; يبحث عن علاقات شراكة وليست هيمنة.. «أردوغان» في تونس وليبيا .. التوقيت والدلالات | مجلة المجتمع

العنوان يبحث عن علاقات شراكة وليست هيمنة.. «أردوغان» في تونس وليبيا .. التوقيت والدلالات

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 24-سبتمبر-2011

مشاهدات 47

نشر في العدد 1970

نشر في الصفحة 20

السبت 24-سبتمبر-2011

  • تركيا عاقدة العزم على تقديم خبراتها كاملة للدول العربية بما في ذلك التكنولوجيا العسكرية
  • «أردوغان» : من يمارسون القمع لا يمكنهم الوقوف على أقدامهم... لأن القمع والازدهار لا يستقيمان سويا
  • وعد بمساعدة الليبيين على إعادة إعمارالمدارس وبناء المستشفيات  ومقر البرلمان ودار للأيتام في مصراتة ليبيا لكل الليبيين
بعد زيارته إلى مصر، حل «أردوغان» أخًا كريمًا في كل من ليبيا وتونس –باقي دول الربيع العربي –والتي تقف في هذه المرحلة على مفترق طرق وتواجه تحدي ما يعرف باسم «الإسلام والديمقراطية»، بعد أن قدمت تركيا نموذجًا فريدًا على هذا الصعيد ولم تكن زيارة «أردوغان» لتونس، التي استقبلته فيها الجماهير استقبالًا عظيمًا لدوره في تنمية تركيا، ومواقفه الرسالية من القضية الفلسطينية، لم تكن زيارة مجاملة، بل زيارة عمل فيها الكثير من المقترحات والمشاريع، ولا سيما التي كانت مغلقة في ملف العلاقات العربية الأوروبية، أو العلاقات العربية الأمريكية، أو غيرها من العلاقات الدولية؛ ألا وهي «الصناعات العسكرية»..

إن تركيا كما يبدو عاقدة العزم على تقديم خبراتها كاملة للدول العربية بما في ذلك التكنولوجيا العسكرية التي طورها مهندسوها العظام، كالراحل «نجم الدين أربکان» –يرحمه الله –أستاذ الهندسة الميكانيكية، وصاحب العديد من الإضافات التكنولوجية في مجال المحركات.

فقد رافق «أردوغان» نائبه المكلف بالعلاقات الخارجية «باكر بوزداك»، ووزير الخارجية «أحمد أوغلو»، ووزراء: الاقتصاد، والنقل، والدفاع، والموارد الطبيعية، والطاقة، و ۲۰۸۰ من رجال الأعمال الأتراك.. ليس ذلك فحسب، بل أكد «أردوغان» أن حكومته ستحث المستثمرين الأتراك على المجيء لتونس والاستثمار في جميع المجالات المتاحة، وأنها سترفع من حجم التبادل التجاري مع تونس، الذي لا يتجاوز في الوقت الحالي سقف المليار دولار، معتبرا ذلك «غير كاف»، وتوقع وصول حجم التبادل التجاري في الأمد القريب إلى ما بين ٤ - ٥ مليارات دولار.

شعار تكتلي

كما كشف «أردوغان» عن مشروع للتعاون التعليمي تحت اسم «مولانا»، وعبر «أردوغان» عن استغرابه من عدم وجود خط بحري بين تونس وتركيا، رغم أن البلدين يطلان على البحر الأبيض المتوسط، ورغم العلاقات التاريخية بين تونس وتركيا، حيث أنقذت الأخيرة تونس من الاحتلال الإفرنجي عقب سقوط الأندلس، وقتل ثلث سكان تونس العاصمة، وتحويل جامع «الزيتونة» اصطبلًا للخيول.. ومن المتوقع أن يتم تدشين خطوط بحرية بين البلدين، لتخفيف الضغط على خطوط الطيران بل أكد «أردوغان» أن تركيا ستنقل تجربتها السياحية المدهشة إلى تونس دون حسابات المنافسة والربح والخسارة، فهنا شعار تكتلي «أمطري حيث شئت فسوف يستفيد أهلي من خراجك» وبخصوص الانتخابات القادمة في تونس، أشار «أردوغان» إلى أن «المسلم قادر على قيادة الدولة بنجاح كبير»، وأن «نجاح العملية الانتخابية في تونس سيؤكد للعالم أن الديمقراطية والإسلام يمكن أن يسيرا معًا» وفي الوقت الذي يستنكف فيه بعض السياح الغربيين من زيارة تونس بعد الثورة، شاهدت «المجتمع قوافل السياح الأتراك في مختلف المدن التونسية، وكان رئيس نقابة السياحة التركي قد زار تونس في أعقاب الثورة».

أما رسالة «أردوغان» إلى الشعب التونسي، فكانت في دعوته الشعب إلى أن يظهر للعالم أن الديمقراطية والإسلام يمكن أن يتعايشا معًا مثلما فعلت تركيا : «لا تقلقوا، ستسير تونس إلى الأمام»، ثم «السلام على تونس وعلى شعب تونس».

زيارة «أردوغان» بعثت بالعديد من الرسائل والدلالات، منها إلى الشعب التركي الذي أثبت في العديد من المناسبات وباستمرار أنه لم يتجرد من إسلامه، ولم ينسلخ من رابطة الأخوة التي تجمعه مع أشقائه العرب وبقية المسلمين في العالم سواء في أوروبا الشرقية (دول البلقان) أو في آسيا الوسطى وجمهوريات البلطيق، حيث تبلي ولا تزال المؤسسات التركية بلاء حسنًا في دعم المسلمين في مجال التعليم والتنمية، وفي أفريقيا حيث كانت زيارة «أردوغان» للصومال ذات دلالات كبيرة.

رسالة «أردوغان» للشعب التركي، أن هذه الثورات سند لتركيا من خلال تبادل المصالح معها، وفي دعم معاركها الجديدة من أجل عالم خال من الظلم والمظلومين والظالمين، ومن القهر والفقر واستضعاف المسلمين، وهو يقول لشعبه إنكم لستم وحدكم، فالمدد قادم بعد إصلاح أمر هذه الشعوب، وتركيا في هذه المرحلة تدفع أكثر مما تكسب (بالمفهوم القطري الضيق للكلمة)، في حين أنها تكسب –كغيرها من الدول المتفاعلة معها –من خلال المساهمة في بناء الأمة وإعادة تشكيل الحقل الإسلامي الكبير.

رسالة للعالم بأن تركيا عازمة علي أن تصبح قوة عظمى، أو بالأحرى جزءًا أساسيًا من قوة عظمى، في بداية تشكلها وهي «القطب الإسلامي» بعد «الولايات المتحدة الأمريكية»، و«الاتحاد الأوروبي»، والصين... وإخراج «الكتلة الإسلامية» من وضعية «السوق». وساحة للصراع الدولي إلى واقع «المنافسة في الأسواق»، والمساهمة في إيجاد الحلول للمشكلات الإقليمية والكونية.

إن الرسائل التي وجهها «أردوغان» من مصر وتونس وليبيا إلى كل من الكيان الصهيوني، والنظام السوري، ولإيران التي قال: إن «العلاقة معها جيدة»، ولكنها تدلل «النظام السوري»، وما تطرق إليه من أوجه التعاون بين تركيا وهذه الدول يصب في مصلحة الجميع، فتركيا تبحث عن علاقات تشاركية، وليست عن هيمنة كما هي الحال للاتحاد الأوروبي، أو الولايات المتحدة، وإن أوحت القوتان لصبيانهما في الدول العربية لقول ذلك.

دعوة للتوحد

كانت زيارة «أردوغان» إلى ليبيا يوم الجمعة ۱٨ شوال ١٤٣٢هـ / ١٦ سبتمبر ۲۰1۱م قد تزامنت مع إحياء الليبيين للذكرى الثمانين لرحيل شيخ المجاهدين «عمر المختار»، وتدشين ضريحه في بنغازي بعد إعادة بنائه، حيث قام «القذافي» بنقله سابقًا إلى طرابلس، وقد أشاد «أردوغان» أمام حشود من آلاف الليبيين انتظروه لمدة تزيد على ٦ ساعات ببطولة «عمر المختار» الذي حارب الاحتلال الإيطالي الفاشي لمدة عقدين من الزمن (۱۹۱۱ - ۱۹۳۱م)، كما أشاد بأحفاد «عمر المختار» الذين نهضوا من أجل الحرية والديمقراطية وأثبتوا للعالم أن لا إرادة تقف أمام إرادة الشعوب.. ودعا الليبيين للابتعاد عن الخلاف والعصبية، وهي الدعوة التي لم تصدر عن أي مسؤول دولي آخر، بل إن هناك من حاول صب الزيت على النار بعرض خدمات أمنية (أوروبية وأمريكية) على المجلس الانتقالي الليبي في محاولة لتوتير الأوضاع أكثر... وقد خاطب «أردوغان» الجميع: «لا تنسوا ماضيكم والمسيرة المباركة التي أوصلتكم إلى المكاسب التي تعيشونها اليوم».. وتابع: «لو طغت الفردية والأنانية محل الوحدة الوطنية والشراكة؛ فستضيع كل هذه المكاسب».

لم يطلب «أردوغان» إعطاء بلاده أولوية في استثمارات النفط الليبي أو مشاريع البنية التحتية التي تقدرها الأطراف الأوروبية بـ 11 مليار يورو، بينما تقول مصادر أوروبية أخرى: إنها أضعاف ذلك أضعافًا مضاعفة بل أشار إلى استئناف الرحلات الجوية بين المدن التركية والليبية، وفتح قنصليات جديدة إلى جانب طرابلس وبنغازي.

وما فعله «أردوغان» ولم يفعله غيره من من زار ليبيا قبل ذلك هو صلاته الجمعة مع الجماهير، وقال كلمته الشهيرة: «ليبيا لكل الليبيين، وهم من سيقررون مستقبلها»، كما نفى أن تكون ليبيا «عراقًا جديدًا».. ولم يطالب الليبيين بحجز جزء من ثروتهم الصالح شركات بلاده كما فعل آخرون جهارًا، وإنما وعد بمساعدة الليبيين على إعادة إعمار المدارس وبناء المستشفيات ومقر البرلمان ودار للأيتام في مصراتة.

لم يكن «أردوغان» حالمًا إبان زيارته لليبيا، فقد ذكر بأن »فترة جديدة بدأت في ليبيا، ولكنها لن تخلو من صعوبات وسيتجاوزها الشعب الليبي بالوحدة والتضامن».

إن رسالة «أردوغان» في زيارته لبلدان الربيع العربي يختصرها الكاتب التركي «إحسان أغلو» في «الجمع بين الإسلام والديمقراطية، والإسلام والاقتصاد الاجتماعي، والإسلام والتنمية».. وهو ما قاله «أردوغان» حرفيًا: «من يمارسون القمع لا يمكنهم الوقوف على أقدامهم لأن القمع والازدهار لا يستقيمان سويًا» .

الرابط المختصر :