يحفظ كما جاء على مدى هذه القرون، وتقدسه الملايين من الناس على مدى الأجيال لا يمكن أن يكون من صنع البشر».

وجاءني هذا الزميل الشغوف بإعجاز القرآن راغبًا أن يسمع من صديق لي ندي الصوت، حسن الترتيل ما تيسر من كتاب الله تعالى. وقد أذعن الصديق إلى رغبة الضيف، فمضى يقرأ من سورة الكهف حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (الكهف: 60) ثم تابع ترتيل الآيات إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 82).

وكان زميلنا مستغرقًا في الإنصات على عادته وكنت أحس أنه مأخوذ بما يسمع، وقد فعلت به هذه الآيات فعل السحر الحلال، وكان وجهة مرآة تعكس ما يصطرع في نفسه من مشاعر عاصفة، ثم إذا به يصيح فجأة قاطعًا على القارئ تلاوته: «والله ما هذا بكلام بشر، وإنما هو كلام الله المعجز» ولم أملك نفسي أمام ما سمعت من الشاب النصراني إلا أن أقول له وأنا أهز كتفيه بعنف: «ويلك آمن».

وفجأة أيضًا رأيت حجب الزمان تنداح في مخيلتي لأرى مشهدًا قريبًا مما أرى وأسمع، مشهد الوليد بن المغيرة وقد سمع من القرآن ما سمع، فأخذ به وبُهر، وعاد إلى نادي قومه بغير الوجه الذي ذهب به ليقول لهم: «والله ما منكم يا معشر قريش رجل أعلم مني بالشعر ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن... والله ما يشبه الذي يقوله محمد شيئًا من هذا! والله إن لقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى عليه».

ثم رأيتني ذاكرًا إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد سمع أن أخته صبأت مع زوجها، فذهب إليهما، واقتحم عليهما الباب، فشج أخته وبطش بزوجها... ثم أخذ الصحيفة وفيها سورة طه، فما قرأ صدرًا منها حتى قال: «ما أحسن هذا الكلام وأكرمه» ثم أسرع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعلن إسلامه.

وتمنيت- أمام ما شهدته من تأثير القرآن على  هذا الشاب النصراني وافتتنانه به- لو أن المسلمين يقبلون على هذا القرآن بعد أن اتخذه بعضهم ظهريًّا، ويحسنون قراءته وتدبر آياته بعد أن اتخذه بعضهم وسيلة تطرب لها الآذان... ولا يتأثر بها الجنان.

وما أروع ما قاله الإمام الغزالي في صفة السلف الصالح:

«كانوا يتلون القرآن حق تلاوته: تلاوة يشترك فيها اللسان والعقل والقلب! فحظ اللسان: تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل: تدبر المعاني، وحظ القلب: الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار، فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ».

الرابط المختصر :