; يهود أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية | مجلة المجتمع

العنوان يهود أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1997

مشاهدات 75

نشر في العدد 1246

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 15-أبريل-1997

كان أول بروز لليهود في الولايات المتحدة مع ولادة الجمهورية، وذلك من خلال البرقية التي أرسلوها إلى الرئيس الأول للولايات المتحدة جورج واشنطن في عام ۱۷۹۰م، ولم يكن عددهم وقتها يزيد على ألفين وخمسمائة يهودي فقط، ولم يكن لهم سوى ثلاثة معابد فقط، ويشير «جي.جي. جولد برغ» في كتابه «النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة» إلى أن موجات الهجرة اليهودية المكثفة للولايات المتحدة بدأت بعد هزيمة نابليون في معركة واثرلو عام ١٨١٥م؛ إذ على إثرها سادت نزعة في أوروبا دفعت الكثير من الأوروبيين إلى عبور المحيط نحو أمريكا، وتشير «لي أوبرين» في كتابها «المنظمات اليهودية الأمريكية ونشاطاتها في دعم إسرائيل»، إلى أن عدد اليهود في الولايات المتحدة لم يكن يزيد في عام ١٨٢٥م على عشرة آلاف يهودي فقط، ويشير «جولد برغ» إلى أنَّه مع حلول عام ١٨٤٠م صار عدد اليهود في القارة الجديدة 15 ألف نسمة، إلا أن هذا العدد تضاعف عشر مرات خلال عشرين عامًا فقط، ووصل في عام ١٨٦٠م إلى 150 ألف نسمة، وذلك بسبب تصاعد نسبة اليهود المهاجرين من أوروبا إلى الولايات المتحدة، وقد لعب اليهود الألمان في ذلك الوقت دورًا رئيسيًّا سواء في زيادة عدد السكان اليهود في الولايات المتحدة أو في تنظيم وجودهم؛ حيث أسسوا في عام ١٨٥٩م أول «وكالة دفاع يهودية»، ضمت ٢٤ معبدًا موزعة على ١٤ مدينة أمريكية غير أن يهود أمريكا قاموا قبل ذلك، وتحديدًا في عام ١٨٥٠م بأول تحرك لهم، وكان هذا التحرك موجها ضد اتفاقية وقعتها الولايات المتحدة مع سويسرا في ذلك الوقت، وكانت تقضي بضمان حماية مواطني الدولتين عندما يكونون على أرض البلد الآخر، إلا أن هذه الاتفاقية استثنت اليهود؛ بسبب الكراهية التي كانت تكنها أوروبا المسيحية لليهود في ذلك الوقت، وهذا ما دفع يهود أمريكا إلى الاعتراض على الاتفاقية وانتقادها في حملة استمرت أربع سنوات تمكنوا خلالها من إلغاء هذا الاستثناء، ثم توالت بعد ذلك التحركات اليهودية المنظمة ضد كل ما يمس مصالح اليهود داخل الولايات المتحدة أو خارجها، وكان اليهود كما تذكر «لي أوبرين» نقلًا عن عالم الاجتماع اليهودي الأمريكي ستيفن كوهن أنجح الجماعات التي هاجرت إلى أمريكا، واستطاعت الاندماج والتأثير في المجتمع الأمريكي «غير أنه يجب عدم الخلط بين الاندماج والانصهار».

 وهذا ما جعل مليون أمريكي أو ما يقرب من سدس جميع السكان اليهود الأمريكيين - الآن - مسجلون أعضاء في تشكيلة كبيرة من المنظمات الصهيونية الرسمية، وهذه المجموعات تعرف وتقدم نفسها بوصفها منظمات صهيونية، وقد كانت وكالة الدفاع اليهودية التي أسست في عام ١٨٥٩م وانضم إليها بضع مئات من اليهود نواة لمئات المنظمات والتجمعات الصهيونية التي تملأ الولايات المتحدة الآن، والتي ينتمي إليها أكثر من مليون يهودي يوزعون أنشطتهم على نواح واتجاهات كثيرة يضعها ما يعرف باسم «اللوبي الصهيوني».

ولم تحل سنة ١٨٨٠م حتى كان عدد اليهود في الولايات المتحدة قد ارتفع من 150 ألف نسمة عام ١٨٦٠م ليصبح ٢٥٠ ألف نسمة، وفي أعقاب ذلك بدأ اليهود هجرة مكثفة إلى الولايات المتحدة بدأت في عام ۱۸۸۱ م واستمرت حتى عام ١٩٢٤م، وكان غالبية اليهود المهاجرين خلال تلك الفترة من روسيا ودول أوروبا الشرقية، مما دفع الكونجرس الأمريكي إلى إصدار قانون بوقف قبول المهاجرين اليهود الروس، خصوصًا بعدما وصل منهم إلى الولايات المتحدة حتى ذلك الحين مليونا يهودي كانوا كلهم من الفقراء المعدمين غرباء اللغة والزي، وقد شكل هذا القانون عقبة مؤقتة أمام استمرار تدفق هجرة اليهود إلى الولايات المتحدة استمرت حتى تمكن «هنري مورغنتا» - وزير المالية اليهودي في عهد الرئيس «فرنكلين روزفلت» - من إقناع الرئيس بإعادة فتح الولايات المتحدة أمام اليهود الفارين من أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فبلغ عدد يهود أمريكا في ذلك الوقت أربعة ملايين يهودي، وقد أدى تنوع اليهود واختلاف بلادهم وثقافاتهم إلى إنشاء المئات من التجمعات اليهودية، كل منها يخدم المصالح اليهودية من جهته، ويسبب قانون الكونجرس الذي صدر في عام ١٩٢٤م لجأ اليهود إلى تغيير أسمائهم للتحايل والخداع كما يفعلون دائمًا، وكانت منظماتهم تعمل علنًا للدفاع عنهم، وعن مصالحهم داخل الولايات المتحدة وخارجها، ولعب يهود ألمانيا دورًا بارزًا في تأسيس هذه المنظمات كان أبرزها المنظمات الثلاث التي عرفت باسم المثلث الأكبر، وضمت كلا من يناي بريث واللجنة اليهودية الأمريكية، والكونجرس اليهودي الأمريكي، ولا زالت هذه المنظمات مع منظمة إيماك التي أنشئت فيما بعد من أقوى المنظمات اليهودية على الساحة الأمريكية، كما ظهرت منظمات أخرى قوية مثل مجلس النساء اليهوديات والحركة الصهيونية والنداء اليهودي المتحد، وجمعية مناهضة الافتراء، وهذه منظمات لا زالت حتى الآن لها دورها الفاعل على الساحة الأمريكية، ويشير بنيامين نتنياهو- رئيس وزراء إسرائيل - في كتابه «مكان تحت الشمس»، إلى أن هذه المنظمات لعبت دورًا كبيرًا خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين في الدعوة الهجرة اليهود إلى أرض الميعاد؛ حيث كانت تجمع الأموال، وتسعى لإقناع المجتمع الأمريكي والإدارة الأمريكية بدعم من المنظمات المسيحية الصهيونية، أيضًا لتبني قيام إسرائيل ودعم هجرة اليهود إليها من كل مكان حتى أصبح لليهود ما لهم الآن من نفوذ بلغوه بعد كفاح استمر ما يزيد على مائة وخمسين عاما تواصلوا فيه جيلًا بعد جيل وفق تخطيط، ودعم يعود سببه الرئيسي إلى عدم وجود تجمعات أخرى قوية منافسة لهم داخل المجتمع الأمريكي تعيش القضية مركزية مثل قضية إسرائيل وطبيعة اليهود التاريخية في القفز والسيطرة على المجتمعات، التي يعيشون فيها، وامتصاص خيراتها عن طريق السيطرة على الاقتصاد والإعلام والتعليم، ورغم أن يهود أمريكا قبل الحرب العالمية الثانية قد تمكنوا من القيام بعدة تحركات منظمة غيروا فيها بعض القوانين المتعلقة بهم داخل أمريكا، أو الاتفاقيات التي تتعلق باليهود خارج أمريكا، مثل: قيامهم في عام ١٩١١م بالضغط على مجلس الشيوخ لإبطال الاتفاقية التجارية مع روسيا، والتي كانت قد أبرمت في العام ١٨٣٢م، وذلك بسبب ما تعرض له اليهود في روسيا من عمليات إبادة في ذلك الوقت، مما أعطى مؤشرًا على بداية وجود قوة منظمة ونافذة لليهود في الولايات المتحدة، إلا أن نفوذ اليهود في أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية كان له شأن آخر.

الرابط المختصر :