العنوان يا نبي الله.. هذه داري.. وهذا بابي..
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر الجمعة 24-فبراير-2012
مشاهدات 61
نشر في العدد 1990
نشر في الصفحة 56
الجمعة 24-فبراير-2012
أبو أيوب الأنصاري اغترف من بركة النبي ﷺ وعاش معه في بيت واحد يخدمه ويكرمه.. في اصطفاء من الله تعالى دون سائر قومه.
كان يحب النبي ﷺ حبًا شديدًا لا مجال للادعاء فيه وظهر مترجمًا في أعماله وأحواله
إذا ذُكرت الهجرة ذُكر معها، وتعلق به الوجدان، فقد كان مثالًا رائعًا حيًا في حب الله ورسوله، وأسوة في الكرم وحسن الضيافة، والبذل والإيثار.. فهو واحد من أولئك الأنصار الذين نصروا الله ورسوله، وكان له معهم النصيب الأوفى، حيث استضاف في بيته خير إنسان على وجه الأرض، رسول الله ﷺ فشرف بيته وازدان، وخلد ذكره بين الأنام، وارتبط اسمه بالهجرة النبوية المباركة أينما ذكرت ومتى ترددت على الأسماع..
إنه الصحابي الجليل خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة من بني النجار، كنيته أبو أيوب الأنصاري وقد اشتهر بها، كان من السابقين في الأنصار إلى الإسلام، فهو من السبعين أصحاب بيعة العقبة الثانية، وقد كافاه الله عز وجل حيث بركت ناقة رسول الله ﷺ أمام داره، فكانت أول دار يسكنها النبي ﷺ بعد الهجرة، وقد مكث فيها سبعة أشهر.
«دعوها فإنها مأمورة»: وعند وصول النبي ﷺ المدينة نزل بقباء - في أعلى المدينة - فأقام أربعة عشر يومًا، وأسس مسجد قباء، ثم خرج يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم، فجمع بهم بمن كان معه من المسلمين وهم مائة، ثم ركب ناقته وسار، وجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم ويأخذون بخطام الناقة، فيقول ﷺ: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة»، فبركت عند مسجده اليوم، وكان مريدًا لسهل وسهيل، غلامين من بني النجار، فنزل عنها على أبي أيوب الأنصاري، ثم بنى مسجده موضع المربد بيده هو وأصحابه بالجريد واللبن، ثم بنى مسكنه ومساكن أزواجه إلى جنبه وأقربها إليه مسكن عائشة، ثم تحول بعد سبعة أشهر من دار أبي أيوب إليها.
فمن تكريم الله تعالى لأبي أيوب أن الناقة لم تزل سائرة بالنبي ﷺ لا تمر بدار من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول عليهم فيقول لهم النبي ﷺ: دعوها فإنها مأمورة فسارت حتى وصلت موضع مسجده اليوم، فبركت ولم ينزل عنها حتى نهضت، وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت في موضعها الأول فبركت، فنزل عنها وذلك في بني النجار أخواله.
وكان من توفيق الله لها، فإنه أحب أن ينزل عليهم ليكرمهم بذلك، فجعلوا يكلمونه في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب إلى راحلته فأدخله بيته، فجعل رسول الله ﷺ يقول: «المرء مع رحله». وأخرج البخاري في صحيحه: أن النبي الله ﷺ قال: «أي بيوت أهلنا أقرب؟». فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي، قال: «فانطلق فهيئ لنا مقيلًا».
في بيت أبي أيوب..
وقد اغترف أبو أيوب رضي الله عنه من بركة النبي ﷺ ما لم يتيسر لغيره، وعاش معه في بيت واحد، يخدمه ويكرمه، وتالله فإن الكرامة كل الكرامة لأبي أيوب أن اصطفاه الله تعالى دون سائر قومه ليكون مضيفا لنبيه ﷺ. ومن هنا كان أبو أيوب رضي الله عنه حريصًا غاية الحرص على راحته وعدم إيذائه موقرًا ومجلًا له كان يتأذى أن ينام في غرفة تعلو غرفة النبي ﷺ، فعنه قال: لما نزل علي رسول الله ﷺ قلت: بأبي وأمي إني أكره أن أكون فوقك وتكون أسفل مني، فقال رسول الله ﷺ: «أن أرفق بنا أن نكون في السفل لمن يغشانا من الناس»، فلقد رأيت جرة لنا انكسرت فاهريق ماؤها، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا مالنا لحاف غيرها تنشف بها الماء فرقا من أن يصل إلى رسول الله ﷺ منه شيء يؤذيه، وكنا نصنع طعامًا، فإذا رد ما بقي منه تيممنا مواضع أصابعه فأكلنا منه، يريد بذلك البركة، فردّ علينا عشاءه ليلة وكنا جعلنا فيه ثومًا أو بصلًا، فلم نر فيه أثر أصابعه، فذكرت له الذي كنا نصنع والذي رأينا من رده الطعام ولم يأكل، فقال: «إني وجدت منه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي فلم أحب أن يوجد مني ريحه فأما أنتم فكلوه» (الطبراني). ولا شك أن البركة قد حلت بتلك الدار، وتنزلت عليها سحائب السكينة وبشائر الرحمة أن وطأت أقدامه الشريفة عتبتها، فضلًا عن سكناه فيها، فيا له من فضل لا يدانيه فضل وكان أبو أيوب وزوجه يغتنمان تلك الفرصة فيطلبان هذه البركة ويلتمسانها في تتبع أثر النبي ﷺ في فضلة طعامه.
وقد مكث النبي ﷺ سبعة أشهر في دار أبي أيوب، ولا شك أن تلك المجاورة كان لها الأثر العظيم على أبي أيوب إيمانيًا وعلميًا وعمليًا، فلم يكن يسمع في تلك الدار إلا الخير، وقد شهدت إسلام الكثيرين من أهل المدينة، فهي دار باركها الله عز وجل بنبيه.
وقد روى أبو أيوب رضي الله عنه مائة وخمسة وخمسين حديثًا عن النبي ﷺ وتعلم منه ودعا بدعوته، فعن عبد الله بن سعد بن أبي وقاص قال: قال لي أبو أيوب الأنصاري: ألا أعلمك كلمة علمنيها رسول الله ﷺ؟ قلت: بلى يا عم. قال: إن رسول الله ﷺ حين نزل علي قال: «ألا أعلمك يا أبا أيوب كلمة من كنز الجنة؟»، قلت: بلى يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال: «أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» (رواه الطبراني). وعن محمد بن كعب القرظي قال: «جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري» (فتح الباري لابن حجر).
غبطة.. وحياء..
وحين أتفكر في مكث النبي ﷺ في دار أبي أيوب، فإنني أغبط أبا أيوب رضي الله عنه وزوجه رضي الله عنهما على أعظم ضيف في الوجود استضافه بيتهما الطيب، وأتمنى أن أكون مكانهما! فقد نالا شرف الخدمة.. لكني مع التفكر أسائل نفسي على استحياء، هل سأفعل مع نبي الله ﷺ ما فعل أبو أيوب؟ فتشتد ضربات قلبي رهبة ويخفق شفقة وخشية على نفسي، وأطرق برأسي حياء وخجلا من رسول الله ﷺ.
ماذا لو كان النبي صلى ﷺ في بيوتنا؟ إنه سؤال يحتاج منا جميعا لإجابة عملية دقيقة حتى تنجح في اختبار الابتلاء هل حقًا بيوتنا الآن مجهزة لاستقبال النبي ﷺ؟ تُرَى لو تخيل كل منا أن رسول الله ﷺ سيزوره ويحل عليه ضيفًا كريمًا في بيته الآن، كيف سيعد البيت لاستقباله؟ وكيف سيستقبل، هل سيكرم ضيافته هل سيقوم بحقه وواجبه؟ وهل يصبر على ترك شهوات نفسه أمام حضرته؟ وهل سيخفي ما خفي عن أعين الناس، وقد أرخى الله علينا فيها ستره؟ ماذا سيتكلم في مجلسه؟ كيف سيتلقى حديثه؟ ماذا يفعل مع أوامره وشرعه؟ وفي نهاية وقت الزيارة هل سيودعه على حسن العهد والوعد بالوفاء له حتى يلقاه على الحوض، ويجاوره في الفردوس الأعلى برحمة الله المنان؟
لا شك أن في بيوتنا أشياء نحتاج أن - نتخلص منها حتى لا يراها ولا ريب أن في - قلوبنا آفات تظهر على فلتات الألسنة لا بد أن نداويها، وأن لنا عورات لا نريد أن يطلع عليها حياء واستخفاء، وقد سترها الله علينا أمام عباده، فما ظننا إن كان من سيطلع عليها أو يجاورها هو رسول الله ﷺ؟
فإن كان النبي ﷺ قد مات وأن زيارته لنا كما زار أبا أيوب لن تكون، فإن الله تعالى حي لا يموت: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)﴾ (المجادلة)، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)﴾ (الحديد).
وإن كان أبو أيوب وزوجه أكرما نبي الله في حياته، فإن بإمكاننا نحن أن نكرمه بعد أن مات بإيماننا الكبير به وبطاعته وحبه واقتفاء أثره وإحياء سنته والدعوة إلى دينه والتخلق بخلقه، وتالله سيكون معنا رسول الله ﷺ بذلك كل لحظة، بل كل طرفة عين، فلن ننساه أو نغفل عنه، وستراه قلوبنا، وإن غاب عن أعيننا ﷺ.
حب أبي أيوب للنبي ﷺ
كان أبو أيوب يحب النبي ﷺ حبًا شديدًا لا مجال للادعاء فيه، بل ظهر هذا الحب مترجمًا في أعماله وأحواله، فقد جعل من نفسه حارسًا له ليلة بنائه بزوجه صفية رضي الله عنها، خوفا عليه منها .. قال ابن إسحاق: ولما أعرس رسول الله ﷺ بصفية بخيبر أو ببعض الطريق، وكانت التي جملتها لرسول الله ﷺ ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك فبات بها رسول الله ﷺ في قبة له، وبات أبو أيوب خالد بن زيد، أخو بني النجار متوشحًا سيفه يحرس رسول الله ﷺ ويطوف بالقبة، حتى أصبح رسول الله ﷺ، فلما رأى مكانه قال: «ما لك يا أبا أيوب؟» قال: يا رسول الله، خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخفتها عليك. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال «اللهم احفظ أبا أيوب، كما بات يحفظني».
أبو أيوب مجاهدًا وشهيدًا..
شهد أبو أيوب رضي الله عنه بدرًا والمشاهد كلها وكان شجاعًا صابرًا تقيًا محبًا للغزو والجهاد، وقد تحرك مع الجيش المتوجه للقسطنطينية حيث استشهد هناك في السنة الثانية والخمسين للهجرة ودفن هناك، فعن أبي عمران التجيبي قال: غزونا القسطنطينية، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فصففنا صفين، ما رأيت صفين قط أطول منهما، ومات أبو أيوب الأنصاري في هذه الغزوة، وكان أوصى أن يدفن في أصل سور القسطنطينية، وأن يقضي دين عليه، ففعل، (رواه الحاكم).
المصادر
- عظماء الإسلام، محمد سعيد مرسي.
- زاد المعاد في هدي خير العباد، ذكرى الهجرتين الأولى والثانية.
- السيرة النبوية لابن هشام: ذكر المسير إلَى خَيْبَرَ في المحرَّمِ سَنَةَ سَبْعِ، بناء الرسول بصفية وحراسة أبي أيوب للقبة.
- موقع الإسلام دوت كومislam.com -www.al
- موقع المحدث: http://www.muhaddith.org
- موقع الدرر السنية الموسوعة الحديثية: http://www.dorar.net/enc
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل