; يا من تسعون لشيوع الانهيار القيمي والأخلاقي: أنتم أول من يصطلي بناره | مجلة المجتمع

العنوان يا من تسعون لشيوع الانهيار القيمي والأخلاقي: أنتم أول من يصطلي بناره

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006

مشاهدات 56

نشر في العدد 1733

نشر في الصفحة 28

السبت 30-ديسمبر-2006

  • أيها الساعون لتغيير مناهج الأمة النابع من كتاب الله وسنة رسوله.. انتظروا رعبًا يلقيه الله في قلوبكم.. وفقرًا لم تكونوا تتوقعونه.. وإذلال المستعمر لكم
  • يا هؤلاء.. يمكنكم تدارك البقية من عمركم بإصلاح ما دمرتموه وإفساح الطريق أمام المصلحين الصادقين

لقد خلق الله الإنسان لمهمة كبيرة، ورسالة عظيمة في هذه الأرض لبابها، وجوهرها العبودية لله، والمتمثلة في عمارة الأرض وفق منهج الله ودعوة النائمين والغافلين والكسالى إلى المشاركة في عمارة هذه الأرض ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم الوقوف في وجه المخربين، والظالمين حتى لا تتحول الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذريات: 56)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (سورة الأنعام: 165)، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(سورة النحل: 125): وقال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (سورة الفرقان: 52).

وحتى يتمكن الإنسان من أداء رسالته على الوجه الأكمل خلال الفترة الزمنية الممنوحة له على ظهر هذه الأرض، خلق الله له هذا الكون الفسيح، أرضه، وسماءه وما بينهما، وجعله مسخرًا منقادًا له، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (سورة النحل: 12: 16)، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الجاثية: 13).

وحتى يبقى هذا الكون على حاله من التسخير والانقياد فعلى الإنسان أن يحسن صلته بخالق هذا الكون، ومسخره، فلا يضل ولا ينحرف عن طريق الله، ولا يدعو غيره كذلك إلى الضلالة والانحراف عن طريق الله، بل يظل مؤمنًا متيقنًا بوحدانية الله وكمالاته، مراقبًا له، يفعل ما يرضيه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، ويترك ما لا يرضيه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، ويدعو غيره، ویرشده، بل يأخذ بيده إلى مثل ما هو عليه وفيه من صلة حسنة قوية بالله عز وجل ويحرص على التوبة هو وغيره، وسرعة الرجوع إلى الله عز وجل إن هو ضل الطريق، أو انحرف، وسيقبله الله إن كان صادقًا مخلصًا في هذه التوبة.

وفي القرآن سير أولئك القدوة: الأنبياء والمرسلون كنوح وهود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم، ولوط، وموسى، وهارون، وعيسى، ومحمد وغيرهم، حيث استقاموا مع الله ودعوا الناس كذلك وتحملوا، فكان الكون معهم بتسخير الله على أعدائهم وخصومهم من الظالمين، الفاسقين المجرمين، ولئن تمرد الإنسان فضل الطريق، وأضل غيره، ومضى في ذلك لا يقيم لله وزنًا، ولا يعترف له بنعمة، بل يحاده بهذه النعم، ويحاربه بها، فلينتظر عقابين: الأول عاجل في الدنيا، والآخر آجل يوم اللقاء. 

أما عاجل الدنيا، فعلل وأمراض لم يسمع الناس بها من قبل، ثم نزع بركة الأرزاق، والأقوات، وانتشار المجاعات، وكذلك نزع بركة العمر، والحروب الأهلية، والفرقة والقطيعة حتى بين أبناء البيت الواحد، ونزع الثقة بين الناس، وشيوع الخيانة وسائر الجرائم الخلقية، والكوارث، البحرية، والجوية، والبرية، والتلوث البيئي، وتهديد الأعداء، بل سيطرتهم على خيرات الأمة، ومقدراتها وظلم الحكام، وجورهم، وأكل الأقوياء للضعيف وهكذا، أما عذاب الآخرة فيكفي أنه لا موت للراحة، ولا حياة منعمة،﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يحيى﴾ (سورة الأعلى: 13).

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ (سورة الزخرف: 77- 78).

أقول بعد هذه المقدمة التي لا بد منها: أيها الساعون لتغيير ثقافة الأمة بتغيير منهاجها المعصوم النابع من كتاب الله وسنة رسوله، بمناهج مستوردة من هنا وهناك، وتتعارض شكلًا وموضوعًا مع ثقافة الأمة وهويتها، سواء القائمون على التعليم، والقائمون على الإعلام، والقائمون على التدريب، والقائمون على القضاء، والقائمون على المراقبة والمتابعة، والتطوير.

الحصاد المر

يا هؤلاء: إن ثمرة سعيكم هذه أصبحت ظاهرة للعيان في شيوع البطالة، وانتشار الجريمة، وكثرة تعاطي المخدرات والاستهتار واللامبالاة، وتدني التفكير، وسرعة التقليد للتافه الضار والإعراض عن المفيد، والضرب عرض الحائط بالقيم والأخلاق، وستكونون أول من يصطلي بنارها:

  • انتظروا قلقًا واضطرابًا في أنفسكم لم تشهدوا له مثيلًا من قبل، وربما سيجد الواحد منكم نفسه في النهاية مع المرضى النفسيين والعقليين.
  • انتظروا شرودًا ذهنيًا، وخرفًا عقليًا مبكرًا.
  • انتظروا رعبًا يلقيه الله في قلوبكم فلا تنعموا بلحظة أمن واحدة.
  • انتظروا عللًا في أجسادكم لا يعلم حقيقتها إلا الله وحده. 
  • انتظروا فقرًا لم تكونوا تتوقعونه أبدًا وعمرًا يضيع هباءً لم تجنوا من ورائه لحظة خير يتحدث الناس عنها.
  • انتظروا قطيعة أولادكم لكم وتمردهم عليكم والإلقاء بكم في المصحات أو على قارعة الطريق.
  • انتظروا شيوع الاتهامات فيما بينكم وعدم أمن بعضكم بعضًا.
  • انتظروا إذلال المستعمر لكم، واستخدامكم أحذية في رجليه يلبسكم وقتما يريد، ويلقي بكم في المزابل وقتما يريد انتظروا ذلك وغيره، وعيدًا من ربكم فضلًا عن عذاب الآخرة قال تعالى: ﴿عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (سورة الجن: 17)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾ (سورة طه: 124: 127).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» «رواه مسلم».

وقال أيضًا: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا» «رواه البخاري».

طريق النجاة

يا هؤلاء يمكنكم تدارك البقية الباقية من عمركم قبل أن تضيع الفرصة وتندمون، وحينئذ لا ينفع الندم، وذلك بأن تقوموا بما يلي:

1- إفساح الطريق أمام المصلحين الصادقين الذين يعملون لخير الوطن والأمة كلها، ولترفعوا من طريقهم كل ما وضعتم وتضعون من عقبات، ومعوقات.

 ٢- إصلاح ما دمرتموه، وخربتموه من مناهج، وإفساح الطريق للمنهج الرباني ليأخذ طريقه إلى العقول، بل والقلوب.

٣- الإشراف على تربية قيادات، وكفاءات، هويتها وثقافتها الأصالة والتميز، والمعاصرة، ليست بشرقية أو غربية بل إلهية ربانية.

4- الاعتراف بحق أهل الأديان الأخرى في العيش الكريم والحياة التي تصان فيها حقوقهم في أنفسهم، وأهلهم وذويهم، ومقدساتهم انطلاقًا من قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِد مَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة المائدة: 8)، وقوله: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة: 8).

5- مداومة الاستغفار، والإكثار من الطاعات، وأعمال البر لتعوضوا ما خسرتموه مما مضى من عمركم.

٦- الدعاء أن يستركم الله في الدنيا والآخرة، فتحيون الحياة الطيبة، وتظفرون غدًا بجنة عرضها السموات والأرض أعدت من عمل صالحًا للمتقين، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة النحل: 97).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل