العنوان يسار «الأزمة» يبحث عن هوية
الكاتب قطب العربي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مشاهدات 61
نشر في العدد 1316
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
أزمة اليسار
برنامج جديد لحزب التجمع المصري يتخلى عن الماركسية ويدعو إلى اشتراكية المستقبل
* الشيوعيون العرب ظلوا يكابرون حتى جرفهم الطوفان.
* اليسار يقر حق تشكيل أحزاب إسلامية لكنه يرفض تطبيق الشريعة.
* فكرة مجتمع المشاركة هي البديل العصري للمجتمع الاشتراكي.
حينما انهار الاتحاد السوفييتي السابق والمنظومة الشيوعية، سارت الأحزاب الشيوعية الحاكمة في العديد من دول آسيا وإفريقيا إلى تغيير أسمائها ومناهجها بما يسمح لقادتها بالاستمرار في السلطة أو حتى مجرد البقاء على الساحة، لكن الأحزاب الشيوعية العربية ظلت تكابر وتدّعي أن الشيوعية لم تمت، وإنما الذي سقط هم الحكام السوفييت ومن سار على نهجهم، وأن الشيوعية تعرضت فقط لإغماءة بسيطة سرعان ما ستفيق منها، ورفضت الأحزاب الاشتراكية العربية تغيير أسمائها أو برامجها، واعتبرت نفسها «الأمينة» على تراث ماركس ولينين بعد أن تخلى عنه أهله الحقيقيون!!
ولكن مرت سنوات ولم تفق الشيوعية من غفوتها، بل زاد انهيارها وبدأ الوعي يعود إلى بعض الأحزاب الاشتراكية العربية، فبدأت ممارسة النقد الذاتي والبحث عن هوية جديدة تسمح لها بالبقاء على الخارطة السياسية، وهذا ما حدث تحديدًا مع حزب التجمع المصري، وهو الممثل الشرعي المعترف به للشوعيين المصريين (يضم الحزب غالبية شيوعية إلى جانب أقلية قومية).
ظل حزب التجمع يغالط نفسه كما فعل غيره من الأحزاب الاشتراكية العربية حتى بداية التسعينيات، وفي مؤتمره العام الثالث عام 1992م رفض الحزب الاعتراف بهزيمة الشيوعية وجدد تمسكه بالنهج الاشتراكي، معتبرًا أن ما حدث في الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية هو مجرد حركة تمرد رجعية وهزيلة وسرعان ما ستثبت فشلها وتعود الشعوب الأوروبية والروسية إلى الشيوعية، لكن ذلك لم يحدث على امتداد السنوات التالية، فبدأت قيادات الحزب منذ أكثر من عامين مرحلة المراجعة والتقييم والبحث عن هوية جديدة للحزب قبل أن يصبح في خبر كان، وبعد نقاش وجدل واسع في صفوف الحزب على مدى العامين أو الأعوام الثلاثة الماضية، جاءت الفرصة في المؤتمر العام للحزب الذي انعقد في الفترة من أواخر يوليو الماضي لينفض الحزب يده من الشيوعية ويبحث عن إطار بديل لها قدمه الحزب في صورة ما سمي باشتراكية المستقبل ومجتمع المشاركة الشعبية، خلع الحزب إذن «ثوبه الأحمر» القاتم ليرتدي «ثوبًا أصفر باهتًا»، وترك الاشتراكية العلمية التي طالما بشر بها وعض عليها بالنواجذ، والتي كانت أساس شرعيته ومرجعيته، مستبدلًا بها اشتراكية المستقبل التي هي بلا لون ولا طعم ولا رائحة حتى الآن، وإنما مجرد فكرة خيالية في رؤوس أصحابها لم يستطيعوا التوصل إلى تحديد معالمها بعد، وحينما اختلفوا في تحديد معالمها وكاد المؤتمر أن ينفجر بسببها كان الحل السحري هو إحالة كل الأفكار والملاحظات المتعلقة بهذه القضية إلى لجنة رباعية، لإعادة صياغتها خلال ستة أشهر (تضم اللجنة د. إسماعيل صبري عبد الله- عبد الغفار شكر- د. إبراهيم العيسوي- رأفت سيف).
وقبل التطرق إلى مزيد من التفاصيل يجدر بالذكر أن الشيوعيين المصريين موزعون بين حزب التجمع- وهو الإطار القانوني الوحيد للشيوعيين- وبعض التنظيمات الشيوعية السرية، وأبرزها الحزب الشيوعي المصري الذي يشارك رئيسه إبراهيم بدراوي في اجتماعات لجنة التنسيق بين الأحزاب والقوى السياسية المصرية ويحضر مؤتمراتها، وتنظيمات أقل حجمًا حلت نفسها بسبب أزمة اليسار عمومًا منها حزب 8 يناير، و«المؤتمر» و«العمال»، و«التيار الثوري»، ولا يوجد لهذه الأحزاب تشكيلات حاليًا ولكن أفرادها يعملون ضمن التجمعهات النقابية والعمالية، وهناك بعض القيادات المنشقة على التجمع، أو المعتكفين للعمل الحزبي ومنهم د. ميلاد حنا، والصحفي صلاح عيسى، وكان منهم أيضًا د. إسماعيل صبري عبد الله، والصحفي محمد سيد أحمد قبل أن يعود للحزب مؤخرًا.
وقبل أن يحدد حزب التجمع ملامح هويته الجديدة نشط الحزب في توجيه سهامه ضد التيار الإسلامي تحت ستار مواجهة الإرهاب، وكان يعتبر ذلك أساس مشروعيته واشتط أمينه العام في نقد التيار الإسلامي مواكبًا للحملة الحكومية حتى تم تعيينه عضوًا بمجلس الشورى وتعيين حراسة خاصة له في منزله أو في تحركاته، كما نشط أبو زيد، وعلاء حامد، وفرج فودة، وحتى سلمان رشدي، وتسليمة نسرين، ومؤخرًا عن الكاتب الفرنسي مكسيم رودنسون، وخلال السنوات الماضية برز في الحزب تيار متعقل يدعو للتفريق بين الإسلاميين المعتدلين ودعاة العنف، وقاد هذا التيار كل من: حسين عبد الرازق- أمين المكتب السياسي للحزب-، وعبد الغفار شكر- أمين التثقيف-، واستطاع هذا التيار بواقعيته أن يفرض مواقفه على الحزب في مؤتمره العام الرابع الأخير.
إشكالات أساسية:
كان أمام المؤتمر الأخير للحزب عدة إشكاليات خلفها المؤتمر الثالث بلا حسم- كما يقول حسين عبد الرازق- هي الموقف من الحكومة، والموقف من الإسلام السياسي، والتحالف أو التنسيق مع الأحزاب، والصراع العربي الإسرائيلي، لكننا نركز على بعض القضايا الملحة مثل تحديد هوية الحزب وموقفه من التيار الإسلامي، ففيما يخص تحديد الهوية، طرح الحزب فكرة من شقين هي: اشتراكية المستقبل على المدى البعيد، ومجتمع المشاركة الشعبية على المدى القصير، أما اشتراكية المستقبل والتي تضمنتها أوراق ووثائق المؤتمر فهي بديل للاشتراكية العلمية (الشيوعية)، وهي فكرة جنينية لم تتخلق بعد، وإن كان مشروع البرنامج وضع بعض المحددات لها التي تقربها من الرأسمالية، حيث يقر بأنه لا يمكن بناء الاشتراكية بالحد من حرية المبادرة والمبادأة في ميادين البحث العلمي والإنتاج، فضلًا عن استبعاد دور السوق، ولا يمانع حزب التجمع في ثوبه الجديد من بيع بعض وحدات القطاع العام، وهو الأمر الذي قاتل دونه طوال سنوات الخصخصة، (كما تقول أمينة النقاش عضو الأمانة المركزية للتجمع)، ويعلق أحد قياديي التجمع وهو عبد الرحمن خير- أمين عام نقابة الإنتاج الحربي- أن التوجه الجديد للحزب هو تزيين للرأسمالية، إنها ترقيع للحذاء الرأسمالي بنعل جديد، وجاء هذا الانتقال الفكري للحزب فيما يبدو استجابة لضرورات الواقع، إذ لم تفلح حملاته السابقة في حشد العمال ضد بيع القطاع العام، بل إن غالبيتهم تجاوبوا مع برنامج الخصخصة -كما تقول أمينه النقاش- عكس ما كان متوقعًا- مما يستوجب إعادة النظر في هذا الواقع الجديد وما يلزمه من خطط.
اشتراكية المستقبل:
وإزاء هذا الواقع المتغير طرح الحزب فكرته الجديدة عن اشتراكية المستقبل، والتي لا تزال غائمة، ويقول محمد سيد أحمد- الكاتب الصحفي، والقيادي بالحزب-: إننا نريد أن نتجنب بأي شكل أن تكون الاشتراكية التي ننادي بها اشتراكية طوبائية من شأنها إلهاء الجماهير، وحفظ ماء الوجه فيما يتعلق بماضينا الاشتراكي.
فكرة اشتراكية المستقبل لاقت رفضًا من بعض أجنحة التجمع، إما لكونها أقل من الاشتراكية التي تربوا عليها، أو لكونها أقل من النهج الإصلاحي المطلوب، وهذا ما يؤكده ماهر عسل- أمين الإعلام السابق في الحزب- والذي صرح لنا بأن الحزب كان ينطلق من رؤية فكرية وثيقة الصلة فالفهم اللينيني الذي سقط، ولا بد لنا من أن نتخلى تمامًا ونهائيًّا عن النهج الثوري لصناعة التقدم، ويجب أن نبني حساباتنا على أساس قبول النهج الإصلاحي الديمقراطي، ويجدد عسل دعوته إلى الأخذ بالاشتراكية الديمقراطية كبديل للاشتراكية الماركسية؛ لأن إقامة مجتمع اشتراكي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت مسألة غير قابلة للتحقيق لأمد طويل جدًّا جِدًّا.
الرطانة الثورية:
ومع أن الحزب أخذ في برنامجه الجديد بفكرة الاشتراكية الديمقراطية، التي تشبه الأحزاب الاشتراكية في أوروبا الغربية، وهي الفكرة التي كان يرفضها من قبل، باعتبار أن هذه الأحزاب هي أحزاب رأسمالية، إلا أن ماهر عسل يرى أن الحزب لا يزال يتبنى خطابًا ثوريًّا، وأنه يربي الكوادر في اتجاه، ويمارس اللعبة السياسية في اتجاه آخر، وما زال الكثير فيه يتعلقون بالرطانة الثورية، ولم يتدربوا بعد على لعبة الإصلاح الديمقراطي.
وعلى النقيض من الرأي السابق رغم الاتفاق في الرفض يرى إبراهيم بدراوي- المتحدث باسم الحزب الشيوعي المصري المحظور- أن اشتراكية المستقبل التي طرحها التجمع غير محددة المعالم، وأن الوثيقة في مجملها تمثل ميلًا يمينيًّا شديدًا للتجمع.
وإذا كان الحزب لم ينجح في صياغة اشتراكية المستقبل وترك ذلك للجنة مختصة ولاجتهادات قياداته على المدى الطويل، فإنه عوضًا عن ذلك قدّم فكرة مجتمع المشاركة الشعبية على المدى القصير كبديل لفكرة المجتمع الاشتراكي التي كان يتبناها من قبل.
يقول الكاتب الصحفي صلاح عيسى: إن الاشتراكية لم تعد الدعوة الحالية للتجمع، والمطروح الآن هو فكرة مجتمع المشاركة الشعبية، والتي تتركز حول تحطيم الطابع الشمولي للدولة في الحكم، وتحويل مصر إلى مجتمع ديمقراطي على النسق الرأسمالي.
وتحدد أمينة النقاش ملامح مجتمع المشاركة الشعبية -كما أقرها الحزب- وهي تقوم على التلازم بين قضية إقامة مجتمع ديمقراطي حقيقي، يقود إلى فكرة التداول السلمي للسلطة، وتؤدي في الوقت نفسه إلى التنمية المستقلة التي تعتمد فيها مصر على نفسها وتقلل من اعتمادها على الخارج، وتضيف: إن هذه الفكرة تستعيد إنهاض مؤسسات المجتمع المدني ورفع يد الدولة عنها، ورفع يد الدولة عن النقابات، وإلغاء الطوارئ، والسماح بالإضراب السلمي للعمال، وهي أفكار تبدو ليست جديدة، وتطرحها كل الأحزاب المصرية تقريبًا.
