العنوان يا أخي أناديك أم أناجيك؟ (1)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1340
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 02-مارس-1999
لماذا نادى الإسلام بالأخوة العامة؟ بين للناس حقيقة تلك الوشيجة البشرية وهي أنهم من أصل واحد، أب واحد، وأم واحدة فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، وكأن الجاهلية العالمية في غفوتها وفسادها تسمع هذا النداء لأول مرة، لأنها كانت لا تعيشه ولا تحسه ولا تتعامل به، وإنما كانت تتعامل بحقائق جاهلية، حقائق السادة والعبيد، والأجناس والقبائل والألوان، وما تعاملت بحقيقة الأخوة إلا في ظل الإسلام، واليوم رجعت تلك البشرية إلى ما كانت عليه، فهل يستطيع إنسان مهما أوتي من روح قوية، وعزمة فتية أن يرودها بدون إيمان، أو يصلحها بغير عقيدة؟ لا.. لن يستطيع ذلك إلا أصحاب الإيمان ورجاله، فهل يسمع لهم ويستعان بهم لتسمع البشرية اللفظ «الحبيب» مرة أخرى؟.
ولقد ناديت في الناس قبل 25 عامًا بهذا المقال الذي كان باكورة كتابتي، وهاأنذا أنشره مرة أخرى لعل روح العداء والاستئصال التي في ديارنا تسمع النداء قبل أن نوجهه إلى غيرنا، وإذا لم تسمع فعهد الله أننا سائرون منادون: يا أخي، يا أخي.
يا أخي.. وذلك هو اللفظ الحبيب الذي ضاع في دنيا الناس، فسلبت الأمن، وحرمت الحب، وعدمت الوحدة.
يا أخي.. والسماء ملبدة بالغيوم، والليل حالك السواد، والعواصف تقتلع الحبال، والأعاصير تدمر كل شيء.
يا أخي.. في بحور اليأس، وقيود الهوان، وذلة الأسر، وضياع العزيمة، وخور الهمة.
يا أخي.. في ضياع الطريق.. وتنكب الصراط، ووعورة الوجهة، وتكاثر الأشواك.
يا أخي.. في ذهاب البصر، وانعدام البصيرة، وفقدان الضوء، وحلوكة المكان.
يا أخي.. في ثورة البراكين، وغضب الطوفان، وتحطم السفن، وبعد الشاطئ.
يا أخي.. في تخلي الناصح، وترك الدليل، وتسرب الأمل، وحلول اليأس.
يا أخي.. في رعود الخوف، ولهيب الألم، وحقد الغشوم، وزفير الحميم.
يا أخي.. تأخت القتلة، وتعانقت قلوبهم، وتشابكت سواعدهم، وتجمع الباطل وتأزر، وتماسكت لبناته، وتساندت قوى البهتان، وتلاحمت خلاياه، وتراصت أسلحة العدوان، وتوحدت وجهتها، وأنت أين؟! أين كنت أنت؟!
أناديك أم أناجيك إن كنت نائمًا فتحرك واستيقظ.. إن كنت لاهيًا فأقلع، إن كنت عابثًا فارعو، إن كنت هازلًا فجد، إن كنت مخدوعًا فأعقل، إن كنت أعمى فأبصر، إن كنت جاهلًا فتعلم، إن كنت مريضًا فاستشف، لا تحب المرض، ولا تصادق العلة، ولا تدمن الهزال، ولا تستكن للضعف.
تحرك، فقد سار الجماد، وتقدم الواقف، ودار الزمان، وكرت الأعوام.
يا أخي.. استنسر البغاث، واستوطن الطريد، وعز الذليل، وشمخ المهان.
يا أخي.. نكس العلم، وقطع الساعد، وبكي الرضيع، وأجهش الكبير، وناحت المرأة.
وأخذت الدار، وهدم المنزل، ونهب المال، وهتك العرض، وضاع الشرف، وديست الحرية.
يا أخي.. السماء تناديك، والتراب يناجيك، والأطياف تناشدك، والشهداء يستنهضونك.
يا أخي.. بح الداعي، وغاب الصباح، وتنازعتك المذاهب.
يا أخي.. تذكر أنك وارث مجد، ومؤسس تاريخ، وباني حضارة، ورسول إلى العالم، وبيدك إكسير الحياة، فنح الغبار عن معدنك الصافي، وجنب اليأس نفسك الشامخة، وأبعد الوهن عن صدرك السليم، وأخرج الظلمة من قلبك الواعي، وألق الخبث عن زندك الأصيل، وصل روحك بالسماء، فجدد إيمانك، وعاهد ربك، وتلاق مع رسولك، وصل نفسك بركب الإيمان، وقافلة النور ومواكب المجد، وسر في الطريق المستقيم، ولا تتنكب الجادة، واسمع ذلك النداء الحبيب:
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153).
﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 161).
فأصلح بالك بالإيمان، وأنر طريقك بالحق:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (محمد: 2).
شدد أزرك كمسلم بأخوة الإسلام، فأخوة العقيدة أكبر من الأيام، وأقوى من الزلازل والرعود، لا تنفصم عراها، ولا تمور أواصرها، تبنى على عقيدة، وتشاد على مبدأ، وتقام على هدف، الحب مادتها، والخلق معدنها، والنقاء جوهرها، والإرادة الإلهية رباطها، قال تعالى: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ (آل عمران: 103).
إن تدابرت الدنيا تعانقنا، وإن تباغض الناس تصادقنا، وإن تقاتل الناس تناصرنا، وإن تقاطع الناس تواصلنا، وإن تجاشع الناس تأثرنا.
قلوبنا متعانقة، وأيدينا متصافحة، ودماؤنا متكافئة، سلوا التاريخ عنا: من حقن الدماء؟! من وحد الشتات؟! من محا الظلمات؟! من أذهب العصبية؟! من أنهض الهمم؟! من كون الأمم؟! من طبق الإسلام ؟! من نشر السلام؟! من حرر العبيد؟! من أحيا الموعودة؟!.. هم رجال الإيمان يا أخي وأصحاب العقائد، وأسد الله، لا أصحاب الإثم، وقتلة البشرية، ومصاصو الدماء.
إن الشعار الكاذب لا يغني عن الحقيقة الناصعة، والسراب اللامع لا يروي من ظمأ، ولا يشفي من غصة، وإن الذئاب لا تعرف العطف، والثعالب الماكرة لا تعرف الصفاء.
انظر إلى المدنية كيف وارت التراب مليونًا ونصفًا من الجزائريين؟! لا ذنب لهم إلا طلب الحق في بلادهم، وشردت وطردت شعبًا بأسره من بلاده، وأخرجت أمة بأكملها من فلسطين، وتركتها في العراء.. نهبًا للجوع والمرض والآفات، وترمي بملايين الأطنان من القنابل والنابالم على البشرية في كل مكان، لتذبح الشيخ، وتقتل الرضيع، وتشرد الأم، وتهلك الحرث والنسل، وقبل ذلك في الحرب العالمية أزهقت أرواح قرابة العشرين مليونًا من البشر، وضربت المدن، وأذلت الشعوب، ولا يعلم إلا الله ما سيصيب البشرية بعد تلك الأسلحة الرهيبة، والتي تعد كل يوم لتلك البشرية النكدة، والإنسانية المعذبة، التي لها سوء الطالع أن يكون مصيرها في يد هؤلاء المناكيد تجار الحروب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل