; حتى يضحك الله لنا:يضحك الحق للمجاهدين الصادقين الباذلين أرواحهم في سبيله | مجلة المجتمع

العنوان حتى يضحك الله لنا:يضحك الحق للمجاهدين الصادقين الباذلين أرواحهم في سبيله

الكاتب توفيق علي

تاريخ النشر السبت 24-أبريل-2004

مشاهدات 89

نشر في العدد 1598

نشر في الصفحة 56

السبت 24-أبريل-2004

لا ينبغي حصر الجهاد في معنى القتال فحسب.. إنه باب واسع لكل مؤمن صادق الإيمان قوي العاطفة رباني الوجهة

towfeekali@hotmail.com

ذكرت مجموعة من الأحاديث ضحك الله -سبحانه وتعالى- لصنيع فئة من عباده، وهذا الضحك لا يشبه ضحك المخلوقين، ونحن أهل السنة والجماعة نؤمن بهذه الصفة ونترك لله -سبحانه وتعالى- الإحاطة بعلمها، فإذا علمنا أن الله عز وجل يضحك، فإننا نرجو منه كل خير ولهذا قال رجل للنبي -صلي الله عليه وسلم- يا رسول الله أو يضحك ربنا؟ قال: نعم، قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا.

وإلى الحديث.. والفوائد التربوية والسلوكية:

سأل رجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أي الشهداء أفضل؟ قال: «الذين إن يلقوا القوم في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلا من الجنة، ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه». «الحديث أخرجه أحمد في المسند (5/287) من حديث نعيم بن همار مرفوعًا به. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد».

فوائد تربوية وسلوكية من الحديث:

 يقول صاحب الظلال: «إنه لا جهاد ولا شهادة، ولا جنة، إلا حين يكون الجهاد في سبيل الله وحده، والموت في سبيله وحده، والنصر له وحده في ذات النفس والمنهج». (۱)

عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله -صلي الله عليه وسلم- عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء. أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله». (۲)

«لا جهاد إلا لتكون كلمة الله هي العليا، العليا في النفس والضمير، العليا في الخلق والسلوك، والعليا في الأوضاع والنظم، العليا في العلاقات والارتباطات في كل أنحاء الحياة، وما عدا هذا فليس لله.. هذا هو الهدف» (۳)

ولكن كيف؟ ما الوسيلة؟

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).

«فليس هو مجرد القتال، ولكنه القتال في سبيله، والقتال في تضامن مع الجماعة المسلمة داخل الصف، والقتال في ثبات وصمود» ﴿صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (الصف: 4).

«فالمسلم لا يبنى فردًا إلا في جماعة، ولا يتصور الإسلام قائمًا إلا في محيط جماعة منظمة ذات ارتباط وذات نظام وذات هدف جماعي منوط في الوقت نفسه بكل فرد فيها، هو إقامة هذا المنهج الإلهي في الضمير وفي العمل مع إقامته في الأرض، وهو لا يقوم إلا في مجتمع يعيش ويتحرك ويعمل وينتج في حدود ذلك المنهج الإلهي».

ولكن كيف كان هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ 

«ومنذ اليوم الأول للدعوة قام مجتمع إسلامي، أو جماعة مسلمة ذات قيادة مطاعة، هي قيادة رسول الله ، وذات التزامات جماعية بين أفرادها وذات كيان يميزها عن سائر الجماعات حولها، وذات آداب تتعلق بضمير الإنسان مراعى فيها في الوقت ذاته حياة هذه الجماعة، وذلك كله قبل أن تقوم الدولة المسلمة في المدينة، بل إن قيام تلك الجماعة كان وسيلة إقامة الدولة في المدينة».

هذا هو طريق القتال الحق، بناء الفرد الرباني من خلال جماعة منظمة تنظم جهود أفرادها، لتحقيق أفضل النتائج بأقل التضحيات ولتعلم أن:

1- القتال لم يشرع إلا بعد أن تميز المجتمع المسلم بدولة تدافع عن نفسها، وذلك لحمايتها وتمكينها من القيام بواجبها في حمل رسالة الإسلام إلى العالم، كما وضحت لنا السيرة النبوية.

2- الخروج المسلح على الحكام وإن كانوا فسقة ظالمين حرام بإجماع المسلمين وهذا لا يعني الخنوع، بل يجب استعمال كل الوسائل الأخرى لإنكار المنكر وتغييره.

3- في حالة احتلال بلد أجنبي لبلد مسلم يصبح الجهاد لزوال هذا المعتدي في حق أهل البلد فرض عين كما هو الحال في فلسطين وغيرها، ولا تنتقل هذه المعركة إلى مجتمعاتنا أو مع المدنيين في أي مكان لأنهم غير محاربين.

من مراتب الجهاد:

1- من الجهاد في الإسلام: عاطفة حية قوية، تفيض إلى عز الإسلام ومجده وتبكي حزنًا على ما وصل إليه المسلمون من ضعف وما وقعوا فيه من مهانة، وتشتعل ألمًا على هذا الحال الذي لا يرضي الله ورسوله.

2-من الجهاد في الإسلام: أن يحملك هذا الهم الدائم على التفكير الجدي في سبيل النجاة، وتلمس سبيل الخلاص، وقضاء وقت طويل في فكرة عميقة تمحص بها سبل العمل.

3- من الجهاد في الإسلام: أن تنزل عن بعض وقتك، وبعض مالك، وبعض مطالب نفسك، لخير الإسلام وبني الإسلام، فإذا كنت قائدًا ففي مطالب القيادة تنفق، وإن كنت تابعًا ففي مساعدة الداعين تفعل.

4- من الجهاد في الإسلام: أن تشكر لمن تنكر لدينه، وأن تقاطع من عادى الله ورسوله، إن لم يستجب للنصح والإرشاد ومضى في غيه وضلاله.

5- من الجهاد في الإسلام: أن تكون جنديًا لله، تقف له نفسك ومالك، لا تبقي على ذلك من شيء، وفي الحديث: من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق. (٤)

6- أن تعمل على إقامة ميزان العدل وإصلاح شؤون الخلق، وإنصاف المظلوم والضرب على يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه.

جاء في الحديث: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان أو أمير جائر»(٥).

وجاء أيضًا: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى أمام جائر فأمره ونهاه فقتله»(٦). 

7- من الجهاد في الإسلام: إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله أن تحب المجاهدين من كل قلبك، وتنصح لهم بمحض رأيك، وقد كتب الله لك بذلك أجرًا، وأخلاك من التبعة.

قال تعالي: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ (التوبة: 91-92).

ويصف الإمام البنا أصحابه فيقول -رضي الله عنه-: «وأما أنهم محزونون لما وصل إليه المسلمون متألمون لذلك أشد الألم، فعلم الله أن أحدهم يجد من ذلك ما يذيب لفائف قلبه، وينال من أعماق نفسه، ويحز في قرارة فؤاده، ويمنعه في كثير من الأحايين الأنس بأهله وإخوانه، والمتعة بكل ما في الوجود من لذة وجمال، وأما أنهم يفكرون في سبيل الخلاص: فعلم الله أنه ما من فكرة تحتل أفكارهم وما من خطة تستهوي عواطفهم، وما من شأن يشغل عقولهم كهذا الشأن الذي ملك عليهم رؤوسهم وقلوبهم واستبد منهم بشعورهم وتفكيرهم، وأما أنهم يبذلون في هذا السبيل وقتًا ومالًا، فحسبك أن تزور ناديًا من أنديتهم، لترى عيونًا أذبلها السهر، ووجوهًا أشحبها الجهاد، وجسومًا أفناها النصب وأخذ منها الإعياء، على أنها فتية بإيمانها قوية بعقيدتها.

ويقول صاحب الظلال: «إن أشد الناس حماسة واندفاعًا وتهورًا قد يكونون هم أشد الناس جزعًا وانهيارًا أو هزيمة، عندما يجد الجد وتقع الواقعة بل إن هذه قد تكون القاعدة، ذلك لأن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالبًا ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف، لا عن شجاعة واحتمال وإصرار، كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال، قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة، فتدفعهم قلة الاحتمال إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار، حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا وأشق مما تصوروا، فكانوا أول الصف جزعًا ونكولًا وانهيارًا، على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم، ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت، ويعدون للأمر عدته، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة» (٧)

كيف نغرس حب الجهاد في النفوس؟

التعريف بالله تعالى وبنعمه على عباده، وسيظهر جليًا أن لله حقًا على عباده، وأن شكر هذا الحق يكون بالجهاد في سبيل الله.

بيان المصير والعاقبة الأليمة للمتخلفين القاعدين عن نصرة الدين، وأن الجهاد هو سبيل النجاة من هذا المصير ومن هذه العاقبة.

التبصير والتذكير بفوائد الجهاد وثمراته في الدنيا والآخرة، وكذلك التبصير والتذكير بعواقب ترك الجهاد وآفاته في الدنيا والآخرة.

التبصير والتذكير بحقيقة العدو، وأسلوبه في الكيد والمكر، فإن هذا من شأنه أن يولد في النفوس الحرة الأبية الكريمة شدة على الكافرين، تتمثل في جهاد هذه النفوس لهؤلاء الأعداء.

التبصير والتذكير بدورنا ورسالتنا في الأرض ومنزلتنا ومكانتنا عند الله.

مراعاة أنسب الأساليب والمراتب لطبع النفوس على الجهاد والموت في سبيله مثل: القدوة والأسوة المرحلية والتدرج التدريب بالنزول إلى الميدان العملي، ضرب المثل، القياس، الرسوم، الصور، القصة، الترغيب، الترهيب.

الهوامش:

1- مجموعة رسائل الإمام حسن البناء ص: ٤١٢. 

2- أخرجه الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

3- الظلال، سيد قطب (3288/6)

4- رواه مسلم (1512/3) رقم ١٩٠

5- رواه البخاري وأبو داود: (119/4) رقم ٤٣٤٤

6- مجمع الزوائد: (271/9)

7- الظلال (712/5)

الرابط المختصر :