العلاقة مع الإسلام السياسي:
تبقى النقطة الثانية وهي العلاقة مع الإسلام السياسي وهي حسب رأي- حسين عبد الرازق، الأمين المساعد للحزب للشؤون السياسية- كانت ضمن أربع قضايا خلافية لم يحسمها المؤتمر الثالث، ويأتي تعامل الحزب مع القضية الإسلامية غائمًا أيضًا وإن حوى قدرًا من التقدم الإيجابي؛ فالبرنامج الجديد للحزب يقدم تميزًا بين الدين والفكر الديني، فالأديان السماوية هي نظام إلهي جاء لإسعاد الناس في ضوء العقل والاجتهاد، وأما الفكر الديني فهو اجتهادات بشرية عبر مختلف العصور في تفسير وتأويل الدين، وهو في النهاية تيارات فكرية تحتوي عناصر إيجابية وأخرى سلبية، يتخذ الحزب منها النقد الإيجابي، ويدعو لفتح باب الاجتهاد فيها على مصراعيه بعد أن تم إغلاقه منذ العصور الوسطى، كما أكد الحزب على الحاجة إلى حركة إصلاح ديني.
الموقف من الشريعة:
ورغم أنه يمكن قبول هذه الفكرة بشكل عام وبخاصة فيما يتعلق بالنظرة إلى الفكر الديني والذي هو بمسمى آخر «الفقه الإسلامي» إلا أن الحزب لم يحاول أن يقدم اجتهادًا فقهيًّا إسلاميًّا حتى لو خالفه فيه آخرون، بل على العكس من ذلك فإن موقف الحزب من قضية الشريعة سلبي وهو يبطن رفضها، وذلك في سياقات وصياغات واضحة فهو يتعامل مع قضية الشريعة، باعتبار أن التشريع الإسلامي يقوم على أساس أن ما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى، بمعنى أن ما هو مطلق (يقصد الشريعة) لا يمكن أن يضبط تفاصيل الحياة اليومية المتجددة دومًا، وإنما نستلهم مبادئ الشريعة الإسلامية بهذا المفهوم وتصاغ في قوانين مدنية، في ظل سلطة مدنية وهذا الرفض المقنع لأحكام الشريعة الإسلامية مرده الخوف من مصادمة النص الدستوري الذي يقرر أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، والنص القانوني الذي يلزم الأحزاب باحترام ذلك، وقد سبق أن عبر بعض قيادات التجمع عن رفضهم للنص في الدستور على أن دين الدولة الرسمي الإسلام، واعتبار الشريعة المصدر الرئيس للتشريع (حسين عبد الرازق في اجتماعات لجنة الميثاق الوطني).
أما التقدم الطفيف الذي سجله الحزب في برنامجه الجديد فهو قبوله بفكرة قيام حزب على أساس إسلامي، وهو ما كان يرفضه عمليًّا من قبل، ويأتي هذا القبول ضمن فكرة حق كل القوى في تشكيل أحزاب، سواء كانت مرجعيتها ليبرالية، أم دينية، أو قومية، أم ماركسية لينينية؟ وقد كان الحزب يقبل ذلك في برنامجه الأساسي، لكنه عاد وتنكر لهذا الحق بدءًا من منتصف الثمانينيات أثناء احتدام عمليات العنف، ثم عاد إلى الأصل مرة أخرى.
التحالف اليساري:
وفيما يخص العلاقة مع الأحزاب يعلن الحزب رفضه التحالف مع الإخوان المسلمين أو أحزاب العمل، أو الوفد، ولكنه لا يرى بأسًا بالتسنيق معها في مواقف معينة، وفي مقابل رفض التحالف مع هذه الأحزاب، فإنه يدعو إلى تشكيل التحالف اليساري- الديمقراطي لمواجهة التحالف الإسلامي، ويضم هذا التحالف اليساري (التجمع- الناصريين- الشيوعيين).
عمومًا يبدو الحزب في مرحلة البحث عن هوية، وبالتالي جاء برنامجه الجديد متضاربًا أو غائمًا، ولعل الحزب وبقية فصائل اليسار تراجع نفسها بصروة أكثر شجاعة وتعود إلى تراث أمتها، وكما عبّر لنا صلاح عيسى، فإن على اليسار الاجتهاد والبحث في التراث الإسلامي عن فكرة العدالة الاجتماعية التي يبحث عنها دومًا، وأخيرًا فلعل هذه المراجعة المحددة من حزب التجمع تدعو غيره من الأحزاب الاشتراكية العربية إلى المراجعة بجرأة أشد.