العنوان يهود الصين.. يهود كايفنج
الكاتب عبدالوهاب المسيري
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1997
مشاهدات 80
نشر في العدد 1246
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 15-أبريل-1997
•رغم محاولات إحياء الوجود اليهودي في الصين إلا أن انصهار يهود الصين في المجتمع لم يساعد كثيرًا على ذلك
يهود الصين جماعة يهودية كبيرة كانت تعيش في مدينة كايفنج عاصمة مقاطعة هونان الواقعة على ضفاف النهر الأصفر، ولذا يقال لهم أيضًا «يهود كايفنج»، ويبدو أن أصولهم تعود إلى القرنين التاسع والعاشر؛ حيث هاجرت مجموعة من يهود إيران وربما الهند، ويبدو أن الجماعة اليهودية كانت مهمة نوعًا، فقد عين أباطرة أسرة تانج أحد أعضاء طبقة الماندرين «وهي الأرستقراطية الثقافية من الموظفين - العلماء مسؤولا عنهم، فكان يزور معبدهم باسم الإمبراطور مرة كل عام، ويحرق البخور أمام المذبح، وكان «المهاجرون اليهود»« في بداية الأمر» يتحدثون الفارسية، وتخصصوا في المنسوجات القطنية وصباغتها وطباعة الألوان عليها، وهي صناعة كانت متقدمة في الهند، وكان سكان الصين يتزايدون في تلك المرحلة، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في المنسوجات الحريرية، ونشوء حاجة إلى المنسوجات القطنية، وهو ما قد يفسر استقرار اليهود في الصين في ذلك الوقت، ومن الناحية الاجتماعية والطبقية، كان اليهود ينتمون إلى طبقة التجار والصناع التي تقع بين الفلاحين من جهة وطبقة الموظفين - العلماء من جهة أخرى، ومن ثم كان طموحها الاجتماعي، مثلها مثل الطبقات التي تقع في الوسط هو الاتصال بالطبقة العليا والابتعاد عن طبقة الفلاحين، وقد تأسس أول معبد يهودي في عام ١١٦٣م؛ حيث كان يسمى معبد الطهر والحقيقة - وهو اسم ذو نكهة كونفوشيوسية، وكان يترأس الجماعة الحاخام، وأحد الوجهاء الذين كانوا يحتفظون بكتب اليهود المقدسة المكتوبة بالعبرية ويقرؤون أسفار موسى الخمسة مرة كل عام. وقد اندمج يهود كايفنج بالتدريج، وتزاوجوا مع الصينيين، خصوصًا المسلمين، وفي مرحلة من المراحل كان اليهود يصنفون بوصفهم مسلمين حتى اختفى أثرهم تقريبًا.
ويفسر اندماجهم، ثم انصهارهم في نهاية الأمر، على أساس انعزالهم عن يهود العالم وعدم وصول مهاجرين يهود إليهم، وكذلك على أساس الزواج المختلط، وعدم وجود معاداة لليهود في هذا المجتمع، ولكن هذه الأسباب الجاهزة لا يمكنها أن تفسر الظاهرة؛ إذ إن السؤال يظل يطرح نفسه: لماذا تزايد الزواج المختلط؟ فهناك مجتمعات لا يوجد فيها عداء لليهود، ومع ذلك لم ينصهر اليهود فيها - مثل الهند، ولتفسير هذه الظاهرة، لا بد وأن نعود إلى الحركيات الخاصة بالمجتمع الصيني، فمن المعروف أن الكونفوشيوسية، وهي العقيدة الرسمية للدولة في الصين قبل الثورة كانت لا تعارض التعددية الدينية ما دامت هذه التعددية لا تهدد النظام السياسي، فكان المطلوب من أعضاء أي جماعة دينية أن تعترف «يهود كايفنج» بعبادة الأسلاف والمكانة الدينية للإمبراطور، كما أنه لم تكن توجد أفكار دينية أو قومية تؤدي إلى عزل الأقليات الدينية، ذلك أن مفهوم الأمة لم يكن مفهومًا أساسيًّا في الصين، فالإمبراطورية هي العالم، وهي تتكون من دوائر متداخلة وتزداد درجة الهمجية فيها كلما ابتعدنا عن المركز الصيني، وهكذا فإن اليهود «وكذلك المسلمين الذين كان اليهود يقرنون بهم»، عاشوا في هذا العالم دون تمييز قانوني أو اقتصادي أو اجتماعي، كما أن تركيب المجتمع الصيني «من الأسرة الممتدة، والعشيرة، والحكم من خلال السلطة المركزية» قد ساعد على هذا النمط، فهو يقلل الاحتكاك المباشر بين الأعضاء، كما يقلل من احتمالات الصراع، فيتم الاحتكاك بين الجماعات من خلال مؤسسات الدولة، وهو ما يساعد على تنظيم العلاقة وتقليل التوترات، وقد أدى كل هذا إلى الاندماج التدريجي لليهود وتمثلهم كثيرًا من عناصر العبادة الكونفوشيوسية التي تشكل أساس التعامل بين الجماعات، وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية يتبنون كثيرًا من الطقوس البوذية والطاوية مع الطقوس اليهودية جنبًا إلى جنب، والواقع أن قبول عناصر غير يهودية في اليهودية هو أمر ليس بجديد على اليهودية؛ بسبب تركيبها الجيولوجي، كما أنه جزء من التقاليد الصينية الدينية التي لا تمانع في استيراد عناصر من الديانات الأخرى، وكان من الممكن أن يظل الاندماج على هذا المستوى ولا ينصهر اليهود تمامًا لو أن الجماعة اليهودية ظلت تتعامل مع الجماعات الأخرى من خلال مؤسسات الدولة، فربما لو حدث ذلك لكان من الممكن أن يحتفظ يهود الصين بهويتهم الصينية اليهودية، كما حدث ليهود الهند من خلال نظام الطائفة المغلقة، ولكن ابتداءً من القرن الرابع عشر أعيد تنظيم طبقة العلماء- الموظفين «بشكل أكثر انفتاحًا» من خلال النظام الإمبراطوري للامتحانات، ذلك النظام الذي فتح أمام يهود كايفنج فرصًا ضخمة للحراك الاجتماعي، فدخلت عناصر من قياداتهم الامتحانات ونجحت فيها وانضمت إلى البيروقراطية الحاكمة، وقد كان الانخراط في هذه الوظائف يعد في نظر المجتمع الصيني أكثر أهمية وقيمة من الأعمال التجارية، كما كان يعني نقله طبقية كبيرة وإعفاء من السخرة الجسدية، فالعمل كموظف بالحكومة كان يمنح الإنسان في الصين السلطة والمكانة والثروة لكن هذا النجاح أفقد أعضاء الجماعة اليهودية البعد اليهودي من هويتهم الصينية اليهودية؛ إذ إن العمل في مثل هذه الوظائف كان يتطلب دراسة الكلاسيكيات الصينية والتفقه فيها، واستيعاب المثل الكونفوشيوسية واستبطانها تمامًا، فالانخراط في سلك المثقفين الكونفوشيوسيين لم يكن مجرد عمل أكاديمي، وإنما كان أمرًا يؤثر في شخصية الإنسان نفسه، وفي منظوره الفلسفي والديني، لهذا كان يتوقع من اليهودي الذي ينخرط في سلك العلماء- الموظفين، أن يتصرف باعتباره كونفوشيوسيًّا داخل إطار الفكر الكونفوشيوسي، أي أن الانتماء إلى الوظيفة كان يتطلب تحولًا جوهريًّا داخليًا وخارجيًّا.
وعلى الرغم من أن المؤسسة الدينية اليهودية في الصين نظرت بعين الشك إلى طبقة العلماء - الموظفين من اليهود، فإن هؤلاء أصروا على أنه لا تعارض بين الكونفوشيوسية واليهودية، وبالتدريج تحولوا إلى النخبة القائدة في الجماعة، وبدأت رؤيتهم الكونفوشيوسية تتسلل إليها ككل حتى امتزجت اليهودية بالكونفوشيوسية، الأمر الذي أسرع بهذا الاتجاه أن الانتماء إلى طبقة العلماء - الموظفين كان يعني تناقص عدد أعضاء الجماعة؛ إذ إن هذا النظام يمنع تعيين الموظف في محل ميلاده لمنع الوساطة والمحسوبية، ولذا كان على اليهودي الذي يعين عالمًا - موظفًا أن يترك كايفنج الأمر الذي كان يؤدى بالتالي إلى تناقص عدد الجماعة والعناصر القيادية وقد كانت طبقة العلماء- الموظفين متآزرة مع أن التعيين فيها كان يتم عن طريق الامتحان الإمبراطوري، ولذلك كان على اليهودي الذي ينضم إليها أن يصبح واعيًا بمكانته الاجتماعية وبوضعه الطبقي وبانتمائه إلى الطبقة الجديدة، وهو ما جعل الزواج المختلط من داخل الطبقة مسألة شبه حتمية، خصوصًا وأن العلماء الموظفين كانوا يعيشون بعيدًا عن أسرهم وعشائرهم، والواقع أن تحول القيادة، وكذلك تشتتها هو الذي ساعد على تحويل اليهودية من الداخل، فبدأ اليهود بالإشارة إلى الخالق بالمصطلح الكونفوشيوسي، فكانوا يشيرون إليه بأنه «تاين» أي «السماء» أو «طاو»، أي «الطريق»، ثم تعمق الأمر وبدأ اليهود يتبعون عبادة الدولة التي تتضمن تبجيل بل وتقديس كونفوشيوس وتأثر اليهود كذلك بأهم مظاهر العبادة الكونفوشيوسية، وهي عبادة الأسلاف، ومن ثم نشأت إلى جوار المعبد اليهودي صالات الأسلاف التي كانت تضم الآباء العبرانيين وأولاد يعقوب الإثنى عشر وموسى وهارون ويوشع وعزرا وآخرين من مشاهير اليهود، وتبنى اليهود كذلك طقوسًا كونفوشيوسية للاحتفال ببلوغ سن التكليف الشرعي وبالزواج والموت والدفن، كما أنهم حاولوا أن يجدوا أساسًا لأعيادهم وشعائرهم الدينية في الكلاسيكيات الكونفوشيوسية لا في الكتاب المقدس، وراح اليهود ينصرفون عن كثير من أهم شعائرهم التي كانت تحتفظ لهم بعزلتهم وهويتهم مثل أكل لحم الخنزير، الذي كانوا يمتنعون عن أكله في الأعياد، وكانوا عند تقديم القرابين إلى أسلافهم يقدمون لهم لحم الضأن، كما أن اليهود لم يترجموا قط كتبهم المقدسة من العبرية إلى الصينية، ولهذا كان كيان الجماعة مهددًا دائمًا بالاختفاء في حالة نسيان القيادة للعبرية، ويبدو أن هذا هو ما حدث بالفعل قبل عام ۱۷۲۳م؛ إذ إن العبرية كانت قد نسيت في ذلك التاريخ، لكل هذا تقوضت هوية الجماعة اليهودية من الداخل تمامًا، وحينما مات آخر حاخام في القرن التاسع عشر، انتهى ما تبقى من اليهودية بحيث أصبح أعضاء الجماعة مع ستينيات القرن الماضي صينيين في ملامحهم وردائهم وعاداتهم ودينهم، وفي عام ۱۹۰۰، قامت مجموعة من اليهود الإنجليز في شانغهاي بتأسيس «جماعة إنقاذ يهود الصين» التي حاولت إحياء اليهودية في كايفنج دون جدوى؛ حيث كانوا قد اندمجوا تمامًا وكان كل ما يعرفونه عن اليهودية هو أنهم يهود، ولا يزال هناك نحو مائتين وخمسين صينيًّا من سلالة يهود كايفنج، ولكنهم منصهرون تمامًا، ويشبه يهود كايفنج من بعض الوجوه، يهود الولايات المتحدة في نجاحهم وانتمائهم إلى طبقة المهنيين، وفي استبطانهم القيم الأمريكية وفي توزعهم الجغرافي، وفي تزايد معدلات الزواج المختلط بينهم وكذلك في انتمائهم الكامل إلى مجتمعهم .
(*) كاتب وباحث متخصص في الصهيونية العالمية، وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة عين شمس- القاهرة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